حسنة وسيّئتان
زرنا – الأخ الفاضل محمد غازي بوشامة، وراقم هذه السطور – في يوم الإثنين 16/4/2018 مدينة جيجل، حيث الهوى والهواء الطلق مجتمع، وقد جئناها من شرقها، فاستمتعنا بما رأيناه من جبال شاهقات، وسهول فسيحات، فسبّحناه، وحمدناه وشكرناه، وهو أهل لذلك كله.
وصلنا إلى مدينة جيجل قبيل صلاة المغرب بدقائق معدودات، وقد تلطّف الأخوان جمال بوحني – مدير المركز الثقافي الإسلام – أحمد حماني- ومحمد خلاف مدير الشؤون الدينية بولاية جيجل فاستقبلانا في مدخل المدينة، ومنها توجهنا جميعا إلى وسط المدينة، حيث مسجد الشيخ محمد الطاهر ساحلي (الجيجلي) “عميد الحركة الإصلاحية فيها وفي ضواحيها، وفيما إليها من تلك الجبال الملآى بالرجال وأي رجال…” (ابن باديس. جريدة البصائر في 28/10/1938. ص2).
وقد رحّب بنا جميعا إمام المسجد فضيلة الشيخ شلوش، الذي ينبض حيوية، ويتدفق نشاطا، وقد تفضل فطلب مني إلقاء كلمة بمناسبة “يوم العلم” – فقلت ما فتح به الله – الفتاح- عليّ.
كان فكري مشتتا بين الحديث عن المناسبة، وصاحبها الإمام عبد الحميد ابن باديس، وبين الحديث عن حياتي في ذلك المسجد المبارك، حيث حفظت جزءا من القرآن العظيم علي يدي سيدي علي بوبازين (1900-1988) – رحمه الله وأكرم مثواه.. وكنت أغالب عبراتي وأنا استرجع ذكريات مضى عليها أكثر من نصف قرن.
إن أول ما لفت نظري، ووقع عليه بصري هو الإصلاحات التي تمّت في بيت الصلاة، فصارت تحفة فنية، زادها جمالا حرص القائمين على المسجد على نظافته.. وهذا العمل هو الذي اعتبرته حسنة، فجزى الله من سعى في ذلك، وقام به..
وفي صبيحة اليوم الموالي توجّهنا إلى “مدرستي الحياة”، الأولى وقد أسست في عهد الإمام عبد الحميد ابن باديس، والثاني وقد أسست في عهد الإمام محمد البشير الإبراهيمي، وهما تقعان في وسط مدينة جيجل، ويفصل بينهما شارع الإمام ابن باديس، ويحدهما من الناحية الشمالية الغربية شارع الأمير المجاهد عبد القادر.
أقصد بالسّيّئتين ما لحق المدرستين في “تشويه”. فأما مدرسة الحياة الأولى، فقد حوّلها الفرنسيون – لعنهم الله – من مؤسسة للحياة بتعليم العلم ونشره، إلى مركز للموت سموه “المكتب الثاني” لاستنطاق المناضلين وتعذيبهم وقتلهم، ثم ارتكبت سيئة أخرى في عهد “الاستقلال” عندما حوّلت المدرسة إلى مكان ميت سموه “متحف كتامة”، القبيلة المازيغية العتيدة.. ومن أغرب ما رأيناه في هذا “المتحف” وجود تمثال نصفي للمارشال بيتان، الذي يعتبره أكثر الفرنسيين “حركيا” لخضوعه لهتلر، ولم يقنعني “تبرير” الأخت مديرة المتحف، التي أحسنت استقبالنا.
إن “مدرسة الحياة” تسمى في الفقه الإسلامي “وقفا”، والوقف لا يغيّر عمّا أوقف له، فلماذا يغيّر وضع مدرسة الحياة، وكان في الإمكان بناء متحف آخر والمحافظة على هذه المدرسة باعتبارها “قلعة” من قلاع الجهاد الثقافي ضد الصليبية الفرنسية. فإن قال قائل المواد الإسلامية، كتفسير القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، والسيرة.. وعلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – محليا ومركزيا- بذل مزيد من الجهد لاسترجاع ما عطّل أو حوّل عما أسس له من مدارس، وعلى المسئولين تسهيل ذلك، وهناك كثير من المدارس التي أسستها جمعية العلماء في مختلف أنحاء الجزائر هي الآن مغلقة أو محوّلة عن مهمتها.. وستحاسب أحجار هذه المدارس كل “مشارك” في إماتتها.
