-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حسنة وسيّئتان

حسنة وسيّئتان
أرشيف

زرنا – الأخ الفاضل محمد غازي بوشامة، وراقم هذه السطور – في يوم الإثنين 16/4/2018 مدينة جيجل، حيث الهوى والهواء الطلق مجتمع، وقد جئناها من شرقها، فاستمتعنا بما رأيناه من جبال شاهقات، وسهول فسيحات، فسبّحناه، وحمدناه وشكرناه، وهو أهل لذلك كله.
وصلنا إلى مدينة جيجل قبيل صلاة المغرب بدقائق معدودات، وقد تلطّف الأخوان جمال بوحني – مدير المركز الثقافي الإسلام – أحمد حماني- ومحمد خلاف مدير الشؤون الدينية بولاية جيجل فاستقبلانا في مدخل المدينة، ومنها توجهنا جميعا إلى وسط المدينة، حيث مسجد الشيخ محمد الطاهر ساحلي (الجيجلي) “عميد الحركة الإصلاحية فيها وفي ضواحيها، وفيما إليها من تلك الجبال الملآى بالرجال وأي رجال…” (ابن باديس. جريدة البصائر في 28/10/1938. ص2).
وقد رحّب بنا جميعا إمام المسجد فضيلة الشيخ شلوش، الذي ينبض حيوية، ويتدفق نشاطا، وقد تفضل فطلب مني إلقاء كلمة بمناسبة “يوم العلم” – فقلت ما فتح به الله – الفتاح- عليّ.
كان فكري مشتتا بين الحديث عن المناسبة، وصاحبها الإمام عبد الحميد ابن باديس، وبين الحديث عن حياتي في ذلك المسجد المبارك، حيث حفظت جزءا من القرآن العظيم علي يدي سيدي علي بوبازين (1900-1988) – رحمه الله وأكرم مثواه.. وكنت أغالب عبراتي وأنا استرجع ذكريات مضى عليها أكثر من نصف قرن.
إن أول ما لفت نظري، ووقع عليه بصري هو الإصلاحات التي تمّت في بيت الصلاة، فصارت تحفة فنية، زادها جمالا حرص القائمين على المسجد على نظافته.. وهذا العمل هو الذي اعتبرته حسنة، فجزى الله من سعى في ذلك، وقام به..
وفي صبيحة اليوم الموالي توجّهنا إلى “مدرستي الحياة”، الأولى وقد أسست في عهد الإمام عبد الحميد ابن باديس، والثاني وقد أسست في عهد الإمام محمد البشير الإبراهيمي، وهما تقعان في وسط مدينة جيجل، ويفصل بينهما شارع الإمام ابن باديس، ويحدهما من الناحية الشمالية الغربية شارع الأمير المجاهد عبد القادر.
أقصد بالسّيّئتين ما لحق المدرستين في “تشويه”. فأما مدرسة الحياة الأولى، فقد حوّلها الفرنسيون – لعنهم الله – من مؤسسة للحياة بتعليم العلم ونشره، إلى مركز للموت سموه “المكتب الثاني” لاستنطاق المناضلين وتعذيبهم وقتلهم، ثم ارتكبت سيئة أخرى في عهد “الاستقلال” عندما حوّلت المدرسة إلى مكان ميت سموه “متحف كتامة”، القبيلة المازيغية العتيدة.. ومن أغرب ما رأيناه في هذا “المتحف” وجود تمثال نصفي للمارشال بيتان، الذي يعتبره أكثر الفرنسيين “حركيا” لخضوعه لهتلر، ولم يقنعني “تبرير” الأخت مديرة المتحف، التي أحسنت استقبالنا.
إن “مدرسة الحياة” تسمى في الفقه الإسلامي “وقفا”، والوقف لا يغيّر عمّا أوقف له، فلماذا يغيّر وضع مدرسة الحياة، وكان في الإمكان بناء متحف آخر والمحافظة على هذه المدرسة باعتبارها “قلعة” من قلاع الجهاد الثقافي ضد الصليبية الفرنسية. فإن قال قائل المواد الإسلامية، كتفسير القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، والسيرة.. وعلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – محليا ومركزيا- بذل مزيد من الجهد لاسترجاع ما عطّل أو حوّل عما أسس له من مدارس، وعلى المسئولين تسهيل ذلك، وهناك كثير من المدارس التي أسستها جمعية العلماء في مختلف أنحاء الجزائر هي الآن مغلقة أو محوّلة عن مهمتها.. وستحاسب أحجار هذه المدارس كل “مشارك” في إماتتها.
