-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتى لا نبقى ضحايا مشكلتنا الحضارية…

محمد سليم قلالة
  • 3120
  • 13
حتى لا نبقى ضحايا مشكلتنا الحضارية…

لماذا نشعر دوما بأننا لا نتقدم بقدر تقدم الآخرين؟ بأنهم يبتعدون عنَّا مع مرور كل ثانية رغم حديثنا عن قرب الالتحاق؟ بأننا لو نستمر على هذه الحال لن نبلغ مستواهم. فما بالك أن نتفوق؟ لماذا نستمر في رفض الاستفادة من عناصر القوة ونكتفي بالقشور؟ لماذا نكتفي بمظاهر التقدم الزائف وندفع بأبنائنا إلى الارتماء في أحضان الغرب، بدل حثهم على السعي لاستيعابه والتفوق عليه ضمن دورة حضارية جديدة كما تفعل جميع الشعوب والأمم؟ أليست المسألة مسألة وعي حضاري قبل أن تكون إمكانيات وقدرات؟

تسارعت إلى ذهني هذه الاسئلة يوم رأيت الآلاف من الشباب يتزاحمون للفوز بفيزا للالتحاق بالغرب عبر بوابة فرنسا، وكتبت لحظتها في مساحة أمل أنه ينبغي ألا ننظر إلى هذا الحدث من زاوية التخوين، أو الحنين (إلى الدولة الاستعمارية السابقة)، أو من زاوية الافتقار إلى الوطنية وحب الوطن، بل ينبغي النظر إليه من زاوية تطلع جيل بأكمله إلى أن يكون في مستوى عصره وألا يبقى حبيس جدران التخلف وعدم الاعتراف بأسباب التقدم، أي حبيس سياسة” التكديس” و”الشيئية” غير القادرة على إعادة بناء الحضارة، بتعبير مفكرنا الفذ مالك بن نبي رحمه الله.

بالفعل، لقد حذّر هذا المفكر الكبير، قبل عقود من الزمن، بأن مصيرنا هو هذا، إذا لم نُسارع إلى الابتعاد عن جَمْع مكونات الحضارة الغربية جَمعًا، وتكديسها تكديسًا، دون بنائها بوعي فكري ضمن إطارنا الحضاري، ودون أن نجعل من هذه المكونات مُنتِجة للفعالية التي من شأنها إطلاق الديناميكية اللازمة للتقدم… وقد وقَعنا في ما حذَّرنا منه، وهانحن اليوم نُجانب الطريق الصحيح لإعادة بناء الحضارة ونكتفي بامتلاك بعض مظاهرها وأشيائها، من بنايات وسيارات وألبسة وأطعمة وهواتف محمولة وحاسوبات وشبه إنترنت… إلخ، إلا أننا في عمق إدراكنا، وفي عمق الإنسان فينا، مازلنا نعتقد أن حقيقة التقدم والنظام والقوة والحرية والقانون… هي هناك عندهم وليست عندنا، ونُجسِّد ذلك عمليا بذلك الاستعداد الكبير الذي نُبديه لِطَرق أبواب الغرب بحثا عما افتقدناه من علم، وحق وعدل وإنصاف وسيادة قانون.. ويُكرِّسه أبناؤنا ميدانيا في ذلك الحشد الكبير منهم أمام مركز ثقافي أجنبي بحثا عن أمل لم نستطع صناعته أو حتى بلورته لهم..

وهكذا بات واضحا كيف أننا لم نستفد من الدرس الحضاري الذي علمتنا إياه التجربة التاريخية للغرب عندما كان في وضعنا وكُنَّا في وضعه، قُبيل نهضته الشاملة التي استمرت قرونا من الزمن إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن.. أي كيف لم نتمكن من إدراك طبيعة المشكلة الحضارية التي نعيشها ومعرفة السبل التي تُمكِّننا من تجاوز عقبتها…

ما الذي حدث حتى جانَبْنا الطريق الصحيح؟ وما الذي علينا فعله لتصحيح بقية المسار؟

لنستفد من الخبرة التاريخية التي عرفها الغرب ومن تلك التي عرفناها منذ عصر ما بعد الموحدين أو ما نسميه عامة بعصر الانحطاط…

