-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
هدية الواحات التي ينتظرها عشاق الرطب كل عام

تمر “المنقر”… حين يطرح النخيل عسلا

م. عبد الرحمان
  • 112
  • 0
تمر “المنقر”… حين يطرح النخيل عسلا
ح.م

مع بداية شهر أوت، تبدأ واحات الزاب الغربي ببسكرة وأولاد جلال في ارتداء واحد من أجمل ألوان موسمها الفلاحي، حين تتدلى عراجين “المنقر” في نخيل الغرس، معلنة بداية موسم يترقبه عشاق هذا النوع من التمور اللينة، التي استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة خاصة في الأسواق المحلية، بل وأن تنافس حتى باقي الأصناف في الحضور والإقبال عليها خلال هذه الفترة من السنة أو من الموسم الفلاحي.
ففي أسواق وساحات بيع الخضر والفواكه ببسكرة وأولاد جلال، يلفت «المنقر» الأنظار قبل أن تلامسه الأيدي أو تتذوقه الألسن، بلونه الذهبي المميز وشكله الذي يجمع بين الجزء اللين الذهبي والجزء الأصفر الفاقع الأكثر تماسكا، في مشهد تختصر فيه حبة التمر جانبا من سحر الواحات وروعة ما ينتجه نخيل المنطقة.
وقد شرع الفلاحون هذه الأيام في جني هذا النوع من التمور، المعروف محليا أيضا باسم المزنطط” أو “الرطب”، حيث يتم جنيه قبل بلوغ مرحلة النضج الكامل، ليصل إلى المستهلك في مرحلة تتميز فيها الحبة بطراوتها وحلاوتها العالية. ويُعد «المنقر» من الأصناف التي تنضج مبكرا مقارنة ببقية أنواع التمور، حيث تساعد درجات الحرارة المرتفعة التي تعرفها المنطقة خلال فصل الصيف على تسريع عملية نضجه.
وحسب عدد من المنتجين والتجار والمهتمين بهذا النوع من التمور، فإن أولى كميات «المنقر» التي تصل إلى الأسواق ترد عادة من بعض ولايات الجنوب الكبير، حيث تظهر البواكير اعتبارا من منتصف أو أواخر شهر جويلية، قبل أن يبدأ إنتاج بسكرة وتحديدا طولقة وليوة وكذا أولاد جلال وسيدي خالد في الالتحاق تدريجيا بالأسواق، بالتزامن مع اشتداد الحرارة ودخول موسم الجني مرحلته الفعلية، التي تبلغ ذروتها خلال شهري أوت وسبتمبر، ويمتاز “المنقر” المنتج ببسكرة وأولاد جلال بسمعة مميزة، ويصنفه البعض ضمن أجود وأطيب أنواع التمور اللينة أو الرطب، بالنظر إلى مذاقه شديد الحلاوة وطراوته وخصائصه الشكلية، حتى أن بعض عشاقه لا يجدون وصفا أكثر دقة لحلاوته من تشبيهه بـ«عسل النخيل»، في حين تمنحه طبيعته الخالية من الرمال ونقاء حباته ولونها الذهبي جاذبية إضافية تجعلها محط أنظار المتسوقين، ولا تتوقف خصوصية هذا المنتج عند المذاق والشكل فقط، إذ يرى بعض المنتجين أن جودة «المنقر» بالمنطقة ترتبط أيضا بطبيعة التربة ونوعية السقي وانتظامه، فضلا عن طريقة الجني، التي تتطلب، حسب أهل الخبرة، قدرا كبيرا من المهارة والصبر والتأني. فالحفاظ على شكل الحبة وعدم إتلافها أثناء الجني يحتاج إلى عناية خاصة، حتى تصل إلى السوق محافظة على مظهرها الجذاب وخصائصها الطبيعية.

الأسعار إلى تراجع
وفي الجانب التجاري، تعرف أسعار «المنقر» تباينا واضحا خلال مراحل الموسم، إذ تكون مرتفعة جدا في بداية ظهوره، باعتباره من بواكير الإنتاج أو ما يعرف محليا بـ”الفال”، حيث بيع في أول ظهوره بما يفوق 800 دج للكيلوغرام الواح ، لينزل تدريجيا الى ما بين 600 دج و500 دج الأسبوع الماضي ليصل مع هذا الأسبوع بين 400 دج و500 دج على أن تعرف هذه الأسعار تراجعا تدريجيا وبشكل اكبر كلما ارتفعت الكميات المعروضة في الأسواق، لتصل في ذروة الموسم إلى حدود 200 دينار للكيلوغرام، ورغم ارتفاع السعر في بداية الموسم، فإن ذلك لم يمنع الإقبال الكبير على «المنقر»، حيث يتهافت عليه أبناء المنطقة وزوارها وحتى مستعملي الطرق العابرة للولايتين، فيما يتجاوز الطلب عليه حدود الأسواق المحلية ليصل إلى أبناء الجالية الجزائرية في الخارج، الذين يحرص بعضهم على اقتناء كميات منه ونقلها معه اثناء عودته الى ديار الغربة ليهديها إلى الأهل أو الأصدقاء هناك.
ومن خلال الشهرة التي نالها تمر “المنقر” فإن هذا النوع من التمر اللين لم يعد في أسواق بسكرة وأولاد جلال مجرد محصول موسمي عابر، بل يتحول كل عام إلى عنوان آخر من عناوين كرم النخيل وجمال الواحات، حبةٌ ذهبية صغيرة تختزن مذاق الصيف، وتختصر قصة أرض اعتادت أن تمنحها نخيلها ما يجعل موائد الجزائريين أكثر حلاوة، وأسواقها أكثر ألوانا وحيوية، فحين تجتمع حلاوة المذاق، وجمال اللون، وخصوصية الموسم، يصبح «المنقر» أكثر من تمرة، إنه، وكما يقول الفلاحون، بشارة موسم جديد، وهدية الواحات التي ينتظرها عشاق الرطب من عام إلى آخر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!