ثم انتقلنا إلى “مدرسة الحياة” الثانية، التي أسست في عهد رئاسة الإمام الإبراهيمي للجمعية، وقد كان مخططا أن تكون مدرسة للبنات، فلما استولى الفرنسيون المجرمون على مدرسة الحياة الأولى انتقل الجميع إلى مدرسة الحياة الثانية – وفي هذه المدرسة تعلمت على يد لسيدي عمار مزراق.. وقد دخلت إلى القسم الذي درست فيه، وقد حوّل الآن إلى قاعة للأساتذة.
إن ما آلمني في هذه المدرسة هو تغيير اسمها من “مدرسة الحياة” إلى مدرسة محمد بومعزة.. وهذا اعتداء على التاريخ، فمن حمل اسما عند ميلاده صحبه – خاصة إن كان اسما جميلا- إلى نهايته. فالمدرسة سميت “مدرسة الحياة”، ولهذا الاسم “معنى”، وهو موجّه إلى مجرمة الحضارة – فرنسا- التي زرعت الجهل والفتنة في وطننا، والمغفلون منا يحسبون أنها تركت لنا “غنيمة”، بينما الجزائر كلها ماتزال غنيمة عند فرنسا..
لا أعرف من أطلق اسمه على “مدرسة الحياة”، وهو محمّد بومعزة، فليكن من يكون، وليطلق اسمه على مدرسة جديدة، أو شارع، أو ساحة – أما حذف اسم تاريخي وإطلاق اسم آخر بدلا منه فهو استهانة بالتاريخ واعتداء عليه، وما ذلك من شيمة الأحرار.
ثم انتقلنا إلى “حي قلصدا” حيث تعلمت في مرأب على سيدي مصطفى عبادة، وقد وجدت المرأب تحول إلى ورشة.
من جيجل توجّهنا – بوشامة – حمزة النذير- من قناة القرآن الكريم- وأنا تلقاء بني ياجيس حيث مسقط رؤوس أهلي، وسقط رأسي، وترعرعت إلى أن بلغت التاسعة من عمري، فحرمتني فرنسا المجرمة من قريتي ووطني، حيث هدمت بيتنا عن آخره، فانتقلت أسرتي إلى مدينة جيجل.
لقد استحضرت أكثر الذكريات التي احتفظت بها ذاكرتي عند مروري بكل من قاوس – أم ثلاثين- تاكسانة- الزاوية، تباركوت، الشوف. وقد توقفنا عند المكان المسمّى “الكاف”، حيث حفظت نصيبا من القرآن الكريم على يدي سيدي الشريف مهرهرة. وهذا مكان عبارة عن مبنى بدائي، مغطى بـ”الدّيس”، وكذلك فراشه.. وكم فرحت عندما رأيت مبنى كبيرا، فاستخبرت عنه فقيل لي إنه ثانوية..
في ذلك المكان استقبلت جبل “سيدي منصور”، واستظهرت جبل “وصاف”، ومن أسفل منه قرية “تسيطين”، التي درست في “مدرستها الأهلية” سنتين، إحداهما كانت عند معلمة من كورسيكا، والأخرى عند معلم جزائري من جيجل..
لقد كنت أغالب دموعي التي فاضت بها عيناي، خاصة عندما أحاط بي بعض السكان، يتقدمهم نائب رئيس بلدية بني ياجيس، مرحبين، ولائمين عن عدم إشعارهم بزيارتي.. ثم واصلنا – بوشامة وأنا- طريقنا، وعاد حمزة وفريقه التلفزيوني إلى جيجل. وقد مررنا على الأعشاش، وسفوح جبل تمزقيدة، وتمانتوت، حيث كان أحد أكابر المجرمين الفرنسيين المدعو بوشار، وبني عزيز.. ثم العلمة.. وتذكرت ما قرأته في تلك الأماكن في 8 ماي 1945، وما شاهدته من مجازر في السنتين الأوليين من جهادنا 1954-1956.
لقد تذكرت كل من ينبغي تذكره كالحاج بودريعة، والدراجي بوشعار، والهاشمي بن الزين، والطاهر كريكط، وماما مرغيدة.. فرحم الله كل من جعل سبب موته على يدي فرنسا الملعونة إلى يوم الدين، حيث يضاعف لها العذاب جزاء وفاقا على جرائمها التي ليس لها مثيل، ولعن معها كل من يحبّها من “بني جلدتنا”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
26
  • MOULOUD

    بسم الله الرحمن الرحيم
    (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)

    .......بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.......بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.......بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.

