-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جزيرة العرب.. إلى أين؟!

سلطان بركاني
  • 2011
  • 1
جزيرة العرب.. إلى أين؟!

مؤسف غاية الأسف أن يوجد بين المنتسبين إلى الإسلام في هذا الزّمان من يدعو إلى اقتفاء أثر الانحلال الحاصل في بلاد الغرب، حيث أصبح الزنا مباحا حتى بالمحارم، وأضحى الشّذوذ خيارا محترما، وغدا العري الحيوانيّ دليلا على التفتّح والوعي! وغدت أفكار الفيلسوف النمساوي من أصل يهودي سغموند فرويد معيارا للأخلاق… هذا الانحدار المخيّم على تلك البلاد، يدعو بعض المحسوبين على الإسلام إلى السّماح به، بل والترويج له، في بلاد المسلمين، باسم الحرية والديمقراطية.

لقد بدأت أعين العلمانيين ((الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عوجًا)) تقرّ بما يجري في بعض بلاد الإسلام، وأخذوا يفركون أيديهم فرحا بما يحصل من انسلاخ في بلاد يَنظر إليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على أنّها البلاد التي يفترض لها أن تعطي صورة ناصعة عن علوّ أخلاق الإسلام واتّساق شريعته مع الفطرة.. فساد طويل وعريض تدمع له قلوب المسلمين دما ذلك الذي تنقل صوره المواقع في هذه السّنوات ممّا لم يحصل مثله في زمن قريش ولا في الجاهلية الأولى.

خلال الأسبوع المنصرم، من 17 إلى 20 ديسمبر، أقيم في جزيرة العرب مهرجان للموسيقى والفنّ والثقافة، شهد حضور ما يزيد على 700 ألف زائر في الأيام الأربعة، وهو العدد الذي لم يسبق اجتماعه في مهرجانات عالمية سابقة.. مهرجان شارك فيه مغنو الحبّ والغرام، بل وشاركت فيه الفنانات العاريات، وحصل فيه من الاختلاط والعري والرقص والتحرش ما الله به عليم، وسُمح فيه بمعاقرة الخمر وحتى تعاطي الحشيش، وصوّرت ذلك الكاميرات.. حتى أنّ تقارير غريبة ذهلت للذي حصل في المهرجان المشار إليه من انفتاح بلغ حدّ التسامح مع ثقافة الشذوذ!

قبل هذا المهرجان بأسبوعين، أقيم مهرجان آخر للسينما في جزيرة العرب، وعرضت فيه أفلام هدّامة منها أفلام تروّج للشّذوذ، وقد صرّح عدد من المخرجين العالميين أنّه لم تكن هناك أي رقابة على عرض الأفلام، ولم يتم قطع أي مشهد!

الانسلاخ لم يتوقّف عند الأخلاق، بل تعدّاه إلى العقيدة، حيث فتحت الأبواب على مصاريعها للاحتفال بعيد الميلاد “الكريسمس”، وسمح ببيع شجيرات الميلاد ولابيش ودمى البابا نويل.. وأخيرا وليس آخرا، بدأت تطفو على السّطح فتاوى تبيح تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية!

هذا الذي يحصل الآن في جزيرة العرب، لم يكن وليد السنوات القليلة الأخيرة، إنّما بدأ التخطيط له قبل 30 سنة بدءًا من سنة 1990م، حينما أنشئت طائفة نسبت إلى السلف والسلفية، هي هذه الطائفة المدخلية التي شغلت بعض المسلمين ببعض، وحرّضت أتباعها على الطّعن في العلماء والدعاة والعاملين لدين الله والآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وسخّرتهم لإثارة الفتن والخلافات في بيوت الله لينشغلوا عن المنكرات خارجها، وحرّمت عليهم الجهر بانتقاد الحكّام، مهما فعلوا ومهما اجترحوا، حتّى وإن كان نصحهم سرا غير ممكن وغير متيسّر.. وبسبب هذا الفكر أصبح العلماء لا يملكون أن ينبسوا ببنت شفة في مواجهة هذا المنكر المتفاقم في جزيرة العرب؛ فكلّ عالم يجهر بالإنكار يصنّف إخوانيا سروريا خارجيا، ويكون مصيره السّجن.. وزاد الضّيق وزادت الأغلال حينما سخّرت المنابر وفرض عليها في الأشهر والأسابيع القليلة الماضية التحذير من كلّ الطوائف الإسلامية التي لا ترتضي الفكر المدخليّ، كالإخوان والسرورية والتبليغ وغيرها.

على صعيد آخر وُطّد لقبول هذا الانسلاخ، بالترويج للفتاوى المتشدّدة التي كانت تزيد من ضيق عامّة المسلمين ذرعا بالعلماء، مثل تحريم التصوير، ومنع المرأة من قيادة السيارة، ومنع إخراج زكاة الفطر قيمة، وتحريم الانتخابات بكلّ أنواعها، وتحريم الاحتفال بالمولد النبويّ… هذه الفتاوى التي تضيّق ما أباح الله، كان يروّج لها وتحملها المطويات والكتيبات ويفرض تطبيقها على العامّة دون الخاصّة، ما جعل المجتمع يتبرّم بالعلماء الذين يشدّدون على العامّة ويسكتون عن الخاصّة، ويتحيّن الفرصة للتخلّص من قيودهم!

هذا الذي يحدث في بعض بلاد الإسلام، لا يبشّر بخير، فهو كفيل بإنزال عقاب الله جلّ وعلا، يقول سبحانه وتعالى: ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)) (الإسراء: 16)، ويقول نبيّه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: “يكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف”. قال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: “إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور” (رواه الترمذي).. وبعض العلماء يقولون إنّ هذا الحديث عامّ، لكنّ قرب وقوعه يكون بحصول هذا الفساد في جزيرة العرب!

إنّنا نخشى ما هو آت، ونخشى أن تحيق سنّة الله بأمّة الإسلام بسبب هذا الذي يحدث، ونخشى أن تبتلى الأمّة في جزيرة العرب بنازلة تتقطّع لها القلوب، وقد ورد في الحديث الصحيح أنّ ثلاثة خسوفات ستقع في آخر الزّمان؛ أحدها في جزيرة العرب، ولا شكّ في أنّ هذا الفساد المتسارع في تلك الأرض المباركة سيقودها إلى حيث السّنن التي لا تحابي من عرف الطّريق وسار فيه، ثمّ تنكّب عنه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • said

    ويل للعرب من شر قد إقترب