-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جهادٌ باللسان وآخر بالسنان

جهادٌ باللسان وآخر بالسنان

هذان مجاهدان اختلفا في تاريخ الميلاد، وفي مبلغيهما من العلم، وفي وسيلتي جهادهما، وفي نهاية كل واحدٍ منهما، ولكنهما اتَّفقا في هدفهما وغايتهما. هذان المجاهدان هما الإمام عبد الحميد ابن باديس (1889- 1940) والمجاهد – الشهيد محمد العربي ابن مهيدي (1923- 1957).
فأمَّا الإمامُ ابن باديس فقد وقف نفسَه على الإسلام والجزائر، وقضى سوادَه وتعهَّد أن يقضي بياضه دفاعا عنهما، وقد أبرّه الله فوفّقه إلى الوفاء بما عاهد عليه اللهَ والشعبَ الجزائري.
كان سلاحُ ابن باديس لسانا قوّالا أيقظ به شعبَه من نومه، وأقاله من عثرته، ونبّهه من غفلته، وذكّره بمجده، وحرّره من “الفكر الميّت والفكر القاتل”، يشهد بذلك أعداؤُه من الفرنسيين، وجحده شِرذمةٌ قليلون ممّن استوطن الجهلُ -البسيط والمركّب- عقولَهم، ممن احتكروا الوطنية المظهرية، فكشفتهم الأيام، وعرف الناسُ أنّهم ممّن يؤمنون بالوطنية وجه النهار ويكفرون بها آخره، ومنهم من نكص على عقبيه وأنهى حياته في حضن من كان يزعم أنّه عدوُّه “يخادعون اللهَ والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم”.
كان الإمامُ ابن باديس يؤكِّد بأقواله المنطوقة والمكتوبة وأفعالِه أنّ “تحريرَ الجزائر قضيةُ شعب، لا قضية حزب”، لذلك جاسَ خلال الجزائر داعيا إلى “التوحيد والوحدة”.
إنّ عنصر الوحدة هو العنصرُ الذي افتقده الشعبُ الجزائري في ثوراته الكثيرة ضدّ العدوّ الفرنسي الصليبي، فلم يكن جهادُ الشعب الجزائري جهادا عامّا شاملا، ولكنّه انطبعَ بالمحلية والجهوية، كما كان منسوبا لأفراد، ممّا مكّن العدوَّ من الاستفراد بكلِّ جهةٍ على حدة، فكانت دعوةُ الإمام ابن باديس للجزائريين عموما هي: “كوِّنوا جبهة متحدة لا تكون المفاهمة إلا معها”. (مجلة الشهاب. سبتمبر 1937).
وخطَّ القدرُ في صحائف ستة رجال أن يكوِّنوا هذه الجبهة في 5 ربيع الأوّل 1374 (1 نوفمبر 1954).. كان من أبرز هؤلاء الستة الشاب محمد العربي ابن مهيدي الذي قال كلمة وعتها صحائفُ تاريخ الجزائر، واحتفظت بها ذاكرة الجزائريين والجزائريات وهي: “القوا بالثورة في الشارع يحتضنها الشعب”.
كان سلاحُ الإمام ابن باديس لسانا بالصدق قوّالا، وقلما بالحقّ صوّالا، وإذا كان لم يمتشق حُساما ولا سِنانا، فما ذلك لجبن أو خَوَر، ولكن لحكمةٍ وحُسن تقدير لظروف شعبه، وإلا فهو من القلة التي قال فيها أحمد شوقي:
إنّ الشجاعة في القلوب كثيرة
ووجدتُ شجعان العقول قليلا
وأمّا سلاحُ محمد العربي ابن مهيدي فقد كان أشبه بـ”لعبة أطفال”، إذ لم يكن إلا مسدسا ورصاصتين، كما شهد المناضل محمد بوضياف، أحدُ الستة المشار إليهم آنفا، في كتابه المسمى “الإعدادُ لثورة أوّل نوفمبر”.. ولكنّ إيمان محمد العربي ابن مهيدي كان “أثقل من طود”، ممّا أبهتَ جلاديه من المجرمين الفرنسيين فاعترفوا برجولته وعزّته، حتى قال قائلٌ منهم: “لو كان تحت قيادتي بضعة رجال كهذا الرجل لفتحتُ العالم”.. وأمّا المجرمُ الآخر فاضطرّ راغم الأنف أن يؤدّي التحيّة العسكرية أمام جثمان الشهيد الذي شهدت أختُه أنّه لم تفُته صلاة الفجر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!