    صدق الله العضيم سورة الفرقان - سورة 25 - اية 44

  • سرحان الهادي

    يقال: فرنسا استطاعت خلال قرن ونيف أن تبني مدنا حديثة وشبكة من طرق المواصلات وجففت مسنقعات فحولتها إلى جنات واستصلحت الأراضي التي كانت بورا فأيقظت الجزائر من نوم طويل وزرعت الحياة في جسد مات منذ موت الحضارة الإغريقية الرومانية فتفتح بصرنا وخرجنا من قرون الظلامية والشلل الفكري وتحرر عقلنا من قيوده فصرنا نفكر في الحياة ونتطلع إلى سعادة الدنيا ككل المخلوقات بعد أن ظل مخّنا يحتضر تحت عمامته لاشغل له إلا التفكير في الموت وعالم الأموات مدة قرون. كل المدن والطرق الموجودة في بلادنا تركتها فرنسا, كل أسباب الحضارة على أرضنا من ذكريات فرنسا. ماذا أنجزنا منذ الاستقلال؟ لولا الاستعمار لكنا اليوم مثل اليمن

  • سرحان الهادي

    فرنسا لم تدخل الجزائر ضيفا أو عابر سبيل، فرنسا غزت الجزائر عسكريا ودخلتها منتصرة على دولة القراصنة والسراق و فتحتها بالمدافع وبدماء مشاتها وفرسانها وسعت لإلحاقها بإمبراطوريتها بكل الوسائل المتاحة: بالقوة والعنف والإرهاب والتخويف، بالسياسة والاسترضاء، بالفِتْن والسَّحْر واستمالة الجزائريين بإشعاع مدنيتها، بالاقتصاد والتجارة وإتاحة الفرصة لقليل من الجزائريين ليستفيدوا من ثرائها وتقدمها التقني والإداري، بالثقافة والفكر والتعليم وتمكين بعض الجزائريين من تعلم لغتها والاطلاع على عظمة حضارتها، إلخ... رغم انتهاء مشروعها الاستعماري بالفشل ورغم أن الجزائرريين ثاروا عليها وانتزعوا استقلالهم إلا أن الحق

  • merghenis

    «من جيجل توجّهنا تلقاء بني ياجيس ، مسقط رأسي»- [بودريعة بن ياجيس (Boudriaa Ben Yadjis) هي بلدية من دائرة جميلة ، و.جيجل، تقع جنوب مدينة تاكسنة المعروفة.]
    و الإنسان عندما يرجع إلى مسقط رأسه ،الأرض التي ترعرع فيها ــ ـخصوصا بعد غياب طويل ــ يسترجع ذكرياته و...
    وفي هذا الموضوع ،تذكرت قصيدة الشاعر لامرتين ( Lamartine) بعنوان : Milly ou la terre natale
    Montagnes que voilait le brouillard de l’automne
    Vallons que tapissait le givre du matin

  • MOULOUD

    جميل جدا أن يعود الانسان من حين لآخر إلى تذكر ذكريات صغره ويستحضرها بزيارة مسقط رأسه ويزور الاهل والجيران وإلتقاء أهل القرية والمدينة ويعرج على أماكن الدراسة والتعلم ويتذكر الزملاء والاساتذة والشيوخ.
    كل ما تأكدت منه من خلال هذا القال أن الشيخ الهادي الحسني هو بالفعل من أهل جيجل الاحرار كما كنت أعلم, قبل أن يقال لي أنه من قبائل بجاية الاحرار فقلت في نفسي, لابأس فبجاية كذلك تعني عاصمة الحماديين وبلاد سي عميروش الشهيد البطل. وشخصيا عرفت و تعاملت مع الجيجليين (الجواجلة قما نقول) فوجدت الطيبة والصدق والفحولة والتواضع.

