جوانب منسية من تاريخ مستغانم ..مدرسة وادي الحدائق
لم يكن الأستاذ المرحوم مولاي بلحميسي مبالغا حينما قرر أنه لم يبق مؤرخ ولا شاعر ولا جغرافي إلا وذكر مستغانم وتغنى بجمالها، والمقام لا يسمح بعرض أقوال أئمة التاريخ والجغرافيا ورواد البحث والدراسات وفحول الأدب والشعر في شأن مستغانم وأهلها وخصالها، فكيف بعامتهم وجميعهم، والواقع أن ذلك سيحتاج لأسفار ومجلدات، وسيطول لأيام وشهور.
ولقد ظلت مستغانم منارة شامخة عبر الدهور، تستجمع عبق الماضي العريق، وتروي للأجيال قصة مسك الغنائم أومرسى الغنائم، استقطب سحر جمالها شعوبا وأمما، وتعانقت بها حضارات وتلاقحت فيها ثقافات، فصار تاريخها في عداد المعلوم الذي لا يمكن نسيانه تحت أي عذر من الأعذار.
غير أن الذي يمكن الإشارة إليه أن ثمة جوانب وزوايا من تاريخ مستغانم تستدعي المزيد من التمحيص والبيان والإظهار، وتنتظر جهود الدارسين في نفض الغبار، فإذا كان أبو عبيد البكري والإدريسي وغيرهما ممن مر بمستغانم أو نزل بها قد هالهم ماشاهدوا بمستغانم من رونق القصور وكثرة البساتين وجمال الحدائق، فإن الذي هو جدير بالذكر والإشادة والتنويه أنه كان بمستغانم حدائق أخرى غير التي عرفنا، حدائق العلم والفكر والمعرفة مثلتها كوكبة العلماء التى تزاحم على مجالسها جموع الطلبة والمريدين بوادي الحدائق إحدى أحواز مستغانم وضواحيها الجنوبية، وقد حل هؤلاء العلماء الذين اختصوا في كل الفنون الشرعية واللغوية وأقاموا بهذه الناحية خلال الفترة الأخيرة من الحكم العثماني بالجزائر واستمروا إلى المراحل الأولى من فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر رغم حالة المضايقات التي ظلت تلاحقهم من طرف سلطات إدارة الاحتلال الفرنسي.
ومن المؤسف أن الكتابات والدراسات التي ألقيت في شأن مستغانم لم تف الموضوع بما يستحق رغم قيمته الفنية وأهميته العلمية ولم تسلط الأضواء على هذه المدرسة وروادها.
وللشيخ عبد الكريم بن حواء نجل الشيخ محمد بن حواء دفين مستغانم وصالحها الفضل الكبير في التعريف بهؤلاء الأعلام من خلال قصيدته العصماء التي نظمها بعنوان سبيكة الكلام فيمن كان بمستغانم وأحوازها من الأعيان والأعلام تجاوز بها 150 بيتا في معرض الرد على معاصره الذي طعن في أهالي مستغانم ورماهم _ ظلما وزورا _ بالجهل والطغيان، وعد خلالها ثمانية وعشرين عالما وفقيها كانوا كلهم على السنة وممن يقتدى بهم في السلوك والورع والتدين وقد أخذوا هم أيضا علومهم عن مشايخ أجلة، وأن منهم خمسة ممن أدركهم وتتلمذ عليهم ولازمهم ملازمة تامة في مقدمتهم والده المحدث الملقب بالأستاذ والشيخ الفقيه محمد مصطفى الرماصي والناسك الزاهد السالك محمد بن بوجلال والشيخ أبو العباس المعروف بالوزاعي والعلامة الشيخ الطيب بن مختار.
وأما من لم سبق زمانه ومات دون أن يذكرهم فعدهم ثلاثة وعشرين أولهم ابن مقلة وأولهم في السن والشيوخ والأخذ والتعليم والرسوخ
العالم الجليل شيخ الملة شهرته في الناس بابن مقلة
ومن جملتهم الشيخ الورع عثمان بن سعيد المالفي أوفي تلامذة أحمد بن عاشر وصاحب الزاوية الشهيرة هناك، والحافظ الخطيب ابن يدر، والعالم المحقق النحوي محمد ابن التادلوتي والعلامة الرباني الشريف الدايجي (الجد الأكبر لبلعياشي) وخاتمة النقاد صاحب القراءات القرآنية العشر محمد بن علي المغربي وغيرهم ممن لم نذكرهم التزاما بمقام المقال.
ومع أن المؤرخ الفرنسي مارسال بودان خص مستغانم وتقاليد أهلها بتأليف مفرد إلا أنه اكتفى بالإشارة العابرة لقصيدة عبد الكريم ابن حواء من حين لآخر في معرض الاستشهاد لتراجم بعض الأعيان، وللأستاذ الهادي ابن تونس الفضل والشكر في عرض هذا النظم وإبرازه من خلال مؤلفه عن تاريخ مستغانم.
ولم يكن هذا العرض الوجيز والسريع سوى التفاتة لرفع النسيان عن أحد الجوانب الهامة من تاريخ المنطقة عساها أن تنال من عناية الباحثين والمهتمين بالتراث الثقافي للجزائر عموما ومستغانم على الخصوص.
(*)مهتم بالتراث الإسلامي ـ مستغانم-