جنائز تتحوّل إلى مجالس ولائم وسمر بقسنطينة
عادات دخيلة على المجتمع القسنطيني، لا تمت لا للشرع ولا للدين بصلة، امتزجت فيها مظاهر الأفراح بالأقراح، بل وطغت عليها، مغيبة بذلك مظاهر الحزن والأسى والمواساة عن أجواء الجنائز بمدينة العلم والعلماء، فلا تكاد تفرق فيها بين بيت عرس وبيت عزاء.. وذلك من خلال الاختراق الكبير لعادات دخيلة على الجنائز بأم الحواضر وحصن الدين المنيع لقرون وقرون، حافظت خلالها قسنطينة على موروثها الديني وعاداتها الاجتماعية والثقافية، مسقطة بذلك كل خطط ومؤامرات القساوسة والرهبان من النصارى واليهود خلال 127 عام من الاستعمار، حاولوا خلالها جاهدين ومجتهدين سلخ المدينة عن معتقداتها وهويتها الإسلامية والعربية، لتخترق اليوم بعادات دخيلة..
يستحيل على المار على بيت عزاء أن يفرقه أو يميزه عن بيت فرح في قسنطينة، اللهم إلا إن كان ذلك قبل تشييع الميت إلى قبره، وذلك بوضع النعش أمام باب منزل أو عمارة المتوفى.
فمنذ الوهلة الأولى لإعلان حالة الوفاة، يختلط الحابل بالنابل، فإن كان اثنان أو ثلاثة أشخاص يتكفلون بتجهيز الميت، فالعشرات يدخلون في دوامة تقسيم وتوزيع المهام لإحياء أيام العزاء واستقبال المعزين، فمجموعة تكفلت بجمع المواقد والقدور والملاعق والفناجين والصحون، ومجموعة تكفلت بجلب ووضع الخيمة والطاولات والكراسي، وآخرون بتمشيط المحلات والأسواق وشراء المستلزمات لتحضير الطعام من مواد غذائية عامة ولحوم بيضاء وحمراء وخضر وفواكه دون نسيان سينيات القهوة وما يصاحبها بالضرورة من حلوة الترك (الطحينة الشامية) وأجود أنواع التمر لاستقبال المعزين، في ابتذال وتكلف بعشرات الملايين، غالبها أنها ستسجل دينا على أهل الميت لدى المحلات والدكاكين.
أجواء الجنائز اليوم في قسنطينة بين الابتذال والتكلف
ما سجلناه عبر كل الجنائز والمآتم في قسنطينة، عبر كل مدنها وأحيائها، هو طاولات القهوة الممدودة على الأرصفة والمحملة بسينيات نحاسية اعتلتها أباريق القهوة الشاهقات، وضمت بتراص الفناجين فيها صحونا منمّقة من حلوة الترك وتمور عسلية من “دقلة نور” وأخواتها، وهي الطاولات التي لن ترفع طيلة أيام العزاء، لتجمع حولها حلقات من المعزين المنشغلين بأحاديث العمل ومشاكل الحياة والسياسة والكرة وغيرها، في أجواء تغيب عنها مظاهر الحزن، ويتلبس على الغريب عن قسنطينة أهو أمام بيت عزاء أو أمام بيت عرس “هذا بالنسبة للرجال” أما عن النسوة المعزيات، فالحديث شق آخر، فتجمعهن داخل بيت المتوفى أو في شقق الجيران المفتوحة لهن تضامنا مع أهل الفقيد أو الفقيدة يكون حول موائد وسينيات القهوة المطابقة للمذكورة آنفا عند الرجال في الخارج، وأصواتهن تتعالى بالحديث والكلام في أجواء تغيب عنها “هيبة الموت” وما من المفروض أن يكون عليه المقام، بل وتعلو حتى على صوت القرآن وفي كثير من الأحيان دون أن يأبهن بالجنازة الممدّدة أمامهن تنتظر تشييعها، وينتظرن هن إخراجها حتى توضع موائد الطعام التي يصفنها أنها صدقة على روح الميت.
