خلاصٌ فريد مِن نوعه
حتى بعد 61 سنة، مازالت ثورة نوفمبر 1954 تصنع عمق وحدتنا الوطنية وتزيد من صلابة الأسس التي تقوم عليها الدولة الجزائرية، وسيستمرّ زخم هذه الثورة ليس لعقود من الزمن، بل لقرون أخرى، لا لشيء سوى لأن الشهداء الذين سالت دماؤهم الطاهرة وروت أرضَ هذا الوطن وارتقوا إلى بارئهم أطهارا كانوا حقا مخلصين في تضحياتهم، أوفياء لشعبهم، فزادهم ذلك رفعة ومَكَّنهم من أن يُحرِّروا لنا بلدا بحجم الجزائر، بكل ما يرمز إليه…
وبفضل إخلاص هؤلاء الشهداء، الفريد من نوعه، مازلنا إلى اليوم نعيش، ولعِظم تضحياتهم مازال بلدنا إلى اليوم معصوما من الخطر. لا أعتقد أنه يوجد سببٌ أكبر من هذا مازال يحمي هذا البلد ويمنع عنه أعداءه ويُفشِل مخططاتهم. تلك التضحيات وذلك الإخلاص، هو الذي مازال يَلُفنا بكرمه وسيبقى في المستقبل.
كلما دقت ساعة الصفر ليلة نوفمبر من كل عام ورأيت الشعب الجزائري يقف في عز وكبرياء، يُعيد إطلاق رصاصات المجد، ويستحضر أرواح الشهداء الطاهرة، كلما تأكد لديّ هذا الإحساس بعمق ثورتنا التحريرية، وبَرَز لي جليًّا ذلك الدورُ الكبير الذي مازالت تلعبه وستلعبه في المستقبل لرصِّ الصفوف وتمكيننا من مواجهة المخاطر، ومِن بناء دولة عصرية ذات مرجعية تاريخية عميقة نادرا ما توفرت لأمة من الأمم.
لقد قضيت ساعة الصفر من ليلة الفاتح نوفمبر هذه السنة في إحدى بلديات الجزائر العميقة، سيدي عقبة المجاهدة، ولاحظت كيف أن أرواح الشهداء مازالت تُحرّك إبداع شبابنا ـ في رمز الكشافة الإسلاميةـ وتُثير لديهم العزة، فيُنظِّموا التكريمات، ويُلقوا الكلمات المذكّرة بالأمجاد والبطولات. ولاحظت كيف أن مَن بقي حيًّا يُرزق من مجاهدينا الأفذاذ مازالوا يعتبرون أن هذا هو عيدهم، فيلتقون ويحملون على أكتافهم بنادقهم في انتظار ساعة الصفر. وفي لحظة نادرة من لحظات حاضرنا اليوم، يقف مواطنون من مختلف الفئات والأعمار جنباً إلى جنب مع المسؤولين المحليين، بعيدا عن ضغوط الحاضر، غير آبهين بتشكيكات البعض، في وحدة لا نظير لها، وفي جوّ مهيب، ليُرفع العلمُ الوطني مرة أخرى تحت سفح جبال الأوراس الأشم، وكأن نوفمبر يولد من جديد.
ونحسّ حقيقة بعمق الدولة ودور التاريخ، وتتأكد لنا مرة أخرى عظمة تضحيات شهدائنا الأبرار، ونقاءهم وإخلاصهم، وأنهم وحدهم من يُعطونا بُعدَ الأصالة في البناء، وطابعَ التضحية والإخلاص في العمل، وقبل هذا وذاك، الأمل الكبير في أننا بحق دولة، كان ومازال وسيبقى بها المخلصون.