حتّى لا تضيع قرينة الصّلاة!
في الأيام الأولى من كلّ عام هجريّ، تحسن العودة للحديث في موضوع مهمّ، بل غاية في الأهمية، ربّما يظنّ البعض أنّه يخصّ فئة قليلة من المسلمين، لكنّه في حقيقة الأمر يفترض أن يكون همّا تحمله الأمّة الإسلاميّة كلّها.. كيف لا وهو يتعلّق بركن من أركان الإسلام، يأتي مباشرة بعد الشّهادتين والصّلاة، وقُرن بالصّلاة في عشرات المواضع.. إنّه فريضة الزّكاة التي يفترض أن يهتمّ بها المسلمون كاهتمامهم بالصّلاة، فيتواصوا بإخراجها ويتناهوا عن منعها.
الزّكاة هي الرّكن الثّالث من أركان الإسلام: معلومة لا تخفى على أحد من المسلمين؛ فجميعهم يحفظ الحديث المتواتر: “بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ”. لكن مع كلّ أسف فهذا الرّكن يشكو إلى الله حاله مع كثير من عباد الله الذين غرّتهم الدّنيا فأهملوه وتناسوه.. بل يشكو حاله مع أمّة الإسلام التي ما عادت تأخذ على يد من يجحده ويهمله. أصبح أصحاب الأموال في أمّة الإسلام يُترك لهم الاختيار في أن يخرجوا الزّكاة أو يمنعوها ولا يعاقبهم بل ولا يعاتبهم أحد، مع أنّنا جميعا نعلم أنّه قد تواتر في السير أنّ خليفة رسول الله –صلّى الله عليه وآله وسلّم- وصدّيق الأمّة أبا بكر قد بلغ في اهتمامه بهذه الفريضة أنّه أعلن الحرب على المسلمين الذين منعوا الزّكاة.
في زماننا هذا: تجد الرّجل المسلم المصلّي، يملك من الأموال مئات الملايين، أو يدير تجارة بالمئات، ويعلم أنّ الله أوجب في المال زكاة تخرج فريضة كلّ عام، لكنّ نفسه الأمّارة بالسّوء تنسيه أو تأبى عليه.. كلّما حان وقت الزّكاة أحاط به شيطانه وبدأت نفسه تتمسكن له، وتخوّفه من نقصان المال، وشيطانه يخوّفه الفقر، ويقول له: أنت قد تعبت في جمع هذا المال، في الوقت الذي كان غيرك ينام ويركن إلى الرّاحة، فكيف يأتي في نهاية الأمر ليأخذ منك مالك من دون تعب؟! وربّما يقنع صاحب المال نفسه بإخراج الزّكاة، لكنّ نفسه تخدعه بالمماطلة والتأخير: في كلّ مرّة يقول: غدا، الأسبوع القادم… أو يتعلّل بأنّه لا يعرف الفقراء. وهكذا حتى ينسى حقّ الله في ماله!
بل إنّ هناك من يتحايل على الزّكاة ويظنّ أنّه يخدع الله وهو يخدع نفسه؛ يملك أموالا طائلة، وكلّما اقترب وقت الزّكاة، اشترى بالمال سيارة أو ذهبا لزوجته، أو اعطاه لابنه.. فإذا مضى وقت الزّكاة استعاد ماله.. ومن أصحاب الأموال من يخدعه الشّيطان ويقول له: أنت تدفع الضّرائب كلّ عام، فلماذا تُخرج الزّكاة؟! ومنهم من يقول له الشّيطان: في ذمّتك ديون كثيرة، وأنت مدين للدّولة، فالزّكاة لا تجب في حقّك! مع أنّ تلك الديون ليست حالّة إنّما هي ديون مؤجّلة، وهو أصلا لا يفكّر في سدادها.
بل إنّ هناك أغنياء يدّخرون في حساباتهم الملايير، لا يخطر لهم على بال أن يخرجوا الزّكاة، ولا يعلمون كم لله في أموالهم.. تمضي عليهم عشرات السنوات ولا تحدّثهم أنفسهم الأمّارة بالسّوء بشيء اسمه الزّكاة، حتّى يأتي أحدهم الموت، فيلقى الله بكبيرة من أعظم الكبائر التي تملأ عليه قبره نارا، والعذاب يوم القيامة أشدّ وأنكى وأطول وأبقى.. تجد المرأة تملك ذهبا كثيرا تتجاوز قيمته المائة مليون، تدّخره لأيام الشّدائد أو لبناتها، ولا تستعمله، تكنزه ولا تخرج زكاته.. لا تسأل، ولا تحبّ أن تسمع أيّ كلام يتعلّق بالزّكاة! ومن عباد الله، من يخرج زكاة ماله، لكنّه يخرجها على مضض وكره، يؤخّرها عن وقتها، ويمنّ بها على الفقراء، وربّما يعطيها من لا يستحقّها، يضعها في أيدي ذويه ومعارفه، وربّما يكون صاحب شركة فيعطيها الموظّفين الذين عنده حتّى لا يطالبوا بحقوقهم!