وغير بعيد عن هذه الكراسي والطاولات، تنتصب خيمة ستجمع المعزين بالوليمة داخلها حول ألذ وأشهى الأطباق التقليدية، التي تمتد بقائمة منوعة يكون في اليوم الأول طبق “البربوشة أو الكسكسي أو الطعام” سيدها وطبعا بمرافقة الشربة “جاري فريك” والسلطة، دون نسيان الفاكهة من برتقال وتفاح وموز، لتكون قائمة الإطعام في اليوم الثاني مغايرة لليوم الأول، بطبق رئيسي في الغالب هو التليتلي، وطبعا بمرافقة الشربة والسلطة والفاكهة وحتى المشروبات الغازية، أما اليوم الثالث، وهو المعروف محليا “بيوم الفرق”، فيكون طبقه الأساسي والرئيسي هو “الشخشوخة أو ثريدة الطاجين”، المعروفة محليا باسم “الشواط”، وطبعا مع بقاء المرافقات من شربة وفاكهة وزيادة الفلفل الحار المقلي والمشروبات الغازية، فهذا آخر أيام الإطعام المفتوحة.. والغريب فيه، أن أهل الميت هم الذين يدعون المعزين لحضوره، لتعقب الوليمة وضع سينيات القهوة التي ستتوسّع محتوياتها من “حلوة الترك” و”الدقلة” إلى أنواع وأصناف أخرى من الحلويات التقليدية مثل “القريوش” و”الصابلي” و”الغريبية”.. وغيرها.
مصاريف بالملايين وديون على عاتق أهل الميت
إن كانت مصيبة الموت كبيرة، فإن المصيبة الأكبر هي الهم والغم الذي يصيب كثيرا من أفراد أسر المتوفين، خصوصا ممن هم محدودو الدخل وحتى المبسوطون أيضا، فعادة الإطعام أصبحت كابوسا يدفع ثمنه أهل الميت بالديون المترتبة خلال أيام العزاء، وكثيرة هي القصص التي رويت لنا ونحن نعد هذا الموضوع، بل وأصبحت ترويها شبكات التواصل الاجتماعي، فالسيدة حياة اضطرت لبيع سوار والدتها الميتة الذي من المفروض أنه “ميراث” لتغطي نفقات الإطعام للمعزين، وبعبارة “نستر وجهي قدام الناس”، كان تبريرها لذلك.. وأيضا، السيد عبد الكريم، لا يزال منذ سنة على وفاة والدته يسدّد ديون المحلات والدكاكين والجزار، وكثير من الحالات التي أرهقت أقرباء المتوفين عن عادات دخيلة لا لشيء إلا من أجل الحفاظ على صورة العائلة، بسند لا يعلم له أصل “صدقة على روح المتوفى”.
عائلات قسنطينة القديمة ومؤرخوها يستنكرون هذه العادات الدخيلة
وإن كان ما سجلناه من عادات دخيلة على المجتمع القسنطيني خلال الجنائز وأيام العزاء قد تفشى وامتد بأثره حتى للولايات المجاورة، فإنه كان حريا بنا البحث لدى أقدم العائلات وحتى المؤرخين لثقافة المدينة، أين أكدت السيدة بن جلول نسيمة، سليلة أقدم العائلات بقسنطينة وحفيدة باياتها، أنها لم تعرف ولم تقف ولم يروا لها أحد من كبار عائلتها عن مثل هذه العادات المتفشية مؤخرا في الجنائز والمآتم، بل تقول إن العكس تماما عن الحالي كان في أجواء الجنائز، فالإطعام كان مقتصرا على أهل الميت والمعزين القادمين من مناطق بعيدة، وهو يتم بالتضامن إما من الأهل أو الجيران، بدون تكلّف ولا ابتذال، ولا يتعدى أن يكون محصورا في طبق الكسكسي بدون أي مرافقات له، وتسرد السيدة نسيمة أنه حتى النسوة كنّ في الجنائز يراعين الحشمة في لباسهن بالابتعاد عن المنمق والملون، فإنهن أمام مصيبة الموت، على عكس مظاهر الجنائز في هذه الأيام، لتؤكد أن الوضعية تفاقمت أين أصبحت المواعين تستأجر لتحمل أطعمة كانت في السابق محصورة في الأفراح، وهو بطبيعة الحال ما يشكّل عبئا وثقلا على أهل الميت.
