حينما يخرج الخلاف من ساحته! (2/ 2)
اجتهد الجيل الأوّل من الأمّة في مسائل كثيرة، واختلفت آراؤهم في مئات النوازل.. ولكنّ الخلاف لم يحملهم على توجيه حِراب بعضهم إلى بعض والغفلة عمّا يدبّره العدوّ المتربّص، بل عذر بعضهم بعضا وأثنى بعضهم على بعض.. حتّى الفتنة التي حدثت في أواخر عهد الصحابة، لم تكن بسبب خلاف بين أولئك الأبرار في فهم الدّين، إنما كانت بسبب مؤامرة حاكها أهل المكر والخديعة، ووقع ضحيتها أقوام لم يعيشوا تنزل الوحي ولم يفقهوا أولويات الدّين، فكان ما كان.
في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- قويت شوكة المسلمين، فرأى الفاروق أن يعطّل سهم المؤلّفة قلوبهم من الزّكاة، لأنّ الأمّة استغنت ولم تعد في حاجة إلى تأليف قلوب غير المسلمين، ولم ينكر عليه الصّحابة ذلك، مع مخالفته لظاهر القرآن، ولكنّه الفقه وفهم الواقع.. وهكذا عندما قرّر أنّ الأرض التي يفتحها الفاتحون لا تقسّم كلّها على المجاهدين، إنّما يترك نصيب منها ملكا للأمّة، حتّى لا تأتي الأجيال بعد ذلك فلا تجد شيئا.. ومثلُه زاد عمر بن الخطّاب في حدّ شارب الخمر، وأصبح 80 جلدة بعد أن كان أربعين، لزجر أقوام دخلوا حديثا في الإسلام. لم يعترض عليه الصحابة في ذلك، وكذلك عندما جعل طلاق الثلاث في مجلس واحد ثلاثا بعد أن كان يحتسب طلقة واحدة؛ لم يخالفه الصّحابة، ولا اتّهموه بمخالفة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-.. كان عند بعض الصّحابة آراء تخالف ما ذهب إليه عمر، لكنّهم تعلّموا أنّ الكلّ من دين الله ملتمس والكلّ يريد نصرة دين الله وإعزاز أمّة الإسلام، فكانوا يدا واحدة في الفتوحات التي بلغت الشام والعراق وبلاد فارس.
وفي عهد عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- اجتهد الخليفة وأضاف أذانا ثانيا للجمعة بعد أن توسّعت مساكن المسلمين وابتعدت عن المسجد، واجتهد في تسوية دية الذميّ بدية المسلم، بعد أن كانت دية الأوّل على النصف من دية الثّاني.. واجتهد في ضوال الإبل فأدخلها في بيت مال المسلمين بعد أن كان حكمها أن تترك حتى يعثر عليها أصحابها.
لم تتّهم عائشة بأنّها تردّ حديث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ولم يتّهم عمر بن الخطّاب بأنّه يخالف ما فعله النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام-، ولم يقل عنه أحد إنّه يقدّم العقل على النّقل أو إنّه يعمل بالرأي في مقابل النصّ!
في عهد التابعين، كان بين علماء الأمّة من يتمسّك بالأثر ويتشبّث بالرواية، وكان بينهم من يميل إلى النّظر والدراية ويهتمّ بالمقاصد.. وفي عهد من بعدهم كان الأئمة المشهورون، فكان أبو حنيفة الذي عرف بميله إلى الرأي واعتماده على آراء ابن مسعود -رضي الله عنه- واشتهر عنه أنّه ردّ حديث “لا يقتل مسلم بكافر” مستندا إلى قول الله تعالى: ((النفس بالنفس))، وكان الإمام مالك الذي نشأ على التمسّك بالنصّ والأثر، لكنّه جمع إلى ذلك الرأي والنّظر لتأثره بشيخه ربيعة الرأي، وكان يقدّم عمل أهل المدينة المتواتر على حديث الآحاد، وأتاه يوما طالب علم متعجّل ممّن لا يفقهون الخلاف، فقال: يا أبا عبد الله هل عرفتم حديث “البيعان بالخيار؟ “فقال مالك: نعم، وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع”، وقال له آخر: لم رويت حديث “البيعان بالخيار” في الموطأ ولم تعمل به؟ فقال له مالك: “ليعلم الجاهل مثلك أني على علم تركته”. وفي رواية أنّه قال للسّائل: أتعرف دار قدامة؟ وهي دار مشهورة باللهو واللعب. وكأنّ الإمام مالكا يريد أن يقول له: اذهب لتلعب، فما هذا الميدان ميدانك.
