خشِيتُم مناظرتَه فحاكمتموه!
في إثر الحكم الصّادر قبل أيام في حقّ كاتبٍ سخّر لسانه وقلمه للطّعن في مقدّسات الأمّة والاستهزاء ببعض شعائر الدّين وشرائعه ورموزه؛ كاد العلمانيون يجمعون على كلمة واحدة وهم يشجبون العقوبة الصّادرة في حقّ هذا الرّجل الذي ينسب نفسه إلى الفكر والبحث! حيث قالوا: أنتم تخافون الحقيقة وإلا لماذا لم تلجؤوا إلى المناظرة بدل المحاكمة؟!
من يسمع صراخ هؤلاء العلمانيين يتبادر إلى ذهنه ابتداء أنّ المجترئ المذكور لم تُعقد معه أيّ مناظرة(!) ولم يصدر أيّ ردّ على دعاواه وشبهاته، من أيّ كاتب أو مفكّر جزائريّ! وهذا تلبيس مجافٍ للحقيقة، لأنّ سيّئ الذّكر وحمّال الحطب عُقدت معه أكثر من مناظرة في أكثر من بلاطو، فُضح خلالها عوزُه العلميّ والمعرفيّ وبانت ضحالة فكره، ما جعله يلجأ إلى المقاطعة والتّشغيب، كما ظهر تذبذبه في تبنّي الدّعاوى التي يجهر بها تارة ويتنصّل منها أخرى، وهو الذي ينعي على بعض المفكّرين جبنهم في الجهر بالحقيقة! ولعلّ من أشهر المناظرات التي عقدت لدعيّ الفكر، تلك التي احتضنها بلاطو منتدى الحوار، وكان في طرفها الآخر الأستاذ لخضر رابحي، حيث بدا فيها مدّعي البحث تلميذا مشوشا أمام أستاذ يعرف من أين تؤكل الكتف.
هذا لو سلّمنا جدلا بأنّ أمثال هذا المنتسب إلى البحث، يستحقّ أن يُناظر أصلا، لأنّ المناظرة تكون مع من يبدع في طرح فكر جديد ومختلف، بأدب واحترام وتواضع، أمّا المعنيّ فهو من أبعد “المنتسبين إلى البحث” عن الإبداع واحترام الآخر والتحلّي بأدب الخلاف؛ فسلاحه الجرأة والصفاقة والإثارة وازدراء المختلَف معه بطاووسية فارغة، وترديد الأقوال التي تبنّاها بعض المحسوبين على الفكر في نصف القرن الأخير.
ثمّ قبل هذا وذاك، هل يلزم الدّعاةَ والمفكّرين والباحثين أن يثنوا الرّكب لمناظرة كلّ من يختار المخالفة وطرح الإشكالات؟ ماذا لو كان صاحب الإشكالات لا يعدو أن يكون ناقلا لشبهات رُدّ عليها وأشبعت بحثا؟ وهل يصحّ عقلا أن يظلّ الدّعاة والمفكّرون يتتبّعون كلّ ناقل ليردّوا عليه؟!.. عندما تؤلَّف عشرات الكتب في تشريح فكر شحرور وحنفي والجابري وأركون ومن نحا نحوهم، ثمّ يأتي من يتبنّى بعض أفكارهم المردود عليها ويزيد معها توابل السخرية والاستهزاء؛ هل يلزم مفكّري الأمّة أن يجلسوا لمناظرته وهو لا يعدو أن يكون مجرّد ناقل يردّد ما رُدّ عليه من قبل؟!
حينما تنادي الأمّة بإنفاذ العقوبات والتعزيرات -المنصوص عليها- في حق مستحقيها، فليس معنى ذلك أنه لا يوجد بين علمائها ودعاتها ومفكّريها من يرد على المتطاولين، إنّما لأنّها لا تريد إضاعة أوقاتهم في مناوشة كل ناعق يخوض معارك بالوكالة ويبحث عن الشّهرة بالتطاول على ثوابت الأمّة والسخرية من قضاياها.. وقبلها: حينما يشرع الدين عقوبات وتعزيرات في حق المتطاولين والمجترئين، فليس معنى ذلك أنّ الدين هشٌّ ويَخشى الانتقادات، بل معناه أنّ الدّين أعزّ من أن يروم حياضَه الجهلة والفارغون.. مِن حقّ كلّ أحد أن يسأل ليتعلّم، ويطرح ما انقدح في ذهنه من إشكالات، لكن في الميدان المناسب وبالصّورة المناسبة، والجاهل إذا تجاوز حقّه في السّؤال والتساؤل إلى الاستهزاء والسخرية ومحاولة التلبيس على العامّة، فالواجب في حقّه أن يؤدَّب ليتخلّى عن غروره وينزل إلى المرتبة اللائقة بأمثاله ليتعلّم.
روى الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال: قدم المدينةَ رجل يقال له “صبيغ بن عسل”، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر (بن الخطّاب) فأعدّ له عراجين النّخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال: وأنا عبد الله عمر، فضربه حتى أدمى رأسه، فقال صبيغ: حسبك يا أمير المؤمنين، قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي.. كان في وسع عمر بن الخطّاب –رضي الله عنه- أن ينتدب أحد علماء الصّحابة بالتفسير والمتشابه ليردّ على إشكالات صبيغ، لكنّه رأى أن يبدأ معه بالدّواء الذي يشفي داءه ويرفع عنه غشاوة الكبر، قبل أن يعلّمه ويكشف له ما أشكل عليه، والفاروق بذلك يجلّي العلاج النّاجع لبعض النّفوس التي يأخذ منها الكبر مأخذه فتصبح كالحجر الصّلد، لا تنفع معها الحجج والبراهين، حتّى تفتّت صلادتها.