جزائريون إلى الأبد
كلـّما كانت الجزائر تعيش ظروفا خاصة أو استثنائية، تعود ريمة اللئيمة إلى عادتها القديمة، فالبضاعة المسمومة التي تبثها هذه الأيام، قنوات ووسائل إعلام أجنبية، المعلّبة بتحليلات وتخمينات وتأويلات وصبّ البنزين على النار، لا تمتّ بأيّ صلة لأبجديات المهنية وأصول الاحترافية، ولا علاقة لها أيضا بالأخلاق والضمير والحياد!
نعم، قد يكون لنا، أو لبعضنا، حساسية مفرطة، لكلّ طبخة تأتي من الخارج أو تصدّرها أو تستوردها لنا دوائر أجنبية إمّا عبر الساتيليت أو عن طريق الانترنيت أو بواسطة السفراء أو بالتصريحات المشاعة والمشعّة بالنفايات المغرضة، لكن أليس لبعض الأطراف الأجنبية حساسية مفرطة كذلك، كلما تعلق الأمر بتطور أو متغيّر أو طارئ يخصّ الجزائريين فقط؟
مشكلتنا جميعا نحن الجزائريين، أنـّنا متيّمون بعشق الجزائر وبالدفاع عنها، وفي ذلك من الحبّ ما قتل، لكن مشكلتنا أيضا أنّنا نلتقي جميعا في “النيف والخسارة” -إلاّ لمن قطع أنفه أو بحث عن الربح فقط – بما يجعلنا نتخندق في صفّ مؤازرة الجزائر في السرّاء والضرّاء ونشمّ روائح “نتنة” منبعثة من مطابخ الخارج، والمثل هنا يقول: “ألـّي قرصو الحنش يولـّي يهاب الحبيلة”!
نحن لا نخاف، ولكن المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرّتين، والمثل الشعبي يقول: “ألـّي خاف سلم وألـّي سلم سعدو أيامو”، وعليه فإنه لا غرابة أن يرفض الجزائريون “التخلاط والتخياط” المسافر عبر الفضاء بإيعاز من أطراف تناور وتغامر وتقامر وتخاطر وتبتز وتقايض، ولا يهمها بعد ذلك أمن واستقرار ووحدة وسيادة الجزائر وكلّ الجزائريين الذين يتنفسون هواءها حتى وإن كانوا قرب مفرغة واد سمار!
من الطبيعي أن يصطفّ ويتخندق الجزائريون ضد استهداف أمن واستقرار ووحدة الجزائر ومصالحها، من طرف أفراد وجماعات يتنفسون هواء باريسيا أو لندنيا أو عربيا غربيا، ولا يهمّ ها هنا الأشخاص، بقدر ما يهمّ تماسك المؤسسات وقوتها، ووحدة الجزائريين في “مقاومة” القصف السياسي والإعلامي الخارجي الذي يُراد من ورائه ترويع الجزائريين وبث الشكّ والغموض والخوف من الغد!
في الظروف “غير العادية” ينبغي استخدام غربال “ماد إين ألجيريا”، من أجل فحص وغربلة التدفق الهائل من الأخبار والمعلومات والتسريبات والتخويفات والتلاعبات، القادمة من وراء البحار والمحيطات والمستنقعات، حتى لا يتمّ قبول كلّ شيء وتصديق أيّ شيء والعبث بكلّ وأيّ شيء جزائري!
الدفاع عن الوطن والمواطن، لا هو بالبدعة ولا بالعار، الذي يذمه التاريخ وينكره الأرشيف، والحيطة واليقظة والحذر، ليست من صفات “الجبان” الذي يفكـّر بساقيه حين يحلّ الخطر، وإنـّما هي خيار لا بدّ منه حتى لا نرمي بأنفسنا إلى التهلكة ونصبح على ما فعلنا نادمين!
لقد مرّت الجزائر بالكثير من التجارب المرّة والاختبارات العسيرة، والمآسي المحزنة، بما يقوّي العزيمة والإرادة الفردية والجماعية لكلّ الجزائريين، وهي الخبرة التي بدأت خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي الغاشم، وتواصلت على مدار 50 سنة من الاستقلال، في مواجهة “الطوارئ” والمتغيّرات الاختيارية والاضطرارية!
اليوم، الكلمة ليست للترهيب أو الترغيب، ولا لصناعة الإشاعات، ولا لتصفية الحسابات، ولا للتخندقات والسباحة ضدّ التيار، ولا لأن ينقر كلّ طرف الجزء الذي يقف فوقه على متن المركبة، وإنّما من المفروض أن تكون كلمة كلّ الجزائريين واحدة موحدة، حتى وإن كان الاختلاف رحمة!