وهكذا كان الإمام الشافعيّ -رحمه الله- يجمع بين الرواية والدراية، وبين النصّ والرأي، ومثله الإمامان الباقر والصّادق.. ومثلهم الإمام سفيان الثوري الذي كان يقول: “قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها”.. أمّا الإمام أحمد بن حنبل فقد عرف عنه تمسّكه بالأثر وقلّة اهتمامه بالرّأي والمقاصد.. اختلف الأئمّة الأربعة، وكان بين مالك والشافعيّ وأحمد من جهة وبين أبي حنيفة من جهة أخرى كلام، لكنّهم في النهاية أثنى بعضهم على بعض بأعطر ثناء..
وعلى هذا النهج اختلف أئمّة الحديث، فان بينهم من يروي الحديث كما هو ويهتمّ بإسناده فقط، وكان بينهم من ينظر في المتن، وربّما يردّ الحديث لأنّه يخالف العمل أو يخالف القرآن.. فهذا مثلا الإمام الترمذي في كتابه السنن تحدّث في مئات المواضع عقب رواية الحديث قائلا: وهذا حديث صحيح أو حسن ليس عليه العمل، أو يقول: وهذا حديث ضعيف عليه العمل عند أهل العلم.
استمرّ الخلاف بين العلماء، وكان يعذر بعضهم بعضا ويكمل بعضهم بعضا.. لكن حينما نزل الخلاف إلى عامّة النّاس، ودخل ساحته الجهال، اضطرمت الفتن في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وكانت في كثير من الأحيان تتم بتحريض من السلاطين والأمراء الذين ينتسبون إلى المذاهب.
في سنة 446 ه مثلا وقعت بين الحنابلة الذين يجرون نصوص الصفات على ظاهرها وبين الأشاعرة الذين يميلون إلى التأويل؛ جرت فتنة عظيمة حتى ترك الأشاعرة الجمعات خوفا من الحنابلة.. وفي سنة 447 ه وقعت فتنة كبيرة بين الشافعية والحنابلة ببغداد، بسبب مسائل فقهية بسيطة كالبسملة والترجيع في الأذان والقنوت في الفجر.. وفي سنة 469 ه وقعت فتنة أخرى بين الحنابلة والأشاعرة، سالت فيها الدّماء وجرت أمور عظيمة.. وتكرّرت الفتنة في سنة 475 هـ.. وحدث فتن أخرى بين الأحناف والشافعية، وصلت إلى حدّ أنّ بعض الشافعية حرّموا زواج الشافعي من الحنفية إلا بالقياس على الكتابية، وبعض الأحناف حرّموا الصّلاة خلف الشافعية!
في زماننا هذا، كاد العدو للأمّة، وأراد لها أن تحيي الصراعات التي حصلت في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فأخذ يدعم بعض المذاهب ضدّ بعض، ويغري أتباع المذاهب الإسلامية بعضهم ببعض. فتارة يدعم المتصوّفة لينشروا في النّاس الخرافات ويشوّهوا بهاء الإسلام، وتارة يدعم الشيعة لينتقموا من أمّة الإسلام، ويقدّموا طقوسهم الغريبة من لطم وتطبير ولعن، على أنّه جزء من الإسلام.. وتارة يدعمون سلفية معاصرة تتعامل مع تراث السلف بانتقائية عجيبة، لتقدّم الإسلام على أنّه دينُ محاكمات يتربّص بأتباعه ويتحيّن الفرص ليخرجهم من رحابه! دين جامد لا يمكنه استيعاب مستجدّات العصر وقضاياه ووسائله.
