حرب هولاند على “داعش” تهز أركان الجمهورية
كما جرت العادة، تحولت الجالية الجزائرية والمسلمة في فرنسا، إلى هدف لنيران الكثير من السياسيين والإعلاميين المتطرفين، لمجرد أن الذين نفذوا الاعتداءات محسوبون على الإسلام.. وهكذا سارعت الحكومة الفرنسية لاتخاذ إجراءات بدا منذ الوهلة الأولى أنها موجهة ضد الجالية المسلمة، التي لايزال ينظر إليها على أنهم أجانب. فمتى يتجاوز السياسيون الفرنسيون هذه السقطة؟ وإلى متى تستمر تسمية المسلمين الفرنسيين بالجالية، وفيهم من هو أقدم من بعض رموز اليمين إقامة في فرنسا، كالرئيس السابق نيكولا ساركوزي؟ واين يكمن المشكل، هل في المسلمين ذاتهم الذين عجزوا عن فرض أنفسهم، أم في قوة التحديات التي تواجههم؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها “الملف السياسي” لهذا العدد.
اليمين واليسار على قلب رجل واحد
الفرنسيّون المسلمون.. مخاوف مبرّرة
كانت أحداث باريس الدامية كافية كي ينقلب الجميع ضد الجالية الجزائرية خصوصا المسلمة عموما في فرنسا، من رسميين ومعارضين بشكل ضاقت فيه المسافة بين اليمين المتطرف واليمين التقليدي، بل حتى تيار اليسار المعروف باتزان مواقفه يبدو أنه فقد توازنه وصار يفكر ويقرر خارج معتقداته الإيديولوجية والسياسية.
وإذا كان الخاسر والمتضرر من كارثة الجمعة الأخير هو فرنسا وقسط كبير من نسيجها الاجتماعي، فإن الرابح الأكبر هم المتطرفون من الجانبين، “داعش” التي نقلت الحرب إلى خارج حدود سوريا والعراق، حيث تقيم دولتها الافتراضية ومن يتبنى فكرها، وكذا الأوساط اليمينية “المتصهينة” التي لم تتوقف عن تأجيج العداء ضد كل ما يمت بصلة للجالية العربية والمسلمة في فرنسا وأوروبا عموما.
ويؤكد هذه القراءة، ما جاء في خطاب الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، الذي اعترف بأن من قتل الفرنسيين في باريس، هم فرنسيون آخرون، لأن من خطط ونفذ، وبغض النظر عن أهدافه، نشأ وترعرع وشرب من ثقافة بلاد الحرية والمساواة والأخوة، وربما يكون قد قاسى جحيم التفرقة والعنصرية في الضواحي.
ومن هذا المنطلق، بات من اللازم معالجة تبعات أحداث باريس الدامية، ليس عبر خلفية الانتماء للعرق أو الدين، لأن ذلك من شأنه أن يكرس الانطباع بأن من يتحمل المسؤولية فيما جرى، هي الفئة العريضة التي ينحدر منها الذين ثبت تورطهم في الاعتداءات الإرهابية على العاصمة الفرنسية، بل في محاصرة بؤرة المرض واستئصال العضو الموبوء للحفاظ على استمرار الحياة.
وتكشف ما توصلت إليه تحقيقات الشرطة الفرنسية، أن أحد منفذي الاعتداءات كان يملك حانة في العاصمة البلجيكية بروكسل، ولم تغلق هذه الحانة إلا أياما قلائل قبل تاريخ الاعتداء، ما يؤكد أن هذا الانتحاري، لا يشكل مثالا بالنسبة لأفراد الجالية المسلمة، التي يراد لها أن تتحمل ظلما تبعات ما جرى، وهي من براء.
ويعتبر الإمعان في التركيز على أن الإنحراف يعشش في حساسية بعينها من الحساسيات العرقية أو الدينية المشكلة لنسيج المجتمع الفرنسي، وتجاهل الأمراض الموجودة في الحساسيات الأخرى، تكريس للوضع القائم، لأن المرض إذا لم يعالج بالكيفية المطلوبة، ستتولد عنه أمراض أخرى ستقضي على الجسد برمته.