  • عقبة كمال

    الذي أعرفه..أن قطاع الأوقاف تابع لوزارة الشؤون الدينية. فلماذا لا تعمل هذه الوزارة جاهدة للدفاع عن الوقف القائم و إسترجاع الضائع و المحوَّل و المنهوب منه؟

  • محمد

    أهل جيجل من أنشط الناس في الجزائر وأكثرهم كفاءة ...ولست أدري لماذا تغيب التنمية عن ولاية قد تكون من أفضل ولايات القطر وأكثرها نجاحا على جميع الأصعدة . نرجوا أن تتوجه الإستثمارات والشركات والمصانع ومشاريع البنى التحتية والسياحة إلى الولاية ...فلاشيء ينقصها لتتفوق وتنجح ، لا الجمال ، ولاعزم الرجال.

  • محمد

    لله در أهل جيجل ، شعلة نشاط في كل المجالات ، في السياسة ، في الثقافة ، في العلم ، حتى في سائر الأعمال والتجارة.
    بوركت يا أستاذ.

  • لا يا أستاذ

    أما قولك " فقد حوّلها الفرنسيون – لعنهم الله – " فقد أتيت به على الحابل و النابل و شمل حتى المسلمين منهم و هم قرابة 05 ملايين شخص. كان الأولى أن تزيد أكثر بيانا و توضيحا بالفئة المعنية بدعاءك و هي المستعمر و ليس كل الفرنسيين الذين كان منهم من ساند الثورة و رجالها الأحرار....

  • البشير الابراهيمي

    يتحدث عن اللغة الأمازيغية قائلا :
    "حذاري أن يطرب لها أحد . و إن النغمتين من آلة واحدة مشوشة الدساتين مضطربة الأوتار، و مغزاهما واحد، و هو إسكات نغمة أخرى تنطق بالحق و تقول أن هذا الوطن عربي، فيجب أن تكون لغته العربية رسمية، فجاءت تلك النغمات الشاذة ردا على هذه النغمة المطردة و نقضا لها و تشويشا عليها، و لتلقى في الأذهان بأن هذا الوطن مجموع أجناس و لغات لا ترجح إحداهن على الأخرى، فلا تستحق إحداهن أن تكون رسمية.

  • البشير الابراهيمي

    أكل هذا إنصاف للقبائلية و إكرام لأهلها و اعتراف بحقها في الحياة و بأصالتها في الوطن ؟
    كلا، إنه تدجيل سياسي على طائفة من هذه الأمة، و مكر استعماري بطائفة أخرى، و تفرقة شنيعة بينهما و سخرية عميقة بهما. إن هاتين النغمتين و ما جرى مجراهما هي حداء الاستعمار بالقوافل السائرة على غير هدى لتزداد إمعانا في الفيافي الطامسة، فحذار أن يطرب لها أحد. و إن النغمتين من آلة واحدة مشوشة الدساتين مضطربة الأوتار، و مغزاهما واحد، و هو إسكات نغمة أخرى تنطق بالحق و تقول أن هذا الوطن عربي، فيجب أن تكون لغته العربية رسمية، فجاءت تلك النغمات
    الشاذة ( أي القبائلية) ردا على هذه النغمة المطردة و نقضا لها و تشويشا عليها

  • البشير الابراهيمي

    ان الهم الأكبر للبشير الإبراهيمي هو تذويب الأمازيغ في أرومة العرب وثقافتهم ، وهو مستكثر عنهم حتى اللسان الأمازيغي الذي يلهجون به ، وهو ما نقرأه له في مقاله سنة 1948 بمناسبة تدشين الإذاعتين الناطقتين بالعربية والأمازيغية القبائلية في مقاله المعنون ( العربية عقيلة حرة ليس لها ضرة ) ، وهذا مقتطف مما قاله في الموضوع :
    ما هذه النغمة الناشزة التي تصك الأسماع حينا بعد حين، و التي لا تظهر إلا في نوبات من جنون الاستعمار ؟
    ما هذه النغمة السمجة التي ارتفعت قبل سنين في راديو الجزائر بإذاعة الأغاني القبائلية، و إذاعة الأخبار باللسان القبائلي، ثم ارتفعت قبل أسابيع من قاعة المجلس الجزائري بلزوم مترجم

