دار لقمان على حالها؟
سواء كانت الانتخابات التشريعية الأخيرة نزيهة أو مزورة فإن نتائجها كلها قد صبت في وعاء السلطة، ولذلك فإن هذه النتائج قد صنعت أفراح هذه السلطة وابتهاجاتها قبل أن تصنع أفراح الفائزين بها. ومن هم هؤلاء الفائزين غير أحزاب السلطة والمبرمجين على الدوران في فلكها؟ ومن هي جبهة التحرير الوطني، التي اكتسحت هذه الانتخابات اكتساحا، غير الجناح الدعائي أو البوق السياسي منذ خمسين سنة للنظام القائم منذ خمسين سنة وأكثر؟ وهل الأرندي غير عجلة تبديل للأفلان استحدثت في منتصف القرن الماضي لإنقاذه من التوقف عن الاستمرار ومواصلة السير؟ وهل البقية غير زوائد دودية لهذا النظام؟
ثم هل يستحق الأمر كل هذه الأعراس والتهليل بالنصر والتبجح بالفوز أمام كارثة نوعية المشاركة ونسبتها المتدنية أمام ما كان منتظرا من هذه الانتخابات كمحطة أو نقطة بداية على الأقل للقطيعة مع الماضي المظلم والظالم والفساد الذي يمثله الحزب الفائز بالأغلبية بالذات ومن يليه ومن يلي من يليه؟ قد يقول قائل أو قد يصرخ محبط تحت الصدمة أن الشعب أو الناخب الجزائري مازوشي يحب التعذيب الذاتي ويتخذ من الانتخابات وسيلة، لذلك فلا يختار ولا يعيد اختيار إلا من ينكل به ويهدر حقوقه ويستأثر لوحده بخيرات وطنه، ولكن ليَصدُق ذلك ونصدقه يجب أن تكون الانتخابات كاملة ونظيفة وشفافة وجدية، وتكون المشاركة خصوصا تمثيلية للناخبين المسجلين وللمجتمع ككل، أما أن تكون بالشكل الذي كانت عليه فمن غير المعقول أو المقبول أن يتهم الناخب بالتقصير وتنسب إليه النوايا السيئة للسلطة.
فبعملية حسابية بسيطة عن المشاركة في انتخابات يوم الخميس الماضي وأرقامها الرسمية المنشورة وما بث في وسائل الإعلام، وخاصة في التلفزيون العمومي الدعائي، يتضح أن من مجموع المسجلين الذين تجاوزوا 21 مليون مسجل لم يذهب إلى مكاتب التصويت سوى 43 بالمائة من هؤلاء المسجلين، كما لم يحسب من أصوات المصوتين مئات الآلاف من الأوراق الملغاة التي تعبر عن التذمر العميق للشعب من الوضع القائم ومن الانتخابات