كما نفى البروفيسور عبد الله بوخلخال، الرئيس السابق لجامعة الأمير عبد القادر، المهتم بتاريخ المدينة، أحد كبار أعيانها، أن تكون هذه المظاهر من عادات قسنطينة أو ضمن موروثها التقليدي، حيث يؤكد أنه فقط خلال فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لم تكن هذه المظاهر التي وصفها بمظاهر الاحتفال في جنائز ومآتم مدينة قسنطينة موجودة، بل العكس تماما كان الجيران هم من يتكفلون بطعام أهل الميت وحتى ضيوفهم، مستشهدا في ذلك بأنه يوم وفاة والدته، رحمها الله، بداية الألفية الثانية جيرانهم هم من تكفلوا بطعامهم رافضين أن تشعل مواقد الطبخ في بيت العزاء.
فيما أكد الأستاذ شندارلي براهم يحيى، وهو سليل عائلة عريقة بقسنطينة، أن كثيرا من مظاهر الجنائز والمآتم اختفت بصورة فعلية من المشهد بالمدينة، مثل تلاوة القرآن الجماعي “التكرار” من طرف حفظة القرآن من طلبة الزوايا وشيوخ المساجد، التي كانت تقام كدعم نفسي وروحاني لأسرة الفقيد، وهي من بين العادات المندثرة التي كانت تسود معها السكينة والوقار على المأتم، لتحل محلها عادات دخيلة مثل الإطعام المبتذل وسط هرج ومرج لم تعرفه مثل هذه المناسبات، التي من المفروض أنها مناسبة تتم بالعزاء والمواساة لعائلة المتوفى، وليس بتكليفهم فوق حملهم وإلهائهم حتى عن الترحّم على فقيدهم بإعداد الولائم وغيرها.
علماء دين واجتماع يدعون إلى وقف هذه المظاهر
وإن كانت هذه الظاهرة قد لاقت استنكارا واسعا من أصلاء المدينة أن تكون موروثا لأم الحواضر، فإن أئمة قسنطينة وبالإجماع، ينفون أن تكون لمثل هذه المظاهر صلة بالدين الإسلامي، فالشيخ أحمد عبد الكريم دعا إلى وجوب التضامن مع أهل الميت وإعداد الطعام لهم وليس العكس، فحديث النبي- صلالله عليه وسلم – ورد “بأن أعدوا لأهل جعفر طعاما فإن لديهم ما يشغلهم”، ولم يأمر النبي- صلوات الله عليه- أن يعد آل جعفر طعاما للمعزين، فمثل هذه المظاهر يقول الشيخ الإمام بمسجد بلدية ابن باديس وعديد المساجد بالولاية سابقا من شأنه تكليف أهل الميت ما لا يطيقونه، فالمقصد من مجالس العزاء ما يحصل من المواساة والمؤانسة وتخفيف المصيبة، أما ما زاد عن ذلك من المآكل والمشارب، فهو من البدع المحدثة في الدين، فيكون حكمها بين الكراهة والتحريم.
كما وجّه الدكتور بن عيجة محمد، الأستاذ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بقسنطينة، دعوته لكل العائلات بضرورة وضع حد لمثل هذه المظاهر التي وصفها بالسلبية، خصوصا في مثل مناسبة الموت، التي عدّها سلوكا اجتماعيا سلبيا من شأنه أن يقع بالضرر على أهل الميت نتيجة المصاريف والأعباء والتكاليف والتي هي في الغالب ديون ستسجل عليهم لتحقيق مظاهر اجتماعية زائفة لا تمت للواقع الاجتماعي للعائلة القسنطينية بصلة.