-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تونس‭ ‬تستغني‭ ‬عن‭ ‬نصائح‭ ‬خالد‭ ‬نزار

عابد شارف
  • 5665
  • 19
تونس‭ ‬تستغني‭ ‬عن‭ ‬نصائح‭ ‬خالد‭ ‬نزار

لما انتصر الإسلاميون في الانتخابات التشريعية في الجزائر قبل عشرين سنة، قامت القيامة، وطالبت تيارات وشخصيات عديدة بوضع حد لتلك التجربة التي قالوا إنها وصلت إلى طريق مسدود حيث أنها كانت تهدد باغتيال الديمقراطية باسم الديمقراطية. أما اليوم، فإن عملية انتخابية مماثلة في تونس أدت إلى انتصار ساحق للإسلاميين، لكن باستثناء بعض الأصوات القليلة، فإن ردود الفعل كانت متزنة، سواء في الداخل أو في الخارج، ولم تظهر تهديدات تذكر ضد التجرية التونسية، بل إن قوى لائيكية في الداخل وقوى خارجية معروفة بعدائها للإسلاميين قالت علنا‭ ‬إنها‭ ‬تساند‭ ‬مواصلة‭ ‬التجربة‭. ‬وجاء‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التجربة‭ ‬الجزائرية‭ ‬والتونسية‭ ‬لأسباب‭ ‬عديدة‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬خمسة‭ ‬أساسية‭:‬

  • 1- إن حزب النهضة الذي انتصر في الانتخابات في تونس يختلف عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بانتخابات ديسمير 1991 في الجزائر. وقد كان الفيس حزبا شعبيا وشعبويا، يعمل علنا لفرض هيمنته، وكانت تيارات داخله تقول صراحة أنها لا تؤمن بالديمقراطية. عكس ذلك، ورغم طبيعته الإسلامية، عمل حزب النهضة لتهدئة الوضع، وطمأنة المتعاملين السياسيين في الداخل والخارج، وقال إنه لن يتراجع عن بعض المكاسب العصرية، مثل منع تعدد الزوجات، وهي الفكرة التي يعتبرها الإسلاميون التقليديون بدعة.
  • ولعل هذا الموقف نابع من شخصية زعيم النهضة راشد الغنوشي، الذي يبدو وكأنه يشبه عبد العزيز بلخادم أكثر مما يشبه علي بلحاج، وقد كان الغنوشي في الجزائر بداية التسعينيات، وتابع مغامرة الفيس، ولعل ذلك جعله براغماتيا، ودفعه إلى إعطاء أهمية أكبر للحريات، خاصة لما ضاقت‭ ‬به‭ ‬الدنيا‭ ‬فلم‭ ‬يجد‭ ‬ملجأ‭ ‬إلا‭ ‬في‭ “‬الغرب‭ ‬الإباحي‭ ‬اللائكي‭” ‬الذي‭ ‬يقدس‭ ‬الحريات‭ ‬الفردية‭…‬
  • 2- إن المجتمع التونسي أكثر انسجاما وتماسكا، ويميل أكثر إلى التفاوض والحلول الوسطى، عكس المجتمع الجزائري الذي ورث ثورة عنيفة، ويؤمن أكثر بالحلول التي تأتي عن طريق القوة. وتوجد في تونس طبقة وسطى تلعب دورا كبيرا في التوازن الاجتماعي، وكان لها دور تاريخي بارز ومازالت‭ ‬تحتل‭ ‬دورا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬عكس‭ ‬المجتمع‭ ‬الجزائري‭ ‬الذي‭ ‬تبقى‭ ‬فيه‭ “‬العامة‭” ‬سيدة‭ ‬الموقف‭…‬
  • 3- إن التجربة الانتخابية في تونس كانت محل مفاوضات سبقت عملية الاقتراع. وقد اكتفى حزب النهضة بنصيب متواضع مقارنة بوزنه، وأعطى ضمانات أنه سيحترم الآخرين، ووافق على نظام انتخابي يعطيه القليل من المقاعد، وامتنع عن مظاهر الاحتقار تجاه الآخرين. ولا يهم أن يكون ذلك تكتيكا، وأن يختار حزب النهضة هذه الخطة للوصول إلى الحكم قبل أن يظهر نواياه الحقيقية. وليس مهما أنه سيلبي كل وعوده أم لا، إنما المهم هو الموقف الرسمي المعلن اليوم، والذي سمح بمواصلة المشوار في ظروف مقبولة. أما في الجزائر، فإن الفيس كان يريد تغيير موازين القوى في يوم واحد ليفرض هيمنته، ويقيم النظام الذي يريد، مما أثار تخوفا مشروعا لدى فئات كثيرة. وظهر الفيس وكأنه لا يعرف ما الدولة، ولا يريد أن يتعامل مع المؤسسات القائمة، بينما استطاع النهضة أن يتعامل بطريقة جيدة مع المؤسسات التونسية الموجودة دون أن يثير رد‭ ‬فعل‭ ‬عنيفا‭ ‬منها‭. ‬
  • 4- من المحتمل أن المفاوضات التي سبقت العملية الانتخابية في تونس شملت أطرفا خارجية، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا، التي وافقت، بل شجعت المسار الانتخابي. وقد اتخذت أمريكا هذا الموقف بعد فشل مختلف التجارب السابقة، سواء التجربة الجزائرية وتوقيف الانتخابات، أو التجربة العراقية والأفغانية التي تهدف إلى “فرض الديمقراطية” بالقوة، أو التحجر الذي تعيشه بلدان عربية أخرى. والظاهر أن أمريكا تريد إدماج الإسلاميين في العملية الديمقراطية للوصول إلى نموذج تركي، حيث أن الخبراء الأمريكيين يعتبرون أنه من الممكن دخول الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية إذا تحسن مستوى المعيشة، وإذا توفرت منافذ للاحتجاج والمعارضة، وإذا كان المحيط الدولي ملائما. عكس هذا الوضع، فإن المحيط الدولي كان يرفض تماما التجربة الديمقراطية في الجزائر في التسعينيات، حيث أن العالم كان يختلف، وكانت الجزائر تظهر إلى جانب العراق كدولة من الممكن أن تتحكم في التتكنولوجيا النووية، وإذا تحولت إلى دولة ديمقراطية فلا يمكن التأثير عليها، ولذلك لعبت كل القوى الكبرى في نفس الاتجاه الذي يهدف إلى وضع حد للتجربة الجزائرية.
  • 5- يمكن أن نضيف أخيرا أن التجربة التونسية تستفيد بطريقة غير مباشرة من فشل التجربة الجزائرية، حيث أن مواصلة الانتخابات تبدو أقل تكلفة من وضع حد للتجربة الديمقراطية. وقد أعطت التجربة الجزائرية قائمة للتصرفات التي يجب تجنبها، وعلى رأسها منع أشخاص مثل خالد نزار من التدخل العشوائي الذي يؤدي إلى المأزق. هذا ما يفتح الباب أمام تونس لتتعلم ما لم تعرف الجزائر أن تتصرف في شأنه: إنه من السهل تنظيم عمليات احتجاج وقطع الطريق ولعن المسؤولين السياسيين، لكنه من الصعب جدا بناء مشروع ديمقراطي لأنه يتطلب مجهودا يدوم سنوات، بل عشرات السنين، ويتطلب الصبر والتفاوض وقبول الحلول الصعبة. وإذا كان القيام بانقلاب لا يتطلب إلا قرارا  بدائيا ومجموعة تنفذه وأخرى تقرع له الطبول، فإن بناء الديمقراطية عملية معقدة تتطلب مجهودا جماعيا شاقا يفوق قدرة وفكر ضباط الصف الذين تحولوا إلى مفكرين سياسيين‭.‬
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
19
  • abderrahmane

    (فإن بناء الديمقراطية عملية معقدة تتطلب مجهودا جماعيا شاقا يفوق قدرة و فكر ضباط الصف الذين تحولوا إلى مفكرين سياسيين)كانت تكفي فقط هذه الكلمات المختصرات لتصوير و تحليل كل ما جرى لنا و ما جره على البلاد من سنوات ضائعة من عمر الديمقراطية فلا تتعب فكرك كثيرا يا أستاذ و دع هذا الامر لضباط الصف فهم أجدر منك للتحليل و التنظير السياسي.

  • Med

    اسمح أقول لك أنه لاتوجد أوجه شبه بين الشخصيتين إلا إذا أردت تمرير رسالة ما.

  • بدون اسم

    لقد كانت لنا فرصة كبيرة لطبيق الديمقراطية قبل الدول العربية كلها بل قبل الدول الاشتراكية سابقا ًاحداث اكتوبر 88ًً مما نتج عنها تعددية في 89 ولكن إإإ
    وها نحن نتاخر اليومِ
    فحتى المغرب تمكن من اجراء الانتخابات حرة و نزيهة

  • احمد

    لو كانت تونس غنية بالثروات مثل الجزائر ماذ يحصل
    1 هل يتنازل الحكام عن الحكم
    2 هل يشبعون من نهب المال
    3 هل لا يورثون ابناءهم
    3 ام يتنازلون بسهولة عن الكرسي0

  • نبيل

    مقال جيد و تشخيص ممتاز للواقع السياسي. ولكن من يستطيع ان يقول لنا ماذا كان سيجري لو لم يوقف (المسار الانتخابي) ممكن اخطر و بكثير مما وقع.
    اني شخصيا لا الوم من وقف هذا المسار و ذلك التسونامي الفيسي و ليتهم كانو مثل النهضة (التونسية) متعقلين, متواضعين، مثقفين الخ

  • hacene

    لم تكن تجربة الجزائر ديمقراطية لأن الشروط الموصوعية لم تكن متوفرة و أهمها النية الصادقة في التغيير جبهة التحرير فصلت قانونا انتخابيا على مقاسها فانقلب السحر على الساحر و كانت الأحزاب تعتدي على القانون علنا دون أن تحرك السلطة ساكنا ..... إن الديمقراطية بناء يبدأ من القاعدة فهل نحن مستعدون لتقبل الآخر مهما اختلف عنا ؟ لاأظن ذلك

  • رضا بن عمر

    مقال عبر عن الازمة الجزائرية بكل واقعية وبكل صراحة وموضوعية. شكرا استاذنا الفاضل.

  • بدون اسم

    الحقيقة ان تونس دولة مدنية ذاك سبب نجاح الديمقراطية

  • حمزة الجزائري

    والله الفيس مظلوم.

  • sami

    الطير يغني وجناحه يرد عليه

  • Ahmad

    Jazak Allah Kheir ... Mumtaz

  • yacine

    لقد عبرت ما كان في عقلي الا اني لا استطيع ان اعبر عنها على الورق

  • Ahmad

    Jazak Allah Kheir ... Mumtaz

  • بدون اسم

    الفرق غير المعلن هو الاطماع في المال و النفود الدي من اجله اثر المنقلبون توقيف الديمقراطية والبون شاسع بين البلدين في الثروات و الريع.

  • بومدين

    مقال رائع جدا من أحسن ما قرأت حول المقارنة بين التجربتين

  • moi

    entre 1991 et 2011,il ya 20 ans;les mentalités ont changé

  • ناصر

    نشكر الجيش الوطني الشعبي لتصديه امام مطامع أولئك الذين يطلقون على أنفسهم صفة الاسلاميين والاسلام بريء من نفاقهم وأفعالهم الشنعاء .

  • ahmedabdelbaki

    المشكلة يا سي عابد ليست في العامة وحسب ، لكنها في النخبة ، التي مازالت تقرأ بانتقائية المشهد ، صحيح أن التطرف هو سيد الموقف في الجزائر.تطرف الفيس وتطرف السلطة . لكن هناك تطرف إيديولوجي آخر هو الذي أملى على السلطة حدوث ذلك وسوغ لها فعل التعطيل ، أقلية إيديولوجية تحسب عليها أنت ونهنئك على هذا التطور الملحوظ الذي لم يعطنا الصورة كاملة.لأنه ينطلق من مسلمات ايديولوجية حسبما يعتقد تجعله يلغي الاعتدال والعقل من خارطة جزائرية ـ وإن وجد ـ كان صوت العقل فيها نشازا . يسار متطور بدل يسار متطرف هنيئا عابد

  • aziz

    سيبقى إسمه خالدأ في أذهان الجزائريين!!!!