لقد استفادت أوروبا الغربية عن طريق مفكريها وفلاسفتها وعلمائها، أي عن طريق نخبتها المثقفة منذ القرنين الثالث عشر والرابع عشر من جوهر الحضارة الإسلامية السائدة آنذاك، أي من أهم ما كانت تختزنه قرطبة وصقلية والحضارة الأندلسية بشكل عام من منهج علمي وعقلانية في التفكير أسس لها ابن رشد خاصة حينما وصل إلى توضيح العلاقة القائمة بين الحكمة والشريعة، وأعاد الربط بين الدين والعقل كأساس للبناء الحضاري. كما استفادت أوروبا التي بدأت تستفيق في تلك الآونة من جوهر ما جاء به نظام الحكم في الإسلام الذي لم يقم على المبدإ المسيحي القائل: “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، ولا على مبدإ الحاكم الأول هو البابا وهو ظل الله في الأرض، أي على تلك التيوقراطية المقيتة التي عرفتها القرون الوسطى في الغرب، إنما على حكم مدني حقيقي يميز بوضوح شديد بين العالم والفقيه والسلطان، أي بين القيادة الدينية والعلمية والقيادة السياسية والعسكرية (التنفيذية)، أي يقيم بناء الدولة على أساس وجود سلطات مستقلة حقيقة ومُكمِّلة لبعضها البعض تحافظ على توازن الدولة وتمنع عنها الاحتكار ضمن الحضارة ذاتها… أي إن الغربيين اتجهوا مباشرة نحو جوهر الحضارة القوية آنذاك وغرفوا منها، عن طريق الترجمة والاتصال المباشر، وبدأت طبقتهم المثقفة ببناء الجامعات انطلاقا من الأديرة والكنائس (جامعتي باريس وأكسفورد)، لاستيعاب خبرة مَن سبقهم وتجديد طابعها الإغريقي الروماني. وتحركت الثورات ضد تكلس الكنيسة الكاثوليكية. وظهر التصحيح اللوثري المعروف (مارتن لوثر). وبدأت أوروبا تتشكل على أسس جديدة، عرفت فيها الحروب الدينية والمجاعات والصراعات حقا، ولكنها كانت تسلك بثبات الطريق الصحيح نحو التقدم، وتتمكن من الشروع في تحقيقه مع بداية عصر الأنوار وبداية الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ثم من صناعة الغرب الحديث، وصولا إلى ما نراه اليوم من تفوق في أكثر من مجال ومن تحكم في التكنولوجيا والمعرفة عالميا، أصبحت محط تطلعنا جميعا ومصدر إعجاب لغالبية شبابنا لِحَملها كثيرا من القيم هي من صميم ما يدعو إليه ديننا (تمجيد العلم والعلماء، العناية بالإنسان، الاعتماد على النفس، احترام للقانون، العناية بالبيئة ونظافتها، السعي لإقامة عدالة اجتماعية، امتلاك لجميع أسباب القوة والمَنَعة) بما يغطي ولو إلى حين، تلك الأمراض الأخلاقية والانحطاط القيمي الكامن بداخلها، في صورة تكاد تكون مشابهة لما عرفته حضارة الأندلس قبيل سقوطها…

هل نحن اليوم في مثل تلك الحال التي كانت عليها أوروبا قبيل نهضتها؟ هل نحن بصدد استيعاب القوانين الناظمة للانتقال الحضاري؟ أم مازلنا نعيش مرحلة الانبهار ونتطلع إلى الفرار إلى ذلك الملاذ الآمن الذي ليس سوى حضارتهم في تأكيد واضح لذلك الوصف الذي أطلقه عنّا مستشرقو القرن التاسع عشر أننا أمم بلا تاريخ ولا لغة ولا جذور ننتظر بشغف الملاذ الآمن للاحتلال الأوروبي على حد تعبير أرنست رينان…

أسئلة بالفعل تَجدَّد طرحها اليوم بعد أن كدنا نجزم بأننا تجاوزناها في منتصف القرن العشرين وأننا عرفنا الانطلاقة الحقيقية نحو التقدم وإعادة بناء الحضارة (الثورات المختلفة، الصحوة الدينية، استعادة السيادة وبداية الحكم الوطني…). هل تخلفنا عن بداية نهضتنا في القرن العشرين أم تقدّمنا؟ هل مَنَعَنا “التكديس” و”الشيئية” إلى هذه الدرجة من التقدم وأعادنا القهقرى إلى الوراء؟ وما العمل في هذه الحال؟