المدرسة السلفية الظّاهرية في زماننا هذا، تلقّت دعما إعلاميا وماديا من المتربّصين بالإسلام، ليس رضا بمنهجها وبعلمائها الذين وُجد بينهم علماء أجلّة تنتفع بهم الأمّة، ولكن لأجل تحريض الجهلة والمتعصّبين من أتباعها لإيقاد الفتن وإضرام النيران وشغل الأمّة بنفسها.
أفتى بعض العلماء في زماننا هذا فتاوى كان يفترض أن تحترم ويحترم أصحابها، لأنّها في الإمكان أن تدرج في خطّ التمسّك بظواهر النّصوص، مثل فتاوى: تحريم التصوير، والقول بأنّ إسبال الثوب تحت الكعبين كبيرة من الكبائر، والقول بحرمة قيادة السيارة على المرأة، والإصرار على أنّ الأرض مسطّحة وثابتة لا تتحرّك، والقول بحرمة انتقاد الحكام علنا، والقول بمنع إخراج زكاة الفطر نقدا… كان يفترض أن تفهم هذه الفتاوى ويحترم العلماء الذين أفتوا بها، وتحفظ ولا يقاس عليها، ولكنّ المتربّصين بالأمّة في الدّاخل والخارج، سخّروا الأموال والإعلام والمطابع لأجل أن يقدّموا هذه الفتاوى على أنّها دين الله الذي لا تجوز مخالفته، وأنّ من أصدروا هذه الفتاوى هم وحدهم علماء الأمّة الكبار الذين يجب الرجوع إليهم، وأنّ من خالفوهم أهل رأي وهوى وبدع.. وتوالى الدّعم لكتب وفتاوى هذا الاتّجاه حيث أصبحت تطبع وتسجّل وتنشر في ربوع العالم الإسلاميّ كلّه، وصارت المواقع التي تنشر نِتاج هذا الاتّجاه هي الأشهر بين مواقع البحث، وأصبح المذهب الظاهري المعاصر هو الممثّل الوحيد للإسلام.. وانطلق كثير من شباب الأمّة يسيرون كما يراد لهم، ونزلت تلك الفتاوى إلى ساحة الجهال والبسطاء من الأتباع، فطاروا بها وجعلوها دينا يوالون ويعادون عليه، وصاروا يمتحنون الأمّة بها.
تفطّن كثير من علماء الأمّة للمؤامرة، وانتدبوا أنفسهم للوقوف في وجهها، فكان أن واجهوا حملة شرسة من التضليل والتبديع والتحذير، وكان من هؤلاء: الشيخان الغزالي والقرضاوي رحمهما الله، خاصّة الشيخ الغزالي الذي تفطّن للمؤامرة مبكرا، وظلّ ينافح ويكافح لأجل أن يعيد القطار إلى سكّته، لكنّ الهجوم كان شرسا، وكادت جهود الشيخ تذهب سدى لولا أنّ الله قيّض لها بعض الثابتين الذين واصلوا المسيرة حتى بدأت الحقائق تظهر، مع التحوّل الكبير الحاصل في بعض البلاد، ومع اعتراف بعض كبار المسؤولين بأنّ دعم التوجّه الظّاهريّ المعاصر، إنّما تمّ تلبية لطلب الحلفاء.
هذه محطّات في قصّة تطوّر الخلاف.. والغرض من إيرادها ليس تسفيه رأي معيّن أو تضليل توجّه له منظّروه وأتباعه، إنّما لتحذير المتحمّسين من كيد المتربّصين.. الأمّة بحاجة إلى كلّ مدارسها المنطلقة من مرجعية القرآن والسنّة، بما فيها الظاهرية العصرية؛ فلولا هذه المدرسة لما تعلّم النّاس في هذا الزّمان التمييز بين الحديث الصحيح والضعيف، ولما عرفوا ضرورة الاهتمام بالسّنن، ولشاعت كثير من خرافات الطرقية والشيعة.. الأمّة في حاجة إلى المدرسة الظاهرية المعاصرة، لكنّها يجب أن تتفطّن إلى أنّ الخلاف لا يجوز أن يخرج من ساحة العلماء إلى ساحة الجهال والسفهاء وأنّ دعم المتربّصين لطرف على حساب الآخر إنّما هو مكر بالأمّة كلّها لشغلها عن مدافعة أعدائها.