ثم انتقلنا إلى “مدرسة الحياة” الثانية، التي أسست في عهد رئاسة الإمام الإبراهيمي للجمعية، وقد كان مخططا أن تكون مدرسة للبنات، فلما استولى الفرنسيون المجرمون على مدرسة الحياة الأولى انتقل الجميع إلى مدرسة الحياة الثانية – وفي هذه المدرسة تعلمت على يد لسيدي عمار مزراق.. وقد دخلت إلى القسم الذي درست فيه، وقد حوّل الآن إلى قاعة للأساتذة.
إن ما آلمني في هذه المدرسة هو تغيير اسمها من “مدرسة الحياة” إلى مدرسة محمد بومعزة.. وهذا اعتداء على التاريخ، فمن حمل اسما عند ميلاده صحبه – خاصة إن كان اسما جميلا- إلى نهايته. فالمدرسة سميت “مدرسة الحياة”، ولهذا الاسم “معنى”، وهو موجّه إلى مجرمة الحضارة – فرنسا- التي زرعت الجهل والفتنة في وطننا، والمغفلون منا يحسبون أنها تركت لنا “غنيمة”، بينما الجزائر كلها ماتزال غنيمة عند فرنسا..
لا أعرف من أطلق اسمه على “مدرسة الحياة”، وهو محمّد بومعزة، فليكن من يكون، وليطلق اسمه على مدرسة جديدة، أو شارع، أو ساحة – أما حذف اسم تاريخي وإطلاق اسم آخر بدلا منه فهو استهانة بالتاريخ واعتداء عليه، وما ذلك من شيمة الأحرار.
ثم انتقلنا إلى “حي قلصدا” حيث تعلمت في مرأب على سيدي مصطفى عبادة، وقد وجدت المرأب تحول إلى ورشة.
من جيجل توجّهنا – بوشامة – حمزة النذير- من قناة القرآن الكريم- وأنا تلقاء بني ياجيس حيث مسقط رؤوس أهلي، وسقط رأسي، وترعرعت إلى أن بلغت التاسعة من عمري، فحرمتني فرنسا المجرمة من قريتي ووطني، حيث هدمت بيتنا عن آخره، فانتقلت أسرتي إلى مدينة جيجل.
لقد استحضرت أكثر الذكريات التي احتفظت بها ذاكرتي عند مروري بكل من قاوس – أم ثلاثين- تاكسانة- الزاوية، تباركوت، الشوف. وقد توقفنا عند المكان المسمّى “الكاف”، حيث حفظت نصيبا من القرآن الكريم على يدي سيدي الشريف مهرهرة. وهذا مكان عبارة عن مبنى بدائي، مغطى بـ”الدّيس”، وكذلك فراشه.. وكم فرحت عندما رأيت مبنى كبيرا، فاستخبرت عنه فقيل لي إنه ثانوية..
في ذلك المكان استقبلت جبل “سيدي منصور”، واستظهرت جبل “وصاف”، ومن أسفل منه قرية “تسيطين”، التي درست في “مدرستها الأهلية” سنتين، إحداهما كانت عند معلمة من كورسيكا، والأخرى عند معلم جزائري من جيجل..
لقد كنت أغالب دموعي التي فاضت بها عيناي، خاصة عندما أحاط بي بعض السكان، يتقدمهم نائب رئيس بلدية بني ياجيس، مرحبين، ولائمين عن عدم إشعارهم بزيارتي.. ثم واصلنا – بوشامة وأنا- طريقنا، وعاد حمزة وفريقه التلفزيوني إلى جيجل. وقد مررنا على الأعشاش، وسفوح جبل تمزقيدة، وتمانتوت، حيث كان أحد أكابر المجرمين الفرنسيين المدعو بوشار، وبني عزيز.. ثم العلمة.. وتذكرت ما قرأته في تلك الأماكن في 8 ماي 1945، وما شاهدته من مجازر في السنتين الأوليين من جهادنا 1954-1956.
لقد تذكرت كل من ينبغي تذكره كالحاج بودريعة، والدراجي بوشعار، والهاشمي بن الزين، والطاهر كريكط، وماما مرغيدة.. فرحم الله كل من جعل سبب موته على يدي فرنسا الملعونة إلى يوم الدين، حيث يضاعف لها العذاب جزاء وفاقا على جرائمها التي ليس لها مثيل، ولعن معها كل من يحبّها من “بني جلدتنا”.