  • ابن باديس جريدة السنة

    ظنوا بنا ما تشاءون فإنّا على بصيرة من أمرنا و يقين من استقامة خطتنا و نبل غايتنا ، و مهما تبدلت اعتقاداتنا في أناس بتبدل معاملاتهم لنا ، فلن تتبدل ثـقتنا بفرنسا و قانونها ، و على خطتنا المستقيمة و هي نشر العلم و الفضيلة و مقاومة الجهل و الرذيلة .
    و على غايتنا النبيلة و هي تثقيف الشعب الجزائري المرتبط بفرنسا ، و رفع مستواه العقلي والخلقي و العملي إلى ما يليق بسمعة فرنسا .
    و على ثقتنا بعدالة فرنسا و حرية الأمّة الفرنسية و ديموقراطيتها”
    المصدر :
    جريدة (السنّة) من تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

  • ابن باديس جريدة السنة

    و إنّي لأفهم من مناهضتكم العجيبة للجمعية هي جمعية دينية تهذيبية بعيدة عن كل سياسة ـ أنّكم لا تريدون من الجزائر إلاّ أن تبقى جامدة و أن لا تتمتع بشيء من الحق إلاّ ما لا غناء فيه و لا بقي معه ـ و لعمر الحق أنّ من يريد هذا بالجزائر اليوم لمخالف للشريعة و الطبيعة إذ من الطبيعي أن تتحرك الجزائر ضمن الجمهورية الفرنسية في زمان تحرك ما فيه حتى الحجر , ومن الشرعيّ أن تنال منها الحقوق كفاء ما قامت به من الواجبات .
    آستكثرتم على الجزائر أن تكون لها جمعية لها منزلتها العظيمة في قلبها و جريدة لها قيمتها الكبيرة في نظرها ؟
    نبشركم أنه سيكون للجزائر الفرنسية جمعيات و صحف و سيكون لها وسيكون..

  • ابن باديس جريدة السنة

    و ارتباطها القوي بمباديها و عدها نفسها جزءا منها و قصرها لطلبها منها على أن تعطى جميع حقوقها كما قامت بجميع واجباتها و أن لا يتقدمها في أيام السلم من قد لا يساويها في أيام الحرب .
    لا ، لا أخالكم تنظرون و لا تتأملون فإن الأثرة المستولية على النفوس حجاب كثيف يحول دون رؤية الحقائق كما هي و يحول حتى دون رؤية مصلحة فرنسا الحقيقية نفسها . و إنّي لأفهم من مناهضتكم العجيبة للجمعية هي جمعية دينية تهذيبية بعيدة عن كل سياسة ـ أنّكم لا تريدون من الجزائر إلاّ أن تبقى جامدة و أن لا تتمتع بشيء من الحق إلاّ ما لا غناء فيه و لا بقي معه ـ

  • ابن باديس جريدة السنة

    فتناهضوها و هي ما تزال في المهد , أفظننتم أن الأمّة الجزائرية ذات التاريخ العظيم تقضي قرنا كاملا في حجر فرنسا المتمدنة ثم لا تنهض بجنب فرنسا تحت كنفها يدها في يدها فتاة لها من الجمال و الحيوية ما لكل فتاة أنجبتها أو ربّـتها مثل تلك الأم أخطأتم يا هؤلاء ؟؟

    أخطأتم يا هؤلاء التقدير وأسأتم الظن بالمربي و المربى و بعّدتم عن العلم بسنن الكون في نهضات الأمم بعضها ببعض عند الاختلاط أو التجاور أو الترابط بشيء من روابط الاجتماع
    انظروا إلى ما حواليكم من الأمم و تأملوا فيما تنادي به الشعوب و ما تعلنه من مطالب فإنكم إذا نظرتم و تأملتم حمدتم لهذه الجزائر الفتية نهضتها الهادئة و تمسكها المتين بفرنسا

  • ابن باديس جيدة السنة

    “ما ينقم علينا الناقمون ؟
    أينقمون علينا تأسيس جمعية دينية إسلامية تهذيبية تعين فرنسا على تهذيب الشعب و ترقيته ورفع مستواه إلى الدرجة اللائقة بسمعة فرنسا و مدنيتها و تربيتها للشعوب و تثقيفها فإذا كان هذا ما ينقمون علينا فقد أساءوا إلى فرنسا قبل أن يسيئوا إلينا , و قد دلّوا على رجعية فيهم و جمود لا يتناسبان مع المبادئ الجمهورية و لا مع حالة هذا العصر ؟”
    أفتكون في الهند جمعيات للعلماء تقوم بأعمالها بغاية الحرية و الهناء عشرات من السنين تحت السلطة الإنجليزية الغاشمة القاسية وتضيق صدوركم أنتم عن تكوّن جمعية واحدة للعلماء المسلمين بالجزائر تحت المبادئ الجمهورية العادلة المشعة بعلومها على الأمم

