الرأي

حكومة ما تحكّ ما تفكّ!

جمال لعلامي
  • 4465
  • 2

الحكومة التي تعيش منذ العاشر ماي الماضي، “ناقصة عمر”، أو بالأحرى ناقص 7 وزراء، تعترف بالصريح والتلميح، بقوة وتأثير ونفوذ “اللوبيات” التي تتحكم في الأسعار وتضرب أعناق الزوالية وتدخل أيديها إلى جيوبهم، خاصة في رمضان، باسم الربح السريع و”الشطارة”، في وقت تنام “حكومة كوكو” في شهر عسل أو بصل، وكأنها غير معنية بمحاربة مافيا الاحتكار والاحتقار وإلهاب النار في الأسعار!

نعم، الحكومة تستحق أن تتعرض لغضب واستياء وانتقاد الأغلبية المسحوقة، وهي تستحق “عذاب القبر” وتستحق أن يُقاطعها المواطن وتستحق أن لا تجد من يحضر أفراحها وأتراحها، لكن يا عباد الله، ألا يُمكننا أن نتساءل بكلّ براءة عن هذه الطوابير التي التهمت في اليوم الأول من شهر التوبة والغفران، الخبز والخضر والفواكه واللحوم وقلب اللوز والزلابية والشاربات وحتى الماعدنوس والحشيشة، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله!

قد نفهم ونبرّر نفاد مادة الخبز من المخابز والأرصفة، لكن هل هناك من يتجرّأ على تفسير انقضاء مواد استهلاكية لا تحيي ولا تميت؟ أليس من الطبيعي أن تلتهب الأسعار وتعجز الحكومة ومعها مصالح قمع الغش والرقابة في مهمة تأديب وجلد التجار العديمي الذمة، طالما أن هناك زبائن أوفياء وهناك أعداء لجيوبهم ولقدرتهم الشرائية!

لقد كانت الحكومة ماكرة، عندما أفرجت عن التعويضات المالية والزيادات في أجور العديد من القطاعات الوظيفية، فهي نصبت للمستهلكين فخا، ونجحت في اصطيادهم، لأنها استرجعت أو ضيّعت باليسرى ما منحته لهم باليمنى، لكن علينا أن نقول بأن المستفيد في هذه المعادلة العجيبة، هي تلك اللوبيات التي فشلت الحكومة وباعتراف منها في القضاء عليها بأقلّ الأضرار والتكاليف!

أليس من عجائب الدنيا السبع، أن تدعو جمعيات “حماية المستهلك” إلى حملة لمقاطعة اللحوم الحمراء والبيضاء، إلاّ أن 70 بالمائة من المستهلكين قاطعوا المقاطعة، وفضلوا شراء هذه اللحوم حتى وإن كانت بأسعار خيالية؟ فأين المشكل والخلل بالضبط؟

قد يكون انعدام الثقة وغيابها لأسباب موضوعية وأخرى واقعية، هو سبب عدم الاستجابة لجمعيات المستهلكين، مثلما لم تستجب نسبة 56 بالمائة للأحزاب في التشريعيات الأخيرة، وهاهو فشل حملة مقاطعة اللحوم، كان حتما مقضيا، ولعلّ ردّ المستهلكين كان واضحا وسريعا، من خلال تشكيل طوابير ذكّرت الأوّلين بمشاهد “عام البو”!

لوم الحكومة والسخرية منها، هو حق وواجب، طالما أنها عاجزة عن حماية المستهلكين من اللوبيات، لكن علينا أن نلوم أنفسنا جميعا: نلوم المسجد والعائلة والمدرسة والصحافة والنخبة والمجتمع.. على كلّ فرد أن يلوم نفسه، لأنه شريك في كلّ الذي يحصل من “حڤرة” و”لهيف” وخطيف وتزييف!

على الوزراء المعنيين بتسيير شهر رمضان، تجاريا واقتصاديا وفلاحيا، أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة غير منقوصة، وإلاّ فإن استقالتهم ستكون أحسن طريقة ليُعلنوا بها توبتهم في شهر الصيام والقيام، مادامت اللوبيات “تحالفت” مع المستهلكين ضد حكومة مسكينة “ما تحكّ ما تصكّ ما تفك”.. وحتى لا أزيد أكثر أو أفطر منتصف النهار، اللهمّ إني صائم!

مقالات ذات صلة