خُذوا حذركم
مما يُعهد من الفرد العربيّ – وليس كلّ عربيّ كذلك – استهتاره بالأسباب المؤدية إلى الهلاك، فضلا عن تلك الموقعة في الضّرر والحرج، وقلّة اتّعاضه بغيره، حتّى أنّك ربّما تراه يمرّ بحادث مرور مروّع تسيل فيه الدّماء وتمدّد الجثث على الأرض، فيقف عليه محوقلا، لكنّه سرعان ما يركب سيارته، ويعود إلى ما كان عليه من عَجلة وتهوّر، فيقود بسرعة مفرطة ويتجاوز في الخطّ المستمرّ وربّما في المنعرجات، وكأنّ ما حصل لغيره لا يمكن أن يتكرّر معه!
في تعاملنا مع جائحة كورونا، أعطينا نحن العرب نموذجا متميّزا في العالم بأسره، حيث غلا بعضنا في التشبّث بنظرية المؤامرة فيما يتعلّق بحقيقة الوباء وفاعلية اللّقاح وأعراضه ونتائجه، وأصرّوا على الاستهزاء بالأرقام التي ترصد تعداد الإصابات والوفيات، وحتّى بالصّور التي تُنقل من المستشفيات، وحمَلتهم أزمة غياب الثقة بالحكام والمسؤولين على تفسير تصاعد وهبوط منحى الإصابات تفسيرات سياسية..
والحقّ يقال إنّ أزمة الثقة في عالمنا العربيّ كانت سببا في تزايد حدّة كثير من الأزمات التي مرّت بالأمّة في العقود الأخيرة، والمسؤولية تتحمّلها بالدّرجة الأولى الأنظمة التي أبت إلا أن تثبت بالأدلّة المتواردة أنّها ليست مهتمّة بتمتين -ولا حتّى مدّ- أواصر الثقة مع شعوبها، لكن هذا لا يبرّر بحال من الأحوال أن تتمسّك الشّعوب بثقافة التعميم، وترفع شعار: “من كذب مرّة فهو يكذب في كلّ مرّة”.. يفترض في الشّعوب أن تتعامل مع الأزمات والجوائح بعقلانية، وتجعل المصلحة العامّة على رأس سلم الأولويات؛ فإذا وُجد بين المسؤولين من يهتمّ بالمصلحة الخاصّة والسلامة الشخصية، فذلك لا يبرّر أن نتشبّث بقول ابن التعاويذي: “إذا كان ربّ البيت بالطّبل مولعا، فشيمة أهل البيت كلّهم الرّقص”، ونترك قول الله تعالى: ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)).. أهل البيت إذا بلغوا الرّشد لم يعذروا في التمسّك بشعار: ((إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُون))، والأتباع لا يعذرون في قولهم: ((إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)).
كورونا جائحة عالمية، تحاول جهات الاستكبار استغلالها لفرض مزيد من الهيمنة، وتوسيع الهوة بين العالم الأوّل والعالم الثّالث، كما تحاول بعض الأنظمة في العالم الثالث استغلالها لتكريس سياسة الأمر الواقع، وتكميم الأفواه، وممارسة الإلهاء، لكنّها جائحة حقيقية، أثبتت الجهات العلمية المستقلة حقيقتها وأثبت الواقع وجودها وخطورتها، لذلك يتعيّن على الشعوب العربيّة أن تتعامل معها بحذر وتتجاوب مع الأنظمة وتتعاون معها لمحاصرة الوباء.. ثقافة “التاغنانت” والتعنت لن تعود على المجتمع بالخير، وربّما لن تمسّ الأنظمة بسوء، فأكثر من يدفعون فاتورة الاستهتار والتعنت هم المطحونون وبسطاء الناس الذين يضطرون إلى دخول التجمعات والأسواق والإدارات وورود الأماكن العامّة، فإذا ما تحلّوا بالاستهتار فإنّهم لن يجنوا إلا على أنفسهم.
بإزاء أولئك الذين غلوا في التشبّث بنظرية المؤامرة، هناك عدد غير قليل انقسموا بين طرفين متناقضين في الربط بين الأسباب المادية والمعنوية لانتشار الوباء وبين الأسباب المادية والمعنوية لدفعه؛ فمنهم من تعاملوا مع الوباء بعقيدة الإرجاء، ونظروا إليه على أنّه عقوبة ربانية لا رادّ لها، وأنّ الأسباب لن تقدّم ولن تؤخّر، ومنهم -في المقابل- من أصّروا على أنّ كورونا جائحة لا علاقة لها بالدين ولا بالعقائد، واتهموا من ربطوا بينها وبين آيات الله ونذره التي يعظ ويعاتب بها عباده بالهرطقة والجهل!
والحقّ أنّ الموقف الشرعي من الوباء يفترض أن يجمع بين الأخذ بالأسباب المادية والنّظر في الأسباب المعنوية، بين قول الله تعالى: ((قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون)) (التّوبة: 51)، وبين قوله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُم)) (النّساء: 71).. اختلاف أحوال النّاس مع الفيروس، واختلاف فعله بهم، يقرع القلوب بأنّ مرسله خالق عليم خبير، يقضي ما يشاء بالأسباب ومن دونها وبضدّها، بما كسبت أيدي النّاس أو بغيرها، لينذر ويعظ عباده ويذكّرهم بقدرته عليهم وحاجتهم إلى رحمته ولطفه.. رأينا من أصيبوا بالفيروس ولم تظهر عليهم أيّ أعراض، ورأينا من تألّموا به أشدّ الألم.. سمعنا عن مصابين خالطوا عائلاتهم ولم ينقلوا إليهم العدوى، وعن أزواج أصيبوا وسلمت زوجاتهم، وبأطفال رضّع يسلمون في الوقت الذي تصاب فيه أمّهاتهم، ورأينا من أصيب بالعدوى على الرّغم من حرصه على أسباب الوقاية، ومن سلم على الرّغم من استهتاره.. سمعنا بمن مات بسبب الفيروس رغم فتوته وشبابه وسلامته من كلّ الأمراض، وسمعنا بشيوخ يعانون أمراض القلب والضّغط ومنهم من يعاني أمراضا تنفسية، أصيبوا بالوباء ثمّ شفوا منه.. رأينا من أخذوا اللقاح ووجدوا له أعراضا مؤلمة، وآخرين لم يجدوا له أيّ أعراض مقلقة…
كلّ هذا يدلّ على أنّ هناك يدا ربانية خلف الوباء، لكنّ الإنسان مطالب بالتزام التدابير الوقائية والأخذ بأسباب السلامة التي في وسعه، بعد توكّله على الله واحتمائه بحرزه؛ فسنّة الله الماضية أنّ من أخذ بأسباب النّجاة نجا وسلم، ومن استهان أصيب وتألّم، وقد يبتلي الله بحكمته من يشاء، ويتولّى برحمته وعفوه من يشاء، ولكنْ لا أحد يملك عهدا مع الله، لذلك ينبغي للعبد أن يبذل الأسباب ويتوكّل على مسبّبها ولا يتواكل، فإن كان الخير حمد الله، وإن كان ما يحذر علم أنّه الابتلاء وانتقل إلى أسباب دفع البلاء متوكّلا على الله.