  • الحقيقة التاريخية

    ودعناه وانصرفنا متأسفين."
    وهنا نطرح السؤال الذي نكرره كل مرة :
    لماذا تطالب الحركات الاسلامية بالعلمانية حينما تكون أقلية او ضعيفة لغرض حماية دينها مثل الهند ذات الاغلبية الهندوسية او مثل ما فعلت جمعية العلماء في عهد الاستدمار الفرنسي ، لكن بمجرد تحرير الجزائر قامت بفرض عروبتها على الجميع و عربت الخضر واليابس ورفضت التعدد والتنوع ؟

  • الحقيقة التاريخية

    و تهيئ الجزائريين فكريا لتطبيع معها والخضوع لها وهو ما جعل رجالات الجمعية يقتنعون أن محاربة فرنسا ضرب من الجنون و هو ما أكده الدكتور محمد قنانش في كتابه ذكرياتي مع مشاهير الكفاح ص 117 حيث قال :
    "في محطة القطار بتلمسان، تقابلنا مع الشيخ عيد الحميد بن باديس وطلبنا منه بعض التفسيرات حول الكلمة التي روجها الشيوعيون باسمه وهي “الشيوعية خميرة الشعب”، فأجابنا بأن “سياستنا تتلخص في أن عدونا صديقنا” فقلنا له "إن هذا ليس موقفا سياسيا صريحا، و الواجب أنكم تكونون بجانب الوطنيين. فأجابنا بـ”أنكم مجانين وأنا لا أتحدث مع المجانين، هل يمكن أو يُعقل أن تخرج فرنسا من الجزائر؟؟ هذا جنون لا يقبله أي عاقل”.

  • الحقيقة التاريخية

    مثل كل التنظمات و الحركات الاسلامية في عهد الجزائر الفرنسية كانت جمعية العلماء تطالب بالعلمانية (فصل الدين عن الدولة) و كانت تقول في مذكراتها و مجلاتها و اصداراتها بأن الجزائر جزء لا يتجزء من الامة الفرنسية التي هي الام الحنون للجزائريين على حد قول إبن باديس و كان لزاما على الجزائري (العربي) المسلم أن يحمل السلاح للدفاع عن فرنسا اذا تعرضت للعدوان كل ما طالبته جمعية العلماء اذا هو علمنة الدولة أي أن لا تمنع الجزائريين من تعلم العربية واقامة شعائر دينهم وهو ما نفذته وقبلته فرنسا شرط أن تبقى جمعية العلماء التي كانت ممثلة الشعب خاضعة للدولة الام (فرنسا)

  • من كتاب "حياتي كفاح "

    وَخرجتُ لا ألوي على شيء، دون سلام. دون كلام. دون إشارة.
    وبلغني من بعض الـمصلِّين بالمسجد الكبير، أنّ الشيخ – رحمه الله – اشترى كبشاً أو اشترى له النّافحون في أوداجه كبشاً، ونزل بكبشه على المسجد وهو مريض، وضحى به بعد صلاة العيد والنّاس تنظر، وتـمتعض وتتأفّف. ولقد همَّ به قومٌ، فردّهم النّاس عنه قائلين:
    دعوه إنّه خرف أو جنّ"

  • من كتاب "حياتي كفاح "

    وقلتُ :بل هي الثورة يا أستاذ ! هي قيامة الحق على الباطل ! قيامة الشّعب العملاق على الاستعمار ! ستنتصر الثورة، و سيُعلَن الاستقلال و…فقاطعني قائلاً : كلاَّ. إِنَّهُ الـجُنُون ضِدَّ العَقْل، إنَّهَا العَاطِفَة ضِدَّ الـمَصْلَحَة, إِنَّ الجزائر لَنْ تَستَقِلَ، وَسَتَزِيد فَرنْسَا بِواَسِطَة هَذِهِ الثَّوْرَة الإِجْرَامِيَّةَ، ضَغْطاً عَلَى الشّعْبِ، وَسَتَسْعَى لِـمَحْقِهِ وَإِتْلاَفِهِ. إِذَا نِلْتُم الاستقلاَل، فاشْنِقُونِي على شرفة النادي"
    يتبع