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى ما كتبه القاص الفرنسي، ميشال ويلبيك، في كتابه “استسلام“، والذي حاول من خلاله، أقصى ما يمكن، أن يرهب الفرنسيين من الإسلام والمسلمين، في الرواية توقع فيها وصول رئيس مسلم لقصر الإيليزي في عام 2022، وهي الرواية التي تزامنت كما هو معلوم، مع التصريحات العنصرية لمثقف فرنسي آخر، هو إيريك زمور، الذي لم يقصر في مهاجمة شباب الضواحي، في إشارة إلى أبناء الجالية المسلمة والتخويف من تنامي عدد التلاميذ المسلمين بفرنسا.. وهي “الخرجات” التي أعقبها الهجوم الإرهابي الذي استهدف الأسبوعية الساخرة “شارلي إيبدو” مطلع العام الجاري، بعد ما نشرت صورا مسيئة للرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم.
وإن كان فرانسوا هولاند حينها قد سارع لانتقاد انتشار مثل تلك الأفكار التي تحارب الآخر، وتحدث عن وجود أزمة هوية في المجتمع الفرنسي، إلا أن تسارع الأحداث يكون قد أثر عليه فانساق من حيث يدري أو لا يدري، وراء قرارات تبدو أقرب إلى ممارسات اليمين منها إلى سياسات اليسار الذي ينتمي إليه، ولعل ما تضمنه خطابه الأخير من إجراءات، وما أفرجت عنه حكومة مانويل فالس من قرارات، فيه ما يبرر مخاوف الجالية المسلمة في هذا البلد، من أن تتحول إلى كبش فداء لاعتداءات من قبيل ما عاشته باريس الأسبوع المنصرم.
العميد ومدير التوجيه السابق في الجيش اللبناني إلياس فرحات
فرنسا تدفع ثمن توظيف الإرهابيين في سياستها تجاه العرب
هل تدفع فرنسا ثمن سياساتها، أم هي ضحية لإفرازات الفوضى العربية؟
كلا الفرضيتين واردتان، فالفوضى العربية وتراجع الدول العربية كما هي الحال في شمال إفريقيا، ونذكر تحديدا ليبيا ومصر وتونس، والحرب السورية، والوهن الذي أصاب دولا أخرى كاليمن والعراق لها ارتدادات مباشرة على أوروبا.
الأمر الآخر، هنالك تساهل وغض بصر عن النشاطات الإرهابية من طرف الحكومات الغربية، والاكتفاء بالخدمات التي تحققها التنظيمات الإرهابية لتحقيق أهداف سياسية، إضافة إلى استعمال تنظيمي القاعدة وداعش لإسقاط النظام السوري هو خطأ جسيم من أوروبا، تدفع الآن ثمنه.
بماذا تفسر تزايد عدد الغربيين المنتسبين إلى التنظيمات الإرهابية، مع مراعاة صغر سنهم؟
هنالك نظام تعبئة عالمي في القاعدة يعمل منذ 20 سنة، وتقريبا في كل دول العالم له خلايا نائمة تعمل على التجنيد، كما يملك هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية دعاة في المساجد، وإمكانات مادية كبيرة، دون إغفال الدعم الذي يلقاه من دول وشخصيات غنية.
كما أن مناهج التعليم الديني في بعض الدول العربية والغربية تساعد على نشأة الإرهاب، تلك المناهج غير مستقيمة وبها انحرافات وتشويه للدين، وهنا نتساءل عن دور الحكومات ووزارة التربية في الاهتمام بهذا الجانب.
العمل الآخر، هو ارتباط أجهزة التجنيد في التنظيمات الإرهابية ببعض الدول الإسلامية، التي فتحت أبوابها لوصول آلاف الإرهابيين من كل أصقاع المعمورة، ثم تدفع بهم إلى دول عربية وإسلامية. وازدادت وتيرة هذا الفعل من بعض الأنظمة بعدما فشلت في إسقاط النظام السوري.
