توظيف العدوان على غزة لتمرير إعادة الانتشار السياسي الأمريكي
الحرب هي كما يقول الجنرال البروسي كلاوزِ_يتس “مجرد امتداد للسياسة بوسائل أخرى” والعدوان الصهيوني على غزة لا يخرج عن القاعدة، لأنه سوف يسمح بتوظيف شهداء غزة مرة أخرى لتمرير إعادة انتشار للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، تقسم فيها الأدوار بين ثلاثة محاور إقليمية قادرة على تسويق التعايش الدائم لشعوب المنطقة مع الكيان الصهيوني ، ودعم تسوية عرجاء تبعد القضية الفلسطينية عن مطلب تحرير الأرض وحق العودة.
سوف يتوقف العدوان الصهيوني بعد حين، بعد سقوط ألف شهيد من صبية ونساء وشيوخ غزة، وقد بدأ العد العكسي لتفعيل عملية يقودها كاتب الدولة الأمريكي للخارجية بمعية بن كيمون، تريد إحياء المبادرة المصرية بتغليف جديد عبر الدعوة إلى هدنة من سبعة أيام بمناسبة عيد الفطر، تتخللها مفاوضات بين العدو الصهيوني والفصائل، تحقق الاستجابة لبعض مطالب المقاومة، ومنها إخراج صيغة ترفع الحصار جزئيا عن قطاع غزة.
المؤتمر الصحفي الذي عقده كيري صحبة وزير الخارجية المصري، والأمينين العامين للأمم المتحدة والجامعة العربية، مهد لهذا المسار بالتلويح العابر لإمكانية تعديل المبادرة المصرية، في اللحظة التي يتوقف فيها القتال، الذي بات يشكل عبئا على المجموعة الدولية وحلفاء الكيان، بعد أن اتضح لهم إخفاق الكيان في تحقيق أهدافه، وتوحله في مواجهة مكلفة على الأرض مع المقاومة، والخوف من انطلاق انتفاضة ثانية بالضفة، كانت قد تشكلت بعض جيوبها منذ ثلاثة أيام، مع سقوط أول شهيد من الضفة.
وسوف نشهد تعاظم الضغط على المقاومة، وعلى قيادة “حماس” تحديدا، لحملها على القبول بالهدنة المؤقتة، مع تقديم بعض الضمانات الأمريكية والأممية بفتح ملف الحصار على غزة، وربما الدعوة إلى مشروع إعادة أعمار غزة، وتحسين الأوضاع الإنسانية فيه، شريطة أن تقبل حماس بوضع إدارة القطاع تحت تصرف حكومة الوحدة الوطنية وهو بيت القصيد، أي العودة إلى وضع سابق لقيام حكومة حماس المنتخبة، واستفرادها بإدارة قطاع غزة.
وحتى مع الخطاب الجديد لسلطة محمود عباس ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذي أظهر قدرا من الدعم والمساندة لمطالب فصائل المقاومة في غزة، فإن السلطة سوف تعمل في السر على معارضة أي قرار يرفع الحصار عن غزة، قبل انتزاع موافقة من حماس على وضع معبر رفح تحت إدارة حكومة الوحدة الوطنية، لاعتقادها أن رفع الحصار في غياب هذا الشرط سوف يحرر حماس من التزاماتها تجاه تبعات تشكيل حكومة الوحدة، التي تزعم سلطة رام الله أن حماس قد قبلت بها كمتنفس عن حالة العزلة والاستعداء المصري للحركة منذ الانقلاب على الرئيس مرسي.
ومن جهته فإن الكيان الصهيوني، الذي دشن هذا العدوان بغير هدف معلوم سوى قتل أكبر عدد من الفلسطينيين، لم يعد يمتلك هامش مناورة كبير لتمديد عمر العدوان، مع كل ما لحق به من هزائم على الأرض، ومن الحصار الذي بدأت تنتجه صواريخ المقاومة على الكيان، وتجميد الحركة الاقتصادية والسياحية، فضلا عن خسائره السياسية والدبلوماسية الفادحة، كان آخرها قرار الإدانة الصادر يوم الأربعاء عن مجلس حقوق الإنسان الأممي، وتشكيل لجنة دولية لها صفة عاجلة للتحقيق بشأن “كل الانتهاكات” المرتكبة في الهجوم الإسرائيلي على غزة.
