الرأي

جرائم الأنظمة في حق نخب الأمة

حبيب راشدين
  • 5122
  • 10

إذا كان هدم بنيان الله أعظم عند الله من هدم بنيان الكعبة فقد وجب علينا أن نحاسب نظم الحكم بما هو أعظم إثما من الاستبداد بالسلطة وتبديد الثروة، حين نتوقف عند جرائمها النوعية بإفسادها للنخب، ما بين نخبة مرتشية باعت العرض والذمة، وأخرى سادر أحلامها التهميش والإقصاء باتت تتربص بالأولى ريب المنون حين تدور الدائرة.

الجريمة الكبرى التي ارتكبتها النظم العربية، المدانة اليوم من البحر إلى البحر ليس فقط بتهمة الاستبداد بالسلطة والثروة، والفشل في بناء التنمية مع توفر جميع مقوماتها، ولا بسبب الاستهتار الفاضح بالقانون والحريات، لكنها مدانة بارتكاب جريمة كبرى ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى في حق دولها وشعوبها، بسبب إخفاقها   في   بناء   نخب   وطنية   مؤهلة   وقادرة   على إدارة   الدول   بقدر   من   الكفاءة  تحت أي نوع من أنواع الحكم.

.

الحلقة المفقودة في سلالة الحكم

قد أجد من يصوب لي هذا الرأي بالقول: إن ما أعتقده إخفاقا هو في الواقع من أعظم إنجازاتها، إذا ما احتكمنا إلى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وأن الغاية عندها كانت وما تزال، هي منع قيام بدائل تنافسها على السلطة، وليس ثمة أفضل طريقة لبلوغ الغاية من تجفيف المنابع التي قد تأتي بنخب قادرة على صناعة البديل، والدخول معها في منافسة على السلطة والثروة.

“دروس التاريخ تشهد على أن السلطة وسيلة وليست غاية، وأن مشروعية الانتفاع بها ومنها تتوقف على مقدار انتفاع المجموعة الوطنية بها ومنها”

متوسط أعمار الأنظمة العربية، ابتداء من عودة الدول والشعوب العربية إلى واجهة التاريخ، لا يقل عن ستة عقود، أي قرابة ثلاثة أجيال، وهي مدة كافية على الأقل لتحضير جيل جديد من النخب، ولد ونشأ وتعلم في كنف الدولة القطرية الوطنية، لا يجوز أن نتهم بشأنه الحقبة الاستعمارية.

ويكفينا في هذا الشأن أن نعقد مقارنة مع دول وأمم كان لها نفس المسار، وعانت مثلما عانينا من الحقبة الاستعمارية، وليس لها ما عندنا من المقدرات، وخضعت لحكم شمولي استبدادي ألعن من الذي ابتلينا به، لكنها نجحت في تكوين جيل من النخب الواعية المستنيرة، هو الذي يتولى اليوم قيادة نهضتها.

.

نهضة معجزة بقيادة حكم مستبد

فالهند كانت في الستينيات أسوأ حالا من مصر، ولم يكن حال البرازيل أو إسبانيا والبرتغال أفضل من حال الجزائر في السبعينيات من القرن الماضي، وكانت الصين الشيوعية قبل ثلاثة عقود مهددة بالمجاعة، لكن هذه الدول والشعوب استطاعت الخروج من عنق الزجاجة، ودخلت في مشاريع نهضوية فعلية، بعضها يحقق معدلات نمو برقمين، وتنتزع سنة بعد أخرى حصتها من الثروة ومن الحضور حول طاولة إدارة العلاقات الدولية.

وحتى لا ننخدع مرة أخرى بما يسوق اليوم من أساطير حول أفضال الديمقراطية في ما تحقق لهذه الدول، فإن المثال الصيني قائم ليشهد على وجوب البحث عن أسباب أخرى غير طبيعة نظام الحكم، لأن نظام الحكم الذي يحقق في الصين منذ أكثر من عقدين نسب نمو مذهلة، ينتزع الريادة من الاقتصاد الأمريكي والأوروبي والياباني، هو نظام شيوعي له جميع مواصفات النظم الشمولية.

.

زواج المسيار للنهوض بالأوطان

معظم النماذج الناجحة المنوه بها أعلاه، تحقق لها ما تحقق بفضل توفر عاملين اثنين لهما في تاريخ الدول الدور الأبرز في تحقيق النهضة:

الأول: نخبة وطنية وعت بطريقة من الطرق دروس التاريخ التي تشهد على أن السلطة وسيلة وليست غاية، وأن مشروعية الانتفاع بها ومنها تتوقف على مقدار انتفاع المجموعة الوطنية بها ومنها.

الثاني: أنه بقدر ما يجوز التنافس والمغالبة على السلطة، فإن بناء الدول، وصناعة النهضة مرهونان دائما بقدرة النخبة على إنتاج توافق واسع حول مشروع وطني يحظى بالقبول الشعبي، ويوزع بقدر من العدل الجهد والأعباء، كما يعد بتوزيع أكثر عدلا للثروة.