ما مدى تأثير الإسلاموفوبيا في تغذية الفكر المتطرف ضد المصالح الغربية؟
هنالك نزعة يمينية ليس في فرنسا وحسب، بل في كامل أوروبا. هنالك يمين يصطلح عليه اليمين المتطرف الذي يروج لفكر عنصري مقيت، وهذه الهجمات ستعزز أطروحات اليمين تجاه العرب والمسلمين، وتسويق أن هذه الهجمات لها نزعة دينية بحتة.
هنالك كذلك فتور عربي وإسلامي في إدانة التنظيمات الإرهابية على اختلاف تسمياتها، سواء “داعش” أم “القاعدة“، فلم نسمع أن هنالك دعوة لعقد اجتماع من المرجعيات الإسلامية لمناقشة ما حصل، حتى الإدانات تأتي فاترة، لا يوجد كذلك مسعى لإعادة النظر في المناهج التعليمية، كل هذا الأمر سيزيد لا محالة من ظاهرة الإسلاموفوبيا.
بعد هجمات باريس، هل أضحت “داعش” خطرا فعليا على أوروبا؟
نتحدث عن “داعش” وننسى تنظيم القاعدة، رغم أن الأول جزء أساسي من الثاني رغم انشقاقه عنه، وبالعودة إلى سؤالكم، نقول إن هنالك خشية حقيقة من تغول “داعش“. وهو الأمر الذي أقره الرئيس الأمريكي أوباما في خطابه بحر الأسبوع، وكل المؤشرات تؤكد أن أوروبا صارت مستهدفة من “تنظيم الدولة“.
هل تعتقد أن عولمة “داعش” ستزيد من قدراتها التجنيدية أم هي بداية النهاية؟
أعتقد أن التنظيمات الإرهابية في وضع خطر بعد القرار الروسي باستهداف “داعش” ثم القرار الفرنسي، لكن تحقيق أي نتيجة إيجابية في محاربة التنظيمين الإرهابيين، متوقف وبشكل كبير على مواقف دول الخليج وتركيا، خاصة الأخيرة التي هي المركز اللوجيستي لتنظيم “داعش“. فإذا استمر الدعم التركي وبعده الخليجي ستكون المعركة مع القاعدة وأخواتها طويلة وطويلة جدا.
مستشار الإيليزي السابق دحمان عبد الرحمن
الجزائريون أقدم من ساركوزي وبعض رموز اليمين في فرنسا
ما هي أولى التداعيات التي أفرزتها اعتداءات باريس على الجالية الجزائرية والمسلمة باعتباركم أحد أفرادها؟
الجالية الجزائرية لديها امتياز وأسبقية، كونها تعرف الإرهاب جيدا، ومنها من عايش الإرهاب في الجزائر وفي فرنسا سابقا، ونحن قمنا بتجنيد الجالية سابقا بمظاهرات ضد الإرهاب الذي ضرب الجزائر، وحتى ضد الإرهاب الذي ضرب فرنسا الآن.
لكن حاليا وللأسف باسم الإسلام قام إرهابيون لا يعرفون من الإسلام سوى اسمه بهجمات، وكان رد فعل الجزائريين بفرنسا على نسق واحد وهو التنديد بهذه الأفعال الشنيعة، كما أننا في مسجد باريس استقبلنا القيادي في حزب ساركوزي ألان جوبي، وشرحنا له الوضع، ويجب عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب، وهو أمر مرفوض تماما.
لكن ما يلاحظ هو أن الإعلام الفرنسي تجاهل ذلك ولم يظهر الرفض والتنديد الحقيقي لجزائريي فرنسا بهذه الأعمال الإرهابية، وخاصة أن هناك جزائريين من بين الضحايا، لكن بالعكس الإعلام الفرنسي حاول البحث جاهدا عن أصول الإرهابيين، لكنهم تفاجأوا –أي الإعلام الفرنسي– بعمل إرهابي قادم من بلجيكا، لكنهم كانوا يحبذون أنه من أبناء الضواحي من الجزائريين والمغاربة، وحتى السلطة في الجزائر لم تتحرك جيدا للدفاع عن الجالية وحمايتها من حملات التشويه والتمييز.
