ثمازيغث.. بهُويةٍ لاتينية!
بعد إقرار التعديل الدستوري الذي يعترف بالأمازيغية لغة رسمية، انطلق الجدل حول الحروف التي ستُكتب وتُدرّس بها، وعن اللغة المعيارية أو الفصيحة التي ستُوحّد لهجاتِها في لغةٍ واحدة.
وكما كان متوقعاً، طرح المهتمّون الحروفَ العربية واللاتينية والتيفيناغ لكتابة الأمازيغية، وهذه المسألة طُرحت منذ الشروع في تدريس هذه اللغة في الموسم الدراسي 1995- 1996، وبدأ القبائل يدرّسونها بالحروف اللاتينية، والتوارق بالتيفيناغ، والشاوية والميزابيون بالحروف العربية، وكانت كلّ جهة تدرّس لهجتها الخاصة وتقدّمها لأبنائها على أنها هي “الأمازيغية”، ولم تتدخّل الدولة لتوحيد الحروف أو إنشاء أكاديمية لوضع لغة أمازيغية فصيحة تسمو على لهجاتها، كما تسمو العربية الفصيحة على عامِّياتها وتوحّد العرب، ولذلك بقي الحسمُ مؤجَّلاً.
واليوم وقد رُسّمت الأمازيغية، فقد تجدّد الجدل الذي لم يصل إلى نتيجة طيلة 20 سنة، وأضحى الجميع ينتظر الحسم في المسألة قبل إنشاء الأكاديمية.
قد لا يبدو طرحُ الحرفين العربي واللاتيني لكتابة الأمازيغية وجيهاً، ما دامت لها أبجديتُها الخاصّة المعروفة منذ أكثر من 6 آلاف سنة بنقش بعض حروفها على صخور التاسيلي، وربما كانت في حاجة إلى تطويرٍ فحسب وتعميمِ تدريسها، ولا يعترض أنصارُ كتابتها بالحرف العربي على ذلك؛ فلها الأولوية على ما عداها من حروف حتى العربية.
لكن أنصار الحرف اللاتيني لا يتحمّسون للتيفيناغ بذريعة أنها غير معروفة وستعرقل تعميم الأمازيغية وتمسّكَ الجزائريين بها، ويطرحون الحرف اللاتيني بديلاً لها، ويتحجّجون بأن هناك بحوثاً كثيرة أنجزت به منذ عقودٍ طويلة، وكتباً وقواميسَ عديدة أُلِّفت به، ولا يمكن تجاهلها وإهدارُها الآن والبدء من الصفر من خلال كتابة الأمازيغية بالتيفيناغ أو الحرف العربي.
والواقع أن البديل الذي يقدّمه هؤلاء، ويحاولون تغليفه بغطاءٍ “علمي”، هو الذي سيعرقل تعميم تدريس الأمازيغية وإقبال التلاميذ عليها في الولايات الـ32 التي ستُدرّس فيها الأمازيغية ابتداءً من الموسم الدراسي القادم؛ فتقديم الأمازيغية بالحروف اللاتينية لتلاميذ لم يألفوها، سيجعلهم يشعرون بأنها لا تمُتّ إلى الهوية الوطنية بصِلة، ولا تختلف عن اللغات الأجنبية التي يدرسونها، وبالتالي لن تختلف نتائجُهم الدراسية فيها عن النتائج الهزيلة التي يحصلون عليها عادة في اللغات الأجنبية.
إن تدريس الأمازيغية بحروفٍ لاتينية هو سلخٌ لهذه اللغة عن جذورها، ومدعاةٌ لتنفير الجزائريين منها، وعزوفهم عن تعلّمها، كما أن تدثّر أصحابها بـ”المعايير العلمية” للتغطية على إيديولوجيتهم المعروفة، لا يصمد أمام حقائق الواقع، وأبسط دليل على ذلك أنهم يزعمون أن الحروف اللاتينية أقدرُ من العربية على التعبير عن الكلمات الأمازيغية المليئة بحروف الذال والقاف والضاد والخاء؟!
الأولوية يجب أن تكون للتيفيناغ، فإذا خشينا أن يعرقل ذلك انتشارَ الأمازيغية، فلنقتفِ آثار أجدادنا الأمازيغ الذين كانوا يكتبون مؤلّفاتهم ومخطوطاتهم بالحروف العربية منذ قرون عديدة، والمخطوطات لا تزال موجودة ببجاية وغيرها؛ فذلك أدعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية، ونشر الأمازيغية بين الجزائريين، وتحسيسهم بأنها فعلاً جزءٌ من هويتهم ويجب أن يساهموا في إحيائه وتطويره، ولا ننسى أن دولاً إسلامية عديدة تكتب لغاتِها بالحرف العربي، فعزّز ذلك لغاتِها وهويتَها معاً.