جزائريون يقدمون خدمة العمر للمصري حسن مصطفى
قرأت خبر إقصاء الوزير الأسبق للشباب والرياضة، عزيز درواز، من قائمة الأعضاء الخبراء في الاتحاد الدولي لكرة اليد.. فعدتُ بالذاكرة إلى يوم من أيام 1999، عندما توسطت سفارة مصر بالجزائر، بإيعاز من وزارة الخارجية المصرية، لانسحابه من سباق رئاسة الاتحاد الدولي أمام مرشحهم الدكتور حسن مصطفى.. كما استرجعت حديثا جانبيا جمعني برئيس الاتحاد الدولي قبل ثلاث سنوات، أكد فيه أن دراوز يحاول على الدوام أن يكون منافسا على كرسي الرئاسة.
التوطئة المختصرة السالفة توضح أن حسن مصطفى وجد الفرصة أخيرا لكي يضع حدا لهذه المنافسة، ويخرج درواز من خارطة الاتحاد الدولي بالضربة القاضية، لكن من أعطاه الفرصة ومن هيأ له الظروف المثالية لاتخاذ مثل هذا القرار؟
الإجابة قد لا تحتاج إلى تفكير طويل، لأن الواقع يقول والمعطيات تؤكد أن الحكومة الجزائرية وقفت ضد دراوز عام 99 ولم تسانده، بل إن بعض الأطراف من المحسوبة على الرياضة الجزائرية، تحدثوا بالسوء عنه، واتهموه بتهم خطيرة، والأدهى والأمر أن منهم من يفتح ذراعيه لكي يعانقه عندما يلاقيه.. قمة النفاق الذي يخدم مصلحة عليا لبلد غير الجزائر، بحجة الروح الرياضية والبقاء للأصلح، وحتى وإن كان غير جزائري.. حجة تسكن في حديقتها الخلفية الغيرة والحسد والمصالح المرتبطة مع جهات خارجية تدفع بالعملة الصعبة لأصحاب الضمائر الميتة.
ذبحوه عام 99، وها هم يعيدون الكرة مرة أخرى وفق حجة أخرى، يدعون فيها أن السلطة تتدخل في شؤون اتحاد كرة اليد بإيعاز من درواز، في إشارة واضحة لعلاقته بالوزير محمد تهمي.. وهي الحجة التي تلبس ثوب الحق الذي يراد به الباطل.. الحق أن تهمي الوزير وصل ذات يوم إلى رئاسة اتحادية كرة الي،د بدعم مباشر من الوزير درواز آنذاك، لكن الباطل المفضوح والمكشوف أن مشاكل الاتحادية مع الأندية الثلاثة بدأت قبل مجيء تهمي، وحتى وإن كان جعفر بلحسين في المجمع البترولي محسوبا على درواز، فإن المشاكل التي حدثت وستظل تحدث لا تستدعي أن ترفع به الشكاوى إلى الاتحاد الدولي، ورئيسه حسن مصطفى الذي ينتظر هذه الفرصة الذهبية.
حين أعود إلى الأرشيف قليلا، أجد أنني هاجمت درواز الوزير وقد أكون مجحفا في حقه، وقد أكون مصيبا، لكن عندما يحين وقت الحديث عن درواز المدرب، تسكت كل الأفواه، وتجف كل الأقلام، وتتعطل كل آلات الكتابة مهما كانت حديثة.. يقف الجميع أمام انجازاته الرقمية والفنية، ويكفيه شرفا أنه أسس لمدرسة دفاعية ماتزال ماركة مسجلة باسمه وباسم الجزائر في كل المحافل الدولية.. درواز صنع اسمه ومجده وأهدى للجزائر ألقابا وأسماء ماتزال ترفع راية كرة اليد الجزائرية في العديد من الدول العربية.. فالمدرب عقاب حَوَّل النجم الساحلي التونسي إلى قلعة للألقاب، وبوشكريو فعل مع نادي المهدية التونسي ما لم يفعله غيره.. وبودرالي نجح نجاحا باهرا في قطر والسعودية ووصل البحرين، والآن هو في عمان ومثلهم سفيان دراوسي، محمد الصغير زين الدين، ورضوان عواشرية وعمر عازب وجعفر بلحسين وقائمة الأسماء كثيرة، قد لا تكفي جريدة بكل صفحاتها لعدهم وإحصاء نتائجهم التي تحسب لدرواز.
بعد كل الذي قدمه والذي مايزال قادرا على تقديمه، تأتي مجموعة من صغار المسؤولين والراغبين في البقاء بين أحضان الكراسي الدافئة، لكي تمنح الفرصة لغريمه حسن مصطفى، حتى يعاقبه ويلغيه من قائمة الأعضاء الخبراء بالاتحاد الدولي.. فرصة قد تهدي لهم الفوز الشخصي والآني لا غير، لأن اسم درواز أكبر من أي قرار، حتى ولو كان صادرا من اتحاد دولي.. فوز شخصي لأنه في الأساس هزيمة لبلد اسمه الجزائر.. هزيمة لرياضة خَطَّت ذات يوم اسم الجزائر بحروف ذهبية نحتها درواز بعرقه وفكره.. فوز شخصي لا يلغي اسم الرجل من قاموس عظماء اللعبة عالميا، لكنه يلحق بالجزائر عارا آخر يضاف إلى مسلسل الفضائح المتتالية، التي تؤكد أن هذا البلد يضيق صدره عن احتضان أبنائه النجباء، ويدفع بهم إلى سلة المهملات.
درواز في كرة اليد الجزائرية يمثل السيادة الوطنية، مثله مثل العلم والحدود الجغرافية.. هو الرمز الذي يجب أن نحارب العالم أجمع من أجل استعادة كرامته.. لكن قبل محاربة العالم والمحيط الخارجي، يجب أن نقف مع أنفسنا ونصارح ضمائرنا المريضة بحب الذات، حتى نتوصل إلى حل يرضينا كأبناء لهذا الوطن.. حل يؤكد قيمة الرجل وقامته التي لا يجب أن تهان مهما حدث.. قيمة تمثل الرمز والقدوة الرياضية التي صنعت النجاح تلو الآخر، حتى وإن كانت له سلبيات كأي واحد من البشر تحمل تصرفاته الخطأ والصواب، لكن اجتهاده التدريبي صنع أجيالا أذهلت العالم.
أفيقوا يا سادة.. فاليوم درواز وغدا يأتي الدور على رموز أخرى، وقد يصل الأمر إلى جوانب أخطر من الرياضة، وعندها نكتفي بـ”عض” أصابع الندم حيث لا ينفع الندم.