يبدو أنه علينا اليوم طرح هذه الأسئلة وأخرى بعمق أكبر، لأننا إضافة إلى هاذين العاملين القاتلين أضفنا في العقدين الأخيرين عاملا مميتا آخر هو الاعتماد على بقايا حضارتنا بدل جوهرها. لقد أغرقنا أنفسنا في معركة شكليات الحضارة وغُصنا في تفاصيل لها علاقة بشكل العبادات وبشكل المعاملات بعيدا عن أي محاولة لاستيعابهما معا بطريقة جديدة ضمن خصائص العصر منطلقين من جوهر الدين الذي هو قبل كل شيء علم ومعرفة وبعد ذلك ممارسات مختلفة إن كانت عبادات أو معاملات أو أي شكل آخر من الأشكال المختلفة للبناء الحضاري… وهذا كاف في تقديرنا لتصحيح الخلل الذي أربك المسار ولإدراج كل تطلع لاستيعاب التقدم الغربي ضمن منطق إعادة بناء الذات لا الاضمحلال ثم الذوبان في الآخر… ذلك أن الفرق كبير بين أن نَصطف أمام المركز الثقافي الفرنسي للانتقال إلى الغرب لأجل استيعابه أو أن نقوم بذات العمل لأجل الذوبان فيه… في الحالة الأولى نكون بصدد مواصلة البناء، وفي الحالة الثانية نكون بصدد تخريب ما شُرع في بنائه منذ أكثر من قرنين من الزمن عند بداية نهضتنا الحديثة…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • بدون اسم

    تحية عطرة ملؤها المحبة والتقدير على ما تكتبه يادكتور ؟أتمنى ممن يحكموننا أن يجروا استفتاء آخر لألغاء استفتاء الأستقلال في يوم 1 جويلية 1962 تحت مسمى -هل أنت موافق على استقلال الجزائر بالتعاون مع فرنسا؟وكانت نتيجة الستفتاء من بين أكثر من ستتة ملايين مسجل خمسة ملايين وخمسة مئة وخمسة وسبعون ألف قالوا نعم ومئة وثمنية عشر ألف قالوا لا.من قالوا نعم أكثر من ثلاثة ملايين أوروبي مابين اسرئيلي ومسيحي ،اليوم نحن بحاجة لتجديد الأستتاء للبقاء معها أو الأنفصال عنها لأنها هي أسباب بلا وينامما تركت لنا من ارث؟

  • المندهش مندهش _الجزائر _

    باحسين الشاوي انسب الكلام إلى قائله تكن فيه بؤكة

  • ISORANES

    "ليس التكديس" و"الشيئية" وحدهما من منعانا من التقدم وأعادنا القهقرى إلى الوراء ، بل اللعب في هوية هذا الشعب و معاداة التاريخ الأمازيغي هو السبب الرئيس الذي أجهض موعد الجزائريين مع الحداثة.

  • معاذ

    اترك الدين وحدك إذا اردت أما نحن فمسلمون و نعتز بذلك.....محاولة فاشلة يا هذا ... و ما هو مذهبك الانساني.... تجارب من لا يعرف من خلقه أم من قتل عشرات الملايين حتى اذا مل من ذلك ادعى الحضارة و القيم الانسانية و حصر فرضها في 5 أعضاء دائمين في مجلس الارهاب في نيويورك.... من يجري الى ملذات الغرب مجرد خواء

  • حسين الشاوي

    ان أمتنا للاسف تنتقل من حالة القابلية للاستعمار الى حالة استدعاء الاستعمار وهي حالة تعبر عن فشل مشاريع التربية والتعليم في وطننا العربي والاسلامي ..؟

  • صالح بوقدير

    لايصلح الناس فوضي لاسراة لهم
    لايمكن الحديث عن التقدم والأمة عاجزة عن اختيار من يحكمها بنفسها فالإنطلاقة تبدأ من من حسن اختيارهاللقائد فإذا تم ذلك تذللت لها الصعاب وسارت بخطى ثابة إلى الأمام متمسكة بعقيدتها مستثمرةفي المعارف والعلوم وبناء الأنسان
    لايصلح الناس فوضى لاسراة لهم ولا سراة إذاجهّالهم سادوا _أبو الأسود الدوألي_

  • جزائري

    يجب التنبيه إلى بعض النقاط :

    1- الغرب واجه تسلط الكنيسة ونحن (في الجزائر) نواجه تسلط الشرعية الثورية لاحتكار الحكم.
    2- تعمد عدم الاستثمار في الانسان حقيقة والاستعاضة عنه بالموارد الطبيعية من بترول وغاز أخَّر بروز "الكتلة الحرجة" التي تكون بها بداية النهوض.
    3- الغرب استفاد من سخاء الحضارة الإسلامية التي نقل منها أسباب رقيه ونحن نعاني من تكالبه علينا وبذل قصارى جهده لشل قدراتنا ومنعنا من النهوض.

    هذا التكبيل المزدوج يجب ان يُحسب له ألف حساب ولو أن الثورة الرقمية في صالحنا إن أحسننا استغلالها.