ولمن يدرس التجارب الناجحة في الصين والهند والبرازيل، مع ما فيها من تباين، يجد أن الشرطين قد تحققا في لحظة فارقة، وعت فيها النخبة استحالة المضي في المسارات التقليدية التي أبقت لعقود هذه الكتل البشرية الكبيرة على مشارف الإفلاس والجوع.

.

عقل يساري لإدارة اقتصاد اليمين

ففي الحالة البرازيلية تحقق الوفاق بين النخب على مختلف مشاربها، لأن البلد كانت قد وقفت على باب الإفلاس، ووضعت تحت وصاية صندوق النقد الدولي، وكانت القوة السياسية التي نفذت برنامج الأفامي هي قوة يسارية بقيادة حزب العمال ذي التوجه التروتسكي، وعبر مسار التداول الديمقراطي الذي أوصلها إلى السلطة. أما في الصين، فإن قيادة الحزب الشيوعي هي التي قادت التوافق داخل مؤسسات الحكم في الحزب والمؤسسة العسكرية والأمنية من أجل الانتقال إلى اقتصاد السوق، في بلد يحكمه الفكر الشيوعي الأكثر راديكالية.

“بناء الدول وصناعة النهضة مرهونان دائما بقدرة النخبة على إنتاج توافق واسع حول مشروع وطني يحظى بالقبول الشعبي، ويوزع بقدر من العدل الجهد والأعباء”

وفي الحالتين كانت النخب تحتاج إلى قدر من الشجاعة في مراجعة الذات، والتخلص من القيود الدوغماتية والإصر العقائدي، ثم القدرة على التشخيص الموضوعي الذي سمح في الحالتين بالتعرف على مقدرات البلد وموقعها من التقسيم العالمي للعمل بما هو متاح لها.

لقد آثرت الوقوف قليلا عند المثالين البرازيلي والصيني حتى يتضح الموقف من ضرورة الاشتغال على الشرطين المنوه بهما أعلاه، وأعني “واجب وعي النخبة بدروس التاريخ التي تشهد على أن السلطة وسيلة وليست غاية، وأن مشروعية الانتفاع بها ومنها تتوقف على مقدار انتفاع المجموعة الوطنية بها ومنها” ثم الاتفاق على أن بناء الدول وصناعة النهضة مرهونان دائما بقدرة النخبة على إنتاج توافق واسع حول مشروع وطني يحظى بالقبول الشعبي، ويوزع بقدر من العدل الجهد والأعباء، كما يعد بتوزيع أكثر عدلا للثروة“.

.

لعنة أهل الأعراف للمطرود من الجنة

المتابع للمشهد العربي قد يصاب باليأس والقنوط، لأن نظم الحكم، المدانة بالاستبداد بلا ريب، هي مدانة أكثر بما فعلته بالنخب مع قلتها وضعف تكوينها، إما بالارتشاء الرخيص وإفساد من رضي منها بفتات الريع الفاسد، أو بالإقصاء والتهميش والتهجير، الذي انتهى بصناعة نخب معارضة منفلتة العقال، تحركها الرغبة في الانتقام أكثر من الاجتهاد لصناعة البديل، حين تتوفر الفرصة كما توفرت في ما سمي بالربيع العربي.

المشهد المزري والمحزن الذي تصنعه اليوم النخبة المصرية، وهي تتقاتل على ريع “ثورة” مزورة مغشوشة وملغمة بألف لغم، هو حصاد لجريمة منظمة آثمة نفذها نظام حكم بائس وسفيه، اختزل الدولة والشعب في غاية سلطوية لمجموعة من أوليغارشية الفساد، قسمت النخبة المصرية إلى فسطاطين: فسطاط النخب المدجنة بالرشوة من الريع السياسي والمالي، وفسطاط ظنت أنه قد دجن بالقمع والإقصاء والتهميش. الأول عمد اليوم باسم “الفلول” والثاني ادعى لنفسه لقب “الثوار” قبل أن تقسم المرحلة الانتقالية وعبث العسكر واللاعبين الكبار الفسطاطين إلى قبائل تتنابز بالألقاب في ميادين التحرير، وعلى شاشات التلفاز، وداخل قاعة البرلمان، وقد دخلت بالبلد أو توشك أن تدخل به في ما يشبه الحرب الأهلية الناعمة، ما لم تتحول لا قدر الله- إلى حرب أهلية ساخنة إذا ما تواصل التصعيد الخطير الجاري بين الإسلاميين والعسكر.

.