منكر عظيم نجني حصاده المرّ في واقعنا غلاء وأوبئة وأمراضا ومصائب وتفككا أسريّ وقضايا طلاق وخلع بعشرات الآلاف كلّ عام، ومشاكل لا تنتهي.. كلّ هذا أحد أهمّ أسبابه منع الزّكاة. وليت الذي يمنع الزّكاة هو وحده من يدفع الثّمن، بل حتّى من يسكت عنه ولا ينهاه، والأمّة كلّها تعاقب بمنع الزّكاة: يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القَطر من السّماء”، يمنع النّاس المطر، وقد يأتي في غير وقته، وإذا نزل ذهبت بركته.
المصيبة أنّ مانعي الزّكاة، لا يجدون من ينهاهم عن هذا المنكر العظيم. لا يجدون من يأخذ منهم المال عنوة كما تأخذ الضّريبة، ولا يجدون من حولهم من يذكّرهم بحقّ الفقراء ويعظهم ويزجرهم.. تجد صاحب المال الكثير، كلّ النّاس من حوله يسيّدونه، ويتودّدون إليه طمعا فيما عنده، ولكن لا أحد يقول له: يا فلان اتّق الله وأخرج حقّ الله في مالك.
نداء إلى أصحاب الأموال
إلى كلّ صاحب مال، أوسع الله له في رزقه، حتّى جمع ما بلغ النّصاب، لكنّه مع ذلك يتردّد في إخراج الزّكاة: نقول له: اتّق الله في نفسك.. اتّق الله في أمّتك.. اتّق الله في الفقراء والمحرومين.. المال مال الله، وأنت وكيل عليه.. واللهِ إن لم تخرج زكاة مالك راغبا، فستدفع الثّمن من صحّتك، ويسلّط الله عليك من المصائب ما يذهب عنك لذّة جمع المال. يسلّط الله عليك الهمّ والغمّ والنّكد، فلا تستمتع بأكلة ولا نومة. وربّما يسلّط عليك زوجتك فتنفق من مالك في التفاهات ما هو أضعاف الزّكاة الواجبة. وربّما يسلّط الله عليك أبناءك فيهلكون مالك في الحرام، يستمتعون به ويلحقك أنت وزره.. وإن كنت صاحب تجارة محق الله تجارتك وأذهب منها البركة، وسلّط عليك الآفات.. هذا، مع ما ينتظرك عند الله من عقاب أليم: يقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون)). ويقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: “من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك” ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية: ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) (آل عمران: 180)”.
وفي المقابل ، فإنّ من اهتمّ بالزّكاة وجعلها نصب عينيه، وأخرجها طيّبة بها نفسه، ووضعها في أيدي مستحقيها حقيقة، فإنّ الله تبارك وتعالى يعظم له الأجر والثّواب، ويطهّره من ذنوبه: يقول الله تعالى: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))، ويبارك له في رزقه، ويحفظه في ماله وأهله وولده، ويشرح صدره ويسعده في يومه وليله، ويوم القيامة ينادى لدخول الجنّة من باب الصّدقة.
من ملك مالا أو ذهبا مدّخرا غير مستعمل، بلغ النّصاب وحال عليه العام الهجريّ، فليتّق الله وليسارع إلى إخراج حقّ الله، في وقته من غير تأخير، فالزّكاة مثل الصّلاة لا يجوز تأخيرها عن وقتها.. ليسارعْ إلى إخراجها في وقتها، وليجتهد في أن يضعها في يد من هو فقير حقيقة، ولا يجوز له أن يعطيها من تجب عليه نفقتهم كأبنائه ووالديه، ولا يجوز له أن يذلّ الفقير أو يحرجه أو يمتنّ عليه، بل عليه أن يضعها في يد الفقير بكلّ تواضع، وليتذكّر أنّه أحوج إلى رحمة الله من الفقير إلى ذلك المال.
من كان يملك تجارة، فليتّق الله في حقّ الفقراء، ليقوّمْ تجارته في كلّ عام هجريّ، يقوّمِ السلع التي تباع -ولا يدخل في ذلك تجهيزات المحلّ غير المعرضة للبيع كالثلاجات والخزائن- بسعر البيع، ويجمع إليها الدّيون التي له عند الزّبائن، وينقص الدّيون التي عليه، والباقي يقسمه على 40 ليجد حقّ الفقير.. لا يجوز للتّاجر أن يماطل ويتأخّر بحجّة أنّه لم يحسب حساباته، أو بحجّة أنّ شريكه غير حاضر.. حقّ الفقير يجب أن يصل إليه في وقته.