-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

خُذها بيدك ولا تَعمر بها قلبك

سلطان بركاني
  • 1260
  • 0
خُذها بيدك ولا تَعمر بها قلبك

يُروى أنّ رجلا أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: يا أمير المؤمنين، قد اشتريت داراً، وأرجو أن تكتب لي عقد شرائها بيدك، فلمّا صعّد علي النّظر إلى الرّجل تفرّس فيه أنّ الدنيا قد أخذت من قلبه مأخذها، فكتب كلمات يذكّره بها الدار الباقية، حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: “أما بعد؛ فقد اشترى ميّت من ميت داراً في بلد المذنبين، وسكَّةِ الغافلين، لها أربعة حدود، الحدُّ الأول ينتهي إلى الموت، والثاني ينتهي إلى القبر، والثالث ينتهي إلى الحساب، والرابع ينتهي إما إلى الجنة وإما إلى النار”.

 حين قرأ الرّجل الكلمات دمعت عيناه وأدرك أنَّ أمير المؤمنين أراد أن يكشف الحُجَبَ الكثيفة عن قلبه الغافل، فقال الرّجل: يا أمير المؤمنين، أُشهد الله أني قد تصدَّقت بداري على أبناء السبيل، فارتجل عليّ رضي الله عنه القصيدة المشهورة، التي من أبياتها:

النفـس تبكـي على الدنيـا وقد علمـت * أنّ السّـعادة فيـها ترك ما فيـــها

لا دار للـمرء بعــد المـوت يسكنـها * إلا التي كان قبل المـوت بانيـــها

فإن بنـاها بخـير طـاب مسـكـنه * وإن بنـاهـا بشــــر خـــاب بانيـــــها.

إلى أن قال:

لا تــركـنن إلـى الــدنيـا ومـــا فيــها * فالـمــوت لاشــــك يفـنيـنا ويفـنيـــها

واعمــل لـــــدار غد رضــــوان خازنها * والجار أحمــد والرحمن ناشيــها

قصــورها ذهــب والمسك طيــنتـها * والزعفــران ربيـــــــع نابــت فيـــــها

أنــــهارها لبــن محض ومن عـســـل * والخمر يجري رحيقــا في مجاريها

والـــطيـر تجــري على الأغصان عاكـــفة * تسبــح الله جهراً في مغـــانيهـــا

مـن يشـتري الدار في الفــردوس يعمرها * بــركعة في ظــلام الليــل يخفيها

أو سدّ جوعة مسكين بشبعته * في يوم مسغبة عمّ الغلا فيها.

أجمِلْ بها وأروع من كلمات نبعت من قلب رجل أوتي الحكمة وتحرّك بها لسانٌ طالما نصح لعباد الله. كلمات تذكّر سامعها بحقيقة هذه الدّنيا الغرّارة الغدّارة، وأنّها دار فانية زائلة لا بقاء لها، وأنّ الدّار الحقيقية الباقية التي ينبغي للعبد أن يعمل لها أكثر ويهتمّ بمسكنه وملكه فيها، هي الجنّة.

كثيرا ما ينسى الواحد منّا في خضمّ تنافسه مع إخوته وأقاربه وجيرانه في طول المساكن وعرضها وفي أنواع وأسماء السيارات، أنّه في هذه الدّنيا ضيف خفيف يوشك أن يغادر ويرتحل، ويترك خلفه كلّ ما بنى وكسب وجمع، وأنّه قريبا سيرحل عن الدّنيا ملفوفا في كفن لا جيوب له ينسيه كلّ أنواع الألبسة التي شغلته عن الاهتمام بمخبره، ويركب على نعش ينسيه كلّ أنواع السيارات التي استمتع بقيادتها، ويسكن حفرة تنسيه الدّار التي أخذت منه جلّ عمره وعادى لأجلها إخوته وخاصم جيرانه.

ليس حراما ولا عيبا أن يعمل العبد لدنياه، بل إنّ ذلك مطلوب ومنه ما هو واجب، لكنّ الحرام هو أن تتسلّل الدّنيا من يد العبد إلى قلبه، فتملكه وتأخذ بمجامعه، فلا ينبض إلا بها، ولا يسعد ولا يحزن إلا بقدر ما حصّل أو فقد منها.. إنّ أتعس حياة هي الحياة التي يمتلئ فيها قلب العبد بحبّ الدّنيا، فيقبل عليها إقبال من يظنّ أنّه مخلّد فيها، يحبّ لأجلها ويبغض لأجلها ويوالي ويعادي ويخاصم لأجلها.. وفي المقابل، فإنّ أمتع حياة هي الحياة التي يمتلئ فيها قلب العبد بالشّوق إلى رؤية وجه الله الكريم في الجنّة؛ حين يخفق قلبه لتلك الكرامة وتدمع عينه باللّيل ويلهج لسانه بسؤال الله الجنّة في كلّ ساعة.

إنّ تذكّر النعيم الذي يناله أقلّ أهل الجنّة منزلة يجعل العاقل يحتقر هذه الدّنيا الفانية، ويعجب لحال نفسه التي تتفانى في حبّ العاجلة وإيثارها على الباقية! في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي على الصراط مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فترتفع له شجرة فيقول: أي ربّ أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربُّه يعذره لأنه يرى مالا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: يا ربّ أدنني من هذه لأشرب من مائها، وأستظل بظلها لا أسألك غيرها، فيقول الله: يا ابن آدم ألم تعاهدني أنك لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها أن تسألني غيرها، فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربُّه يعذره لأنه يرى مالا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأستظلَّ بظلها وأشربَ من مائها لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربُّه يعذره لأنه يرى مالا صبر له عليه فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: يا ربّ أدخلنيها.

فيُقال له: ادخل الجنة، فيقول: ربّ كيف وقد نزل النّاس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقول الله: يا ابن آدم ما يرضيك مني؟! أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فيقول في الخامسة: رضيت رب، فيقول الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك، ثم يقول الله تعالى له: تمنَّ، فيتمنى، ويذكّره الله: سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني، ثم يدخل بيته ويدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، فيقول: ما أعطى أحد مثل ما أعطيت”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!