الرأي

تلويحة للمجاهد الفذ محمد ملوح

سهيل الخالدي
  • 2817
  • 0

من الصور التي أعلقها على جدار غرفتي، صورة لي مع المجاهد المثقف محمد ملوح وهو في مصحة العجزة المسماة دار السعادة بحي المزة بدمشق.

كان محمد ملوح من أوائل الشباب الذين انضموا إلى الثورة الجزائرية فأرسلته إلى الكلية العسكرية في القاهرة، ثم كلفته بالعمل في مدرسة الإطارات بالقاعدة الشرقية، وهنا يبدأ محمد ملوح رحلته كذاكرة صامتة للثورة، فقد عايش زحف  من نسميهم “ضباط فرنسا” على تلك المدرسة وعلى جيش التحرير الوطني، شاهد عمليات التهميش للمجاهدين الأوائل، وعرف تفاصيل حكاية عباس لغرور وما يسمى بـ”مؤامرة العقداء” وغيرها من التفاصيل الكثيرة التي أخذها معه محمد ملوح الذي وافته المنية في دمشق، وجاءنا نعيه يوم الخميس10/9/2015.

لو سألت أيا من الزملاء الصحفيين الشباب: ماهي أول جريدة صدرت في الجزائرالمستقلة؟ لسارع الجميع وقالوا إنها جريدة “الشعب” والحقيقة غير ذلك، فمنذ لحظات الاستقلال الأولى أسس محمد ملوح رفقة الأديب الراحل الطاهر وطار جريدة في قسنطينة وبالعربية طبعا، أسمياها “الأحرار” وكانا يوزعانها  بأيديهما، فالإمكانيات تحت الصفر ولا أحد يفكر بمساعدتهما، وأمام الصعاب الكثيرة أغلقاها واختار كل منهما طريقا آخر، فالتحق ملوح بوزارة الخارجية وعمل ديبلوماسيا في العديد من الدول عربية وغير العربية، كان بعضها على سبيل الإبعاد حين عين سفيرا في الهند، وآخر سفارة تقلدها كانت في الإمارات العربية المتحدة التي تقاعد منها.

طوال حياته، التزم ملّوح الصمت، ولم يكشف عن تلك التفاصيل الداخلية جدا التي يعرفها في عالم صراعات الثورة 1954-1962 ويقول إنها تفاصيل لاتخدم وحدة الشعب الجزائري وأجياله، وظل صامتا حتى أني كتبت عنه ذات يوم مقالا بعنوان”أبي الهول” لأستفزه لعله يتحدث، ولكنه لم يُستفز.

وفي منتصف التسعينيات، كلفني الزميل محمد الصالح حرز الله بإدارة تحرير أسبوعيته “الصباح الجديد”، فطلبتُ من المجاهد محمد ملوح أن يكتب عن ذكرياته في الثورة لعله يفتح علبته السوداء، لكنه كان أكثر ذكاءً مني فكتب عن بعثة مجلة “العربي” الكويتية التي نشرت في عددها الأول عام 1958 أكبر ربورتاج صحفي عن جيش التحرير الوطني، ورافقته في الجبال الجزائرية، فقد أسس تلك المجلة التي لاتزال تصدر حتى اليوم أحدُ عباقرة هذه الأمة وعلمائها الأفذاذ الذين أهيل التراب على ذكراهم، وحتى هذه المجلة نفسها لم تعد تذكره، ألا وهو المصري  الدكتور أحمد زكي.

كان المرحوم محمد ملوح صهرا لآل المرابط في دمشق، وهي عائلة متديّنة تعود أصولها إلى منطقة دار البيضاء في العاصمة، وقارعت الجنرال بيجو ثم هاجرت وتصدرت المشهد الثقافي والديبلوماسي والديني في دمشق، فهناك جامع المرابط المشهور في حي الصالحية، أرقى أحياء دمشق، ومن هذه العائلة كتّابٌ كبار وسفراء، فجواد المرابط ومطيع المرابط من أعلام دمشق.

ومع مطلع هذا القرن، اشتد عليه المرض وصار بحاجة إلى مساعدة على مدار الساعة، فنُقل إلى مستشفى عين النعجة، ولم تعجب الرعاية زوجته، فنقلته إلى دمشق وأدخلته إلى تلك المصحة التي تقوم بها جمعية من جمعيات المجتمع المدني وتخصصها لكبار القوم من الذين ليس لهم من يرعاهم مقابل خمسين ألف ليرة سورية شهريا. 

كنت أزوره في تلك المصحة بعد أن أعلمني الأستاذ عبد القادر السائحي بوجوده فيها، وأرى تلك الرعاية التي تحيطه، وزوجته نفسها لا تكاد تفارقه ليل نهار،

واكتشفت خلال واحدة من هذه الزيارات أن نفرا من الديبلوماسيين وغير الديبلوماسيين الجزائريين فضلوا أن تكون المصحة مكانَهم الأخير.

 كان لمحمد ملوح بنتان، واحدة متزوجة في العاصمة الأردنية عمان وواحدة في سويسرا، وكنت ألتقيهما تزورانه في تلك المصحة.

كان ملوح يتابع أخبار الجزائر يوما بعد يوم، وتزوّده السفارة ببعض الصحف بين فترة وأخرى، وحاولت ومعي المؤرخ الجزائري مصطفى نويصر، أن نستدرجه لعله يفتح تلك العلبة، لكن “أبا الهول” ظل صامتا، وكل ما حكاه أنه صحح بعض المعلومات الطفيفة الواردة في رسالة ماجستير في جامعة الجزائر، وفي إحدى هذه الزيارات أعلمني أنه يحاول أن يكتب مذكراته، فقلت في نفسي”إن ذلك خير كبير”، وكانت آخر زيارة قمت بها وزوجتي له قبل هروبنا من الحرب السورية في أوت 2012 وعرضتْ علينا زوجته أن نسكن شقتهم في ديدوش مراد، فاعتذرنا شاكرين.

كنت أتصل به من الجزائر لأطمئن عليه في هذه الحرب الضروس، وأنا أقول في نفسي: من يطمئن على من؟ فكلانا أعجزه المرض وكلانا مسنّ، وكلانا أدارت له الدنيا ظهرها.. وفجأة اتصل بي المجاهد الدكتور عثمان سعدي طالبا هاتف ملوح، وبالفعل اتصل به واطمئن عليه، كما يليق بالرجا، ثم لم يعد الاتصال بسورية ممكنا.

رحم الله المجاهد محمد ملوح الذي رفض أن يسيء بكلمة لرجال وطنه، حتى وإن اختلف معهم.. في الوقت الذي يكاد نشرُ الغسيل الوسخ يكون هواية للكثيرين.

رحم الله الرجال الرجال.

مقالات ذات صلة