الرأي

حرب “الذاكرة والمذكرات”…

‬فوزي أوصديق
  • 4610
  • 5

إن حرب الذاكرة والمذكرات حول تاريخ الجزائر، وبالاخص تاريخ الثورة الجزائرية ومعاناة الجزائريين من الاستعمار، دخل في حرب علنية بين مختلف الاطياف سواء في الداخل، أو ما وراء البحار، ومما زاد حدة هذه الحرب أن تأتي في ذكرى خميسينيات الاستقلال وعلى عتبة الانتخابات التشريعية، وبالمناسبة فإن الجزائر قد استقلت ولم تتحرر ذاكرتها للعديد من الاعتبارات، أهمها عقدة التسييس ومحاولة التأطير المؤسساتي للذاكرة الجماعية، لذلك نلاحظ أن أغلب المذكرات إما مذكرات تمجيد للاشخاص، أو قدح، أو تحييد للعديد منهم!!.. مما خلق ارباكاً في الذاكرة الجماعية وتشويشا في كتابة التاريخ الجزائري.

فالجزائري “أمي” بتاريخه وأمجاده، نتيجة التعامل الرسمي للتاريخ، وهذه التراجعات الرسمية أدت بالبعض الى أن ينادي بضرورة إسقاط فكرة التعويض والاعتذار عن الفترة الاستعمارية للجزائر، كما أن هذه التراجعات أدت إلى إسقاط العديد من التسميات التي كان لها دور جد قوي في انتصارات الجزائريين وأخص بالذكر السيد بن يوسف بن خدة، الذي طُـمس اسمه من جامعة الجزائر، بل إن الجزائر بشساعتها ومساحتها وسكانها ومؤسساتها لم تستطع ان تخلد هذاالبطل ولو بتسمية فخرية له… والامثلة عديدة وعديدة جداً؟!

هذه الحرب المعلنة على الذاكرة غذتها تصرفات بعض أفراد من الأسرة الثورية سواء بسلوكاتهم المخلة بقيم ثورة نوفمبر، أوبتطفل العديد وتسمياتهم مجازاً بـ “المجاهدين”، وإن لم يحملوا هذاالاسم إلا بهتانا وزورا؟… وما أكثرهم أمام هذه الحرب المعلنه. فالبعض يحاول أن يستعمل الوطنية وثورة نوفمبر في صراعات سياسية وإدخالها في مزاد العراك الحزبي، فقياس الاستفتاء الانتخابي المرتقب بإستفتاء تقرير المصير هو قياس مع الفارق، فالوطنية وقيم نوفمبر يجب أن تكون فوق الرؤوس والاحزاب والصراعات السياسية، كما أن القراءات الانتقائية ذات التوجه الحزبي للذاكرة الجماعية يجب أن تصان وتكون ملزمة للجميع بدون تخريف أو تأويل. فالثورة هي ملك للجماعة وهي ثابت من ثوابت الامة الجزائرية، ويجب ابعادها عن أي صراع سياسوي أو مهاترات حزبية.

نحن اليوم نحتفل بعيد النصر، وعن أي نصر نتحدث في ظل صمت مطبق وتراجعات للأسرة الثورية فأصبح الحديث ـ مثلاً ـ عن التعويض أو الاعتذار يحتاج لشجاعة نفسية وأدبية، كما أننا ننتظر الكثير ثم الكثير لتجذير وترسيخ الذاكرة الجماعية، إلا أن البعض يرى أن الاحتفالات بالخمسينية تكون بأكاليل من الزهور، أو قراءة الفاتحة، أو الترحم بدقيقة، أو تسمية بعض المباني أو وقفات ارتجالية أو محاضرات …. الخ، وكل هذه الممارسات هي اجراءات ثانوية ولن تصون الذاكرة بعمق، وإن كانت مكملة فالاحتفالية بعيد النصر وبالمحطات التاريخية الاخرى يجب أن لا يكون مناسباتيا بقدر ما يكون بطريقة علمية موضوعية، بسرد تاريخ الجزائر بإيجابياته وسلبياته، بنشر ثقافة التثقيف التاريخي عبر المدارس والمراكز البحثية عن طريق أسلوب التحبيب وليس التنفير.

فهذه الانطباعات سردتها وأنا أتصفح وأسمع وأشاهد الاحتفالات بعيد النصر واجتماعات الاسرة الثورية التي أصبحت تهتم بالمغانم والمغارم أكثر من المكاسب والمبادئ ، فهذه التشويهات وغيرها كلها تعكس صورة سلبية عن تاريخ الجزائر أنه في صراع وجودي، كما أنه لم يتحرر بعد وإن استقل منذ خمسين سنة، فلندرك هذه المعضلة قبل أن يدركنا جيل المستقبل بتنكره لهذه المعطيات التاريخيه، ألم يتذكر الجميع أنه في مرحلة من المراحل، قام الطلبة بالدخول في إضراب بمجرد إدراج مادة التاريخ كمادة إلزامية، فهذه المعطيات وغيرها تحثنا على ضرورة العمل الجاد لصيانة الذاكرة من أي انحراف، أو تعطيل

هذه مجرد انطباعات نسوقها على عتبة الاحتفالات المخلده للخمسينية والمجد والخلود لشهدائنا الابرار… 

مقالات ذات صلة