صام الدهر وأفطر على حبة تمر

منذ أيام قليلة تابعت لقاء تلفزيونينا للكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، وهو يراجع بمرارة موقفه السابق المستبشر خيرا بالربيع العربي، ليؤكد أن الربيع ركب عبر عملية استباقية قادتها القوى الغربية، وهو يمهد لسايكس بيكو جديد” وقد كان هذا رأيي منذ بداية الأحداث في تونس، غير أني أرى اليوم ما هو أخطر من تقسيم المقسم وتجزئة المجزء من الخرائط القطرية، وما هو أخطر من تفكيك الدول وصوملتها، وأخطر من إعادة إحياء النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية، حتى وإن كانت محسوبة في خانة الوسائل لا في خانة الغايات، فالأخطر في اعتقادي هو تقسيم وتفتيت النخب العربية قبل إنهاكها في معارك مستديمة على ريع السلطة، وإفسادها بالكامل، لأن الغاية لم تعد احتلال الدول، بقدر ما تشتغل قوى المركز على مسار احتلال العقول، وانتزاع قيادة الشعوب بأقل كلفة، بعد أن تفقد الثقة في نخبها، وقد جاء الدور على النخب الإسلامية لتساق إلى المذبح، وهي واهمة أنها مدعوة للوليمة وقد أقامها من نزلت بحقهم الآية الكريمة من سورة البقرة: “وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير”.

.

من أم الدنيا إلى بنت الثورة

كنت آمل صادقا ألا أشترك مع الأستاذ هيكل في تقديره لمآل الربيع العربي ونهايته المأسوية بتفكيك مصر وسورية، بعد تفكيك العراق والسودان، وصوملة ليبيا، أو أجد ما يشجعني على مشاركة أستاذ الاقتصاد الكبير سمير أمين وهو يعلق على المسار الانتخابي الجاري في الجزائر ويستشرف بكل تفاؤل “أنه خلافا لما حدث في العالم العربي، فإن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة القادرة على إنجاح التغيير وقيادة تحول الدولة والمجتمع بطريقة وطنية، بعيدا عن التدويل والتدخل الخارجي” حتى وإن كان يرى ما رآه بعضنا كيف “أن الغرب عرف كيف يلتف على الثورات العربية ونجح في استباق الانفجارات الشعبية الحقيقية” لكني على وفاق مع ما خلص إليه بشأن الأحداث الأخيرة التي تستهدف الجزائر مباشرة عبر بوابة مالي، وأنه لم يخطئ في التحليل حين أكد: “أن ما يحدث من تفتيت لدولة مالي هو امتداد لتحطيم ليبيا وتحويلها إلى صومال شمال إفريقياويرى “أن استهداف الجزائر ومصر ليس بالأمر الهين، لأنهما تتوفران على جميع مقومات التحول إلى دولة متطورة في المنطقة”.

“الغاية لم تعد احتلال الدول، بقدر ما تشتغل قوى المركز على مسار احتلال العقول، وانتزاع قيادة الشعوب بأقل كلفة”

آمل أن يصدق استشراف الأستاذ سمير أمين بشأن التغيير السلمي الآمن في الجزائر، وكنت سأطمئن أكثر لصدق هذا الاستشراف، لو أن أصداء ما يحدث الآن بحدودنا الجنوبية، وما حدث ويزداد تفاقما على حدودنا الشرقية، قد احتل جزءا من اهتمام النخبة السياسية المعول عليها في صناعة هذا التغيير السلمي الآمن الذي يبشر به.

.

صرخة اليأس بلا رجع صدى

أغلب الظن عندي أن النخبة السياسية لم تقرأ كما يجب التحذير الذي أطلقه رئيس الجمهورية من أرزيو على غير عادة، كما لم تتابع أحداث مالي، ولم تلتفت إلى أن الانقلابيين فيها قد عادوا للتو من دورة إعادة تأهيل بالولايات المتحدة، وأن دعوة الانفصال في شمال مالي انطلقت من باريس، وأن الجماعات التي اختطفت الدبلوماسيين الجزائريين قدمت مدججة بالسلاح من ليبيا، وأن إسرائيل قد حولت مؤخرا وجهة أحد أقمارها الصناعية لرصد مواقع سلاح الدفاع الجوي الجزائري.

وما لم تصارح السلطة الشعب بحقيقة هذه التهديدات، وتشرح للمواطن كيف يطوق البلد، ويراد تشتيت جهده الأمني، وتفتح عليه جبهتان جديدتان تضافان لجبهة الصحراء الغربية، ونتوقف عند اختيار صندوق النقد الدولي هذا التوقيت للضغط على الجزائر والدفع بها إلى تجميد فوائضها المالية في قروض غير آمنة للصندوق، وما لم تشرك النخبة السياسية في الانشغال بهذه التطورات الخطيرة على أمن البلد، بدل إنفاق فرصة الحملة الانتخابية في اجترار خطاب سفيه رديء منحط بلا رأس ولا ذيل، فإن مطلب الرئيس بتأمين البلد عبر إنجاح الاستحقاق سوف يبقى مجرد صرخة بلا رجع صدى بأرض لا أنيس بها.

مقالات ذات صلة