مؤشرات قرب التوصل إلى صيغة مقبولة للطرفين بدأت تلوح في الأفق، بعد موافقة كل من حكومة الكيان وحماس على هدنة إنسانية لمدة 12 ساعة بدأت صباح أمس السبت، فيما رفضت حكومة الكيان مقترح كيري بعقد هدنة لأسبوع، واشترطت أن تبقى قواتها داخل غزة حتى نهاية الهدنة، وهو ما ترفضه الفصائل جملة وتفصيلا، لكن حماس التي بدأت تستشعر الفخ الذي يراد لها أن تظهر فيه كطرف رافض للتهدئة ولوقف نزيف الدم الفلسطيني، سارعت إلى التصريح على لسان عزت الرشق، عضو المكتب السياسي في الحركة، أنها تدرس اقتراحا للتوصل لـ“تهدئة إنسانية” لمدة أسبوع، كما لن يكون بوسع الكيان مواصلة رفض مقترح حليفه الأمريكي، وهو الذي طلب حضور كيري لإنقاذه من الورطة.
لأجل ذلك سوف يسجل في الساعات أو الأيام القادمة تحولا في موقف الكيان الصهيوني، الذي يحتاج إلى التهدئة أكثر من الفصائل، التي لن تستفيد الكثير من أي تهدئة لا تفضي إلى انتزاع قرار برفع حصار بضمانات الراعي الأمريكي، وقد اختطف الدور من المصريين والقطريين، ويريد أن يستثمر دماء شهداء غزة، ليس لصالح تسوية الأوضاع في غزة، التي لم تكن في يوم ما من أولويات الإدارة الأمريكية، بل أن حراك كيري وتوظيف بن كيمون جاء من أجل بحث فرص إعادة إحياء مشروع التسوية الذي أقبره رئيس حكومة الكيان الصهيوني.
الصيغة المبتكرة التي يتصيدها “الوسيط” الأمريكي قد تذهب أبعد من وقف العدوان، والاستجابة لبعض مطالب الفصائل، بعرض مقايضة الرفع الجزئي أو حتى الشامل عن قطاع غزة، مقابل تجديد شروط الهدنة التي عقدت سنة 2012 تكون مكسبا للكيان، تضمن له سكون جبهته الجنوبية الغربية، كما حصل مع جبهته الشمالية مع حزب الله، مقابل الدخول في مفاوضات مع حكومة الوحدة الوطنية، التي تعني الموافقة الضمنية لحماس في الحد الأدنى على “عدم التشويش على مفاوضات مستقبلية“
هذا على الأقل ما تحلم به إدارة أوباما التي كان على رأس أولوياتها بداية العهدة الأولى، تحقيق تقدم على مسار التسوية، قبل أن تستسلم لصلف حكومة الكيان الصهيوني، وتعثر مساراها الأخر الذي أراد اختبار العمل مع الإخوان عبر فعاليات الربيع العربي.
وحيث أن الإدارة الأمريكية قد “ضيعت في الصيف اللبن” وتكون قد خسرت جزءا من تفهم حلفائها التقليديين في مصر ودول الخليج، فإنها لا تمانع ـ وهي تعيد انتشارها السياسي في الشرق الأوسط عبر البحث عن دور لإيران ـ لا تمانع في تنشيط محور ثالث “قطري ـ تركي” يمر حتما عبر إشراكه في ملف غزة، وربما توظيفه في دعم مسار التسوية، بما لهذا المحور الجديد من نفوذ على الأقل على قيادة حماس المستضافة بالدوحة، كمل قد تشتري مجددا نوعا من التهدئة مع حلفائها التقليديين في الخليج، بإعادة الدفء إلى علاقتها مع القيادة المصرية الجديدة لتكون مع السعودية على رأس المحور الثالث، يتقاسم إدارة شؤون الشرق الأوسط في الحدود التي ترسمها وتسمح بها الإدارة الأمريكية.