هل يمكن ربط هذه الاعتداءات المادية بالاستفزازات الفكرية التي تصدر من حين لآخر من بعض مثقفي اليمين، مثل إريك زمور وميشال ويلباك وغيرهم؟
نعم، هناك ربط بين ما يحدث وما بدر عن بعض شخصيات اليمين الفرنسي، مثل نادين مورانو وزمور ولوبان وساركوزي وغيرهم، وكلهم ينتمون للجمهوريين الفاشيين، وغالبا ما تكون أصولهم أجنبية وليسوا فرنسيي الأصل، بل تحصلوا على الجنسية حديثا فقط.
واعتقد أن الجزائريين على وجه الخصوص جعلوا من هؤلاء أصحاب عقدة تجاه كل ما يرمز للجزائر، والجزائري تاريخه أقدم من هؤلاء في فرنسا، لذلك نشأت لهم هذه العقدة من الجزائر والجزائريين، وحتى حين تتجول في المقابر الفرنسية للحرب العالمية الأولى والثانية لا تجد سوى أسماء محمد وخليفة وغيرها، ولا تجد ساركوزي أو مورانو أو غيرهم.
من هنا أؤكد أن هناك رابطا بين اليمين الفرنسي ومظاهر الإسلاموفوبيا خصوصا مع رموز اليمين التي تحولت حديثا فقط إلى فرنسية.
هل قدمت إذن “داعش” هدية ثمينة للجهات المعادية للجالية الجزائرية خصوصا في الانتخابات المقبلة؟
اعتقد أن “داعش” يلعب على ورقة اليمين الفرنسي، واعتقد بأنه يجب قول الحقيقة كاملة، فلقد حدثونا عن “الربيع العربي” و“ربيع الياسمين” وغيرها، لكن ما كان ربيعا صار ربيع الكوارث وربيع التمزق، وتم مهاجمة القذافي وتم الاستعانة بديفيد هنري ليفي.
وأرى أن ما يسمى “داعش” هذا قد أعطى ورقة بيضاء لليمين المتطرف هنا في فرنسا وساهم في انتشار الخوف والرعب لدى أبناء الجالية، وهم بدورهم، أي اليمين يريدون ربط الجالية بـ“داعش” رغم أن الجالية لا علاقة لها بهذا التنظيم الإرهابي، وجزائريو المهجر “ناس تاع أصل“، بقوا جزائريين وبقوا أوفياء لثقافة ابن باديس، لا وهابيون ولا إخوانيون.
من تعتقدون انه المتضرر الأكبر من أحداث باريس، وهل الجالية الجزائرية من بينهم؟
الجالية الجزائرية لم تخسر شيئا، فهي أظهرت موقفها الحقيقي رغم أن الإعلام الفرنسي تجاهله، والخاسر الأكبر هو السلفية الوهابية. والملاحظ لما بعد الأحداث، هو أن الجزائريين كانوا في كافة الأماكن التي حدثت بها الاعتداءات يعزون ويتضامنون ويعبرون عن رفضهم.
من خلال الأحداث المتكررة في فرنسا، هل يمكن القول إن هولاند يجني الآن ما زرعه ساركوزي؟
هولاند كان ذكيا ورفض الخلط بين الإسلام والإرهاب، واليوم اليمين واليسار على حد سواء يطالبون بتغيير السياسية، وهم متفقون على أن طلب رحيل الأسد ما هي إلا غلطة كبيرة.
أما الهجمات فأعتقد أنها جاءت نظرا لتدخل الجيش الفرنسي في الملفين السوري والعراقي التي هي برأيي سياسة انتحارية، خاصة أن السلطة في فرنسا تقول أنها في حالة حرب.
وحاليا توجد أصوات تتهم ساركوزي بالتسبب في الأحداث، خاصة بعد الهجوم على القذافي، لكن الأكيد أن الهجمات تتجه للتأثير وبشكل حاسم على المواقف الفرنسية، والكف عن المطالبة برحيل الأسد، بل اعتباره حليفا وليس عدوا.