  • من كتاب "حياتي كفاح "

    قال: إنّك أنت الـمسؤول عن تعطيل التّضحيّة هذه السَّنَة بما كتبتَ على رأس البصائر. وما كنتُ أظُنّ أنَّكَ تَسْتَمِعُ إلى الأَوْبَـاشِ – هكذا – في أُمُورِ الدِّينِ، بعد أن استَمَعْتَ إِليهِم في أمور السياسة، وَ أَلْقَيْتُم بِالأُمَّةِ في مَهَاوِي الـهَلاَكِ والدَّمَارِ، وسَلَّمْتُمُوهَا مُقَيَّدَة إلى يَدِ الـجَلاَّدِ يُخلِي دِيَارَهَا، وَ يُسْبِي نِسَاءَهَا وَأَطْفَالَها و يمعِن في رجالِها قتلا وإِرْهَاقًا.
    وقفتُ وهممتُ بالخروجِ و قلتُ :بل هي الثورة يا أستاذ ! هي قيامة الحق على الباطل ! قيامة الشّعب العملاق على الاستعمار ! ستنتصر الثورة، وسيُعلَن الاستقلال و…

  • من كتاب "حياتي كفاح "

    وكانت الجبهة – (جبهة التحرير الوطني الجناح العسكري والسياسي في ثورة الجزائر ضد الاستدمار الفرنسي )- قد أصدرت قراراً نافذاً، بعدم الإقبال على التّضحيّة، فنفذ الشّعب أمرها في إجماعٍ غريبٍ مُطلقٍ.
    آخر لقاء ليته لم يقع:
    و جاءني إلى منزلي ليلاً سنة 1956م رسول من الشيخ العقبـي، وكنتُ لم أجتمع به منذ سنتين، يطلبُ إليّ أن أزوره لأمرٍ مهمّ، وهو مريض طريح الفراش وليس بين بيتينا إلا نحو خمسمائة متر، فسعيتُ إليه من الغد، وكنتُ على أوفازٍ للقاهرة، وبعد تحيّة بسيطةٍ وسؤال عن الصحة، قال لي: أَبَلَغَت بكم الـجُرأَة على الدين أن تعطلُوا سُنَّةً نبويَّةً لم يُعَطِّلها أحدٌ منذ عهد الرسول؟، قُلتُ: كيف؟، قال:

  • من كتاب "حياتي كفاح "

    التي تَعْتَمِدُ على الـمُفَاهَمَة مع الحـُكُومَة، بِإِخلاَصٍ وطَهَارَة ضَمِيرٍ.)).انتهى
    وقال أيضًا:
    "كانت الثورة العظيمة قد أُعلِنَت والنِّيران قد اندلعت، ووُضع السّيف والرّشاش موضع القلم والكلام، وكنتُ يومئذٍ أميناً عاماً لجمعيّة العلماء، ومُحَرِّراً رَئيسِيًّا لصحيفة البصائر، كتبتُ يوماً، قُبيل عيد الأضحى في الإطار الأعلى من الصحيفة، تـهنئة للشّعب الإسلامي بالعيد، وقلتُ: أمّا نحنُ فلا عيد لنا، إلا عندما نبلغ أمانينا، وننال كامل حقوقنا.
    يتبع

  • من كتاب "حياتي كفاح "

    بالله عليكم إقرؤوا هذا المقال حتى آخره ولا تنسوا أنه يتحدث عن كلام وقع بعد إندلاع الثورة بسنتين وأبطاله جمعية العلماء المسلمين : من كتاب الاستاذ توفيق المدني “حياة كفاح مذكرات “، قال توفيق الـمدني:
    "خطبت مرة بالنادي، ذكرتُ في خطابي على الـملأ من النّاس حق الجزائر في الحريّة والاستقلال، وأنّ الجهود كلّها يجب أن تسير نـحو هدف واحد، وهو تحرير البلاد، فخطب العقبـي بعدي، كعادته ثمّ قال بلهجة حادة: إنّ الجزائر فَرَنْسِيَّة بَرًّا وبَحْرًا وهَوَاءً، وأنّ مَنْ يُشَكِّكُ في هَذَا أَو يُنَاقِضهُ إنَّـمَا هو سَابِحٌ في بَحرِ الخَيَالِ وَلاَ تَنْجَحُ في هذه البِلاَدِ إلا السيَاسةَ التي تَعْتَمِدُ على