  • تاكفاريناس

    إن سبب نجاحهم هو السعي والعمل والجد واعتبار أن تحقيق الأهداف يتم عن طريق العلم العمل والكد والكفاح والاعتراف بفشلهم إذا فشلوا. إنكم تدعون يا أستاذ إلى الإصلاح مثل ما فعل "مارتن لوثر" في الغرب..لكن الم تفشل محاولات الإصلاح عندنا عبر التاريخ..الم يسجن "اسلام البحيري" مؤخرا في مصر بتهمة ازدراء الدين. اتركوا هذا المنزلق الخطير وتعالوا نعتنق الدين الانسانى الجديد -القانون المدني وحقوق الإنسان - في تسيير أمور حياتنا قبل أن يلفظنا التاريخ وتطردنا الحضارة المدنية الحديثة.

  • فوضيل

    نعم نحن ضحايا المبالغة في الأحلام وإتباع سياسة النعام ..تعلمنا في المدرسة أننا نملك حضارة .. وهي حضارة إنسانية استفادا منها الغرب كثيرا ، لها تاريخ طويل من الفنون والاكتشافات العلمية ومناهج حكم سياسي عادلة ودولة مستقرة ورفاهية مقرونة ب "فتوحات" يعامل فيها السكان برأفة...الخ مما تمتلئ به صفحات كتب التأريخ المدرسي …ولكن ألأمر ليس كذلك.. تلك أكاذيب. لم لا نقول أن الدول الغربية دول علمانية؟ أليست هي حضارة حقيقية تمتلك معايير وأسس معرفية وأخلاقية وإنسانية يتمنى أي إنسان العيش فيها؟!

  • بدون اسم

    كل المؤشرات تقول أننا "نَصطف أمام المركز الثقافي الفرنسي للانتقال إلى الغرب ... لأجل الذوبان فيه..."؟؟؟؟؟ فالذي يتنكر لثقافته أو يحمل الفكر الميت لا يمكنه أن يقوم بدور الاستيعاب من أجل بناء الذات الحضارية؟؟؟ ففاقد الشيء لا يعطيه؟؟؟

  • الطيب ـ 3 ـ

    اتجه مهاجر مسلم يعيش في الغرب إلى متجر لأجل العمل بعد اطلاعه على الإعلان فلما حضر سأله التاجر : لا شك أنك مسلم ؟فرد عليه المسلم : نعم ، فقال له التاجر : أنا لا أأتمنك على تجارتي ! فقال المسلم :و لما !؟ فقال التاجر لأنك تشرب الخمر ، فقال المسلم و ما دخل هذا!؟ فقال التاجر : هذا محرم في دينكم و أنت تتعطاه فكيف بي أأتمنك على تجارتي و أنتَ تخون دينك و تعصي ربك خاصة و أنا كافر بالنسبة إليك !؟ آسف سيدي أنا لا أشغلك في متجري هناك خلل بينك و بين دينك !!!!!!

  • الطيب ـ 2 ـ

    بين تلك الفكرة و نقيضتها تعيش أمتنا التيه و أكثر من التيه هو الخراب الذي خرب كل شيء بما في ذلك عقول شبابنا فلا هو تحول تحولاً كليًا إلى " غربي بكل ما تعنيه الكلمة " و لا هو تدبر و عاش الدين الذي يتسمى باسمه " مسلم بكل ما تعنيه الكلمة " !! لذلك نرى و نعيش التناقض بكل تفاصيله و التطرف بكل معانيه ...يا أستاذ سليم إن لم تحل هذه العقدة التي تبدو و كأنها أبدية سنظل في تخلفنا و لن نتقدم خطوة واحدة و لن نصنع حضارة و لن نحصل حتى على الاحترام من غيرنا !

  • الطيب ـ 1 ـ

    هناك عقدة ولدت و عاشت في العالم الإسلامي و بالخصوص في الجزء العربي منه و هي فكرة أنّ الغرب وصل إلى ما وصل إليه من حضارة تبهر الأنفس بعدما نفض يديه من الكنيسة و من دينها المتسلط و لن يكون خلاص العالم الإسلامي إلا بأن ينفض يديه من الدين تمامًا مثلما فعل الغرب لينطلق و يتحرر ! و على العكس نقيض الفكرة الذي يقول لن تكون لنا مكانة و لن تعلو كلمتنا بين الأمم إلا بالدين الذي أخرجنا للوجود و صنع منا أمة و أوصلنا حتى إلى قلب أوروبا حيث لازالت آثار حضارتنا تشهد هناك ...