تونس تستغني عن نصائح خالد نزار
لما انتصر الإسلاميون في الانتخابات التشريعية في الجزائر قبل عشرين سنة، قامت القيامة، وطالبت تيارات وشخصيات عديدة بوضع حد لتلك التجربة التي قالوا إنها وصلت إلى طريق مسدود حيث أنها كانت تهدد باغتيال الديمقراطية باسم الديمقراطية. أما اليوم، فإن عملية انتخابية مماثلة في تونس أدت إلى انتصار ساحق للإسلاميين، لكن باستثناء بعض الأصوات القليلة، فإن ردود الفعل كانت متزنة، سواء في الداخل أو في الخارج، ولم تظهر تهديدات تذكر ضد التجرية التونسية، بل إن قوى لائيكية في الداخل وقوى خارجية معروفة بعدائها للإسلاميين قالت علنا إنها تساند مواصلة التجربة. وجاء هذا الفارق في التعامل مع التجربة الجزائرية والتونسية لأسباب عديدة نذكر منها خمسة أساسية:
- 1- إن حزب النهضة الذي انتصر في الانتخابات في تونس يختلف عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بانتخابات ديسمير 1991 في الجزائر. وقد كان الفيس حزبا شعبيا وشعبويا، يعمل علنا لفرض هيمنته، وكانت تيارات داخله تقول صراحة أنها لا تؤمن بالديمقراطية. عكس ذلك، ورغم طبيعته الإسلامية، عمل حزب النهضة لتهدئة الوضع، وطمأنة المتعاملين السياسيين في الداخل والخارج، وقال إنه لن يتراجع عن بعض المكاسب العصرية، مثل منع تعدد الزوجات، وهي الفكرة التي يعتبرها الإسلاميون التقليديون بدعة.
- ولعل هذا الموقف نابع من شخصية زعيم النهضة راشد الغنوشي، الذي يبدو وكأنه يشبه عبد العزيز بلخادم أكثر مما يشبه علي بلحاج، وقد كان الغنوشي في الجزائر بداية التسعينيات، وتابع مغامرة الفيس، ولعل ذلك جعله براغماتيا، ودفعه إلى إعطاء أهمية أكبر للحريات، خاصة لما ضاقت به الدنيا فلم يجد ملجأ إلا في “الغرب الإباحي اللائكي” الذي يقدس الحريات الفردية…
- 2- إن المجتمع التونسي أكثر انسجاما وتماسكا، ويميل أكثر إلى التفاوض والحلول الوسطى، عكس المجتمع الجزائري الذي ورث ثورة عنيفة، ويؤمن أكثر بالحلول التي تأتي عن طريق القوة. وتوجد في تونس طبقة وسطى تلعب دورا كبيرا في التوازن الاجتماعي، وكان لها دور تاريخي بارز ومازالت تحتل دورا محوريا في الساحة الاجتماعية والسياسية، عكس المجتمع الجزائري الذي تبقى فيه “العامة” سيدة الموقف…
- 3- إن التجربة الانتخابية في تونس كانت محل مفاوضات سبقت عملية الاقتراع. وقد اكتفى حزب النهضة بنصيب متواضع مقارنة بوزنه، وأعطى ضمانات أنه سيحترم الآخرين، ووافق على نظام انتخابي يعطيه القليل من المقاعد، وامتنع عن مظاهر الاحتقار تجاه الآخرين. ولا يهم أن يكون ذلك تكتيكا، وأن يختار حزب النهضة هذه الخطة للوصول إلى الحكم قبل أن يظهر نواياه الحقيقية. وليس مهما أنه سيلبي كل وعوده أم لا، إنما المهم هو الموقف الرسمي المعلن اليوم، والذي سمح بمواصلة المشوار في ظروف مقبولة. أما في الجزائر، فإن الفيس كان يريد تغيير موازين القوى في يوم واحد ليفرض هيمنته، ويقيم النظام الذي يريد، مما أثار تخوفا مشروعا لدى فئات كثيرة. وظهر الفيس وكأنه لا يعرف ما الدولة، ولا يريد أن يتعامل مع المؤسسات القائمة، بينما استطاع النهضة أن يتعامل بطريقة جيدة مع المؤسسات التونسية الموجودة دون أن يثير رد فعل عنيفا منها.
- 4- من المحتمل أن المفاوضات التي سبقت العملية الانتخابية في تونس شملت أطرفا خارجية، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا، التي وافقت، بل شجعت المسار الانتخابي. وقد اتخذت أمريكا هذا الموقف بعد فشل مختلف التجارب السابقة، سواء التجربة الجزائرية وتوقيف الانتخابات، أو التجربة العراقية والأفغانية التي تهدف إلى “فرض الديمقراطية” بالقوة، أو التحجر الذي تعيشه بلدان عربية أخرى. والظاهر أن أمريكا تريد إدماج الإسلاميين في العملية الديمقراطية للوصول إلى نموذج تركي، حيث أن الخبراء الأمريكيين يعتبرون أنه من الممكن دخول الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية إذا تحسن مستوى المعيشة، وإذا توفرت منافذ للاحتجاج والمعارضة، وإذا كان المحيط الدولي ملائما. عكس هذا الوضع، فإن المحيط الدولي كان يرفض تماما التجربة الديمقراطية في الجزائر في التسعينيات، حيث أن العالم كان يختلف، وكانت الجزائر تظهر إلى جانب العراق كدولة من الممكن أن تتحكم في التتكنولوجيا النووية، وإذا تحولت إلى دولة ديمقراطية فلا يمكن التأثير عليها، ولذلك لعبت كل القوى الكبرى في نفس الاتجاه الذي يهدف إلى وضع حد للتجربة الجزائرية.
- 5- يمكن أن نضيف أخيرا أن التجربة التونسية تستفيد بطريقة غير مباشرة من فشل التجربة الجزائرية، حيث أن مواصلة الانتخابات تبدو أقل تكلفة من وضع حد للتجربة الديمقراطية. وقد أعطت التجربة الجزائرية قائمة للتصرفات التي يجب تجنبها، وعلى رأسها منع أشخاص مثل خالد نزار من التدخل العشوائي الذي يؤدي إلى المأزق. هذا ما يفتح الباب أمام تونس لتتعلم ما لم تعرف الجزائر أن تتصرف في شأنه: إنه من السهل تنظيم عمليات احتجاج وقطع الطريق ولعن المسؤولين السياسيين، لكنه من الصعب جدا بناء مشروع ديمقراطي لأنه يتطلب مجهودا يدوم سنوات، بل عشرات السنين، ويتطلب الصبر والتفاوض وقبول الحلول الصعبة. وإذا كان القيام بانقلاب لا يتطلب إلا قرارا بدائيا ومجموعة تنفذه وأخرى تقرع له الطبول، فإن بناء الديمقراطية عملية معقدة تتطلب مجهودا جماعيا شاقا يفوق قدرة وفكر ضباط الصف الذين تحولوا إلى مفكرين سياسيين.