حاشا البعض!
حتى وقت قريب، كنّا نعتقد أن نشرة الثامنة التي يقدّمها التلفزيون الحكومي كل مساء، مسؤولة عن تضليل الملايين من الجزائريين البسطاء والزوالية، والذين- ربما- بسبب أميّة بعضهم السياسية من جهة، وطيبة الأكثرية منهم من جهة ثانية، باتوا يصدّقون تلك النشرة “الغبيّة” إلى الدرجة التي وصل معها “استفزاز” أحد الصحفيين فيها ليقول ضمن تقريره عن أزمة السكن، إن هذه الأخيرة، وبالنسبة إلى كل الجزائريين.. حُلم يُطال مهما الوقت استطال!
لكن خلال اليومين الماضيين، وعقب انتهاء مهرجان الإذاعة والتلفزيون في تونس ما بعد الثورة، أُصبنا بدهشة كبيرة وصدمة حين قرأنا عن تتويج نشرة الثامنة باعتبارها الأفضل عربيا، ناهيك عن تتويج تقرير تلفزيوني آخر عن برنامج عمل الحكومة على أنه من أحسن التقارير العربية على مستوى الصورة!
بتعبير آخر… صدّقوا أو لا تصدقوا، فإن نشرة الثامنة في التلفزيون الحكومي العظيم، والمزدحمة بأخبار الوزراء والتقارير الرسمية المقيتة، أفضل بكثير من حصاد اليوم الإخباري على الجزيرة، ومن برنامج بانوراما، وآخر ساعة على قناة العربية، وأحسن من كل النشرات والبرامج الإخبارية التي تقدمها جميع الفضائيات العربية الأخرى!
التتويج المزيّف يذكرنا بكذبة مشابهة اخترعها مركز لسبر الآراء في الجزائر ثم صدّقها وروجها البعض، حين زعم أن قناة الجزائرية الثالثة تخطت بكثير جميع قنوات مجموعة الـ”أم بي سي” وحتى روتانا والقنوات الفرنسية!
التتويج الأخير لنشرة الثامنة في مهرجان الإذاعة والتلفزيون، سيدفعنا أيضا إلى تقديم اعتذار عاجل، لكن ليس إلى أباطرة هذه النشرة ومن يتحكمون في مضمونها وتسييرها بالهاتف والخط الأحمر في قاعة التحرير، لكن اعتذارنا الشديد موجه إلى من خدعناهم بالقول إن تونس عرفت ثورة، وإنها في عهد النهضة الإسلامية أفضل بكثير من مرحلة زين الهاربين بن علي وزوجته الشمطاء ليلة الطرابلسي؟!
أولاّ، لا أخلاق لمن حضروا وتنافسوا ونظموا هذا المهرجان، خصوصا أن تونس الجديدة تسجن في الوقت الحالي مدير محطة تلفزيونية رغم أنف القانون، لسبب بسيط يتعلق بتقديمه برنامجا فكاهيا عن رموز السياسة في بلده بعدما اعتقد فعلا أنه مرّ نحو الحرية وودع سنين القهر والاستبداد والظلم والديكتاتورية..
ثانيا، فإن كلامنا هذا لا يعني إدانة الكفاءات المهمة في مبنى التلفزيون بشارع الشهداء، والذين أثبتوا للجميع في كثير من المرات قدرتهم على تقديم الأفضل حتى في أسوء الظروف وأقذر السياسات، لكن ذلك لا يعني أن نصفق لتلفزيون عمومي فاشل، ما يزال بعد كل هذه السنين يطالبنا بمقارنته مع قنوات فتيّة لم تبلغ من عمرها بعد سنة واحدة في المشهد السمعي البصري المغلق قانونا حتى الآن!
كان لا بد على منظمي مهرجان الإذاعة والتلفزيون في تونس أن يكرموا نشرة الثامنة لنجاحها طيلة هذه السنوات في صناعة رأي عام مضلل وغافل عن الحقيقة، وشعب مغيّب تماما عن الواقع، لا أن يكرموها باعتبارها أفضل النشرات الإخبارية في العالم العربي… “حاشا البعض”!