ثورة في الفكر.. لا “ثورة” في الشوارع!
تبقى”ثورة” الشوارع بلا معنى حتى وإن دَفَعت مَن ليس لديهم فكرٌ إلى الاستجابة لبعض المطالب وتحقيق بعض الأمنيات! كم “ثورة” في الشارع حدثت ببلادنا منذ استعادة الاستقلال؟ ربما عشرات، ولكن ثورة واحدة حقيقية في الفكر لم تحدث! هل يوجد أكثر دليلا على ذلك من أننا إلى حد الآن لا نعرف من حَرَّك أحداث الستينيات والثمانينيات ولا أحداث أكتوبر 1988 ولا كل تلك المآسي التي عرفناها خلال التسعينيات من القرن الماضي؟ نعرف جميعا الآثار المترتبة عليها، ونعرف جميعا كيف تمت مقاربة حلها، ولكننا لا نعرف جوهرها، لماذا حَدَثت ومَن قادها ولماذا؟ ونكتشف كلنا بعد حين أنَّ التعامل معها أيضا لم يكن بأفكار جديدة ولا أفكار في مستوى تحدِّيات هذه المرحلة أو تلك.. منذ الاستقلال وحَرَكاتنا الاحتجاجية تجري من غير وعي حقيقي بما يحدث، والرد عليها يكون بجهالة أكبر، ولذلك هي تتكرر باستمرار ويتكرر أسلوب التعامل معها بنفس الطريقة.
لذا، نحن اليوم في حاجة إلى ثورة في العقول لا إلى “ثورة” في الشوارع، لقد تجاوزنا مرحلة “الثورة” على مستوى الشارع وتجاوزنا مرحلة الرد عليها بحلول لا يزيد مستواها على مستوى شغب الشارع. وهذه الثورة في العقول تحتاج إلى قياداتٍ جديدة مُستنيرة ومُدرِكة لحقيقة الواقع، تَعرف أن بَلَدها ليس في حاجة إلى حلول ارتجالية ولا إلى مُسكِّنات ينتهي مفعولُها بعد حين، إنما إلى حلول قائمة على رؤية استراتيجية تكون في مستوى عمق المشكلات التي نعرفها وعمق هذا التخلف الكبير عن الآخرين الذين وإن عَرفوا “ثورات” في الشارع في القرن التاسع عشر إلا أنهم تَمكنوا من تحويلها إلى ثورات حقيقية في العقول، وحققوا ما حققوا من إنجازات وتطوُّر.
ولعل موقف الجزائريين المشترك هذه المرة من إدانة كل ما عَرفت بلادنا من أعمال شغب إنما يدلّ على أننا بالفعل وصلنا إلى مرحلة مطالبة العقل بالتدخُّل وليس العاطفة أو العصا أو الدروشة السياسية، عقلنا هو الذي ينبغي أن تَحدُث به ثورة اليوم لِنَعلم أَنَّ طريق حل مشكلاتنا لا يتم بالمساومة أو التحريض على المساومة أو الابتزاز أو التخوين أو التخويف… إنما بالعمل الواعي المُنطلِق من إدراكٍ فعلي لحقيقة التّحدِّيات التي نعرف وللأساليب المُبتَكَرة التي ينبغي أن نلجأ إليها للاستجابة لمتطلبات المواطنين. وهذا لن يتم إلا بوجود رجال ونساء غير الذين وُجِدوا إلى حدِّ الآن في مستوى القرار والتنفيذ، وهذا ما يُمكِن أن نُطلق عليه التغيير الحقيقي الذي لا يمكن إلا أن يكون هادئا سلِسا ووفق المنهج العلمي المتعارف عليه. وهذا هو وحده الذي يستطيع أن يَصنع تَقدُّمَنا، ويحلّ مشكلات الشارع لدينا، وقبل ذلك يَمُدُّنا بالأمل الذي نحن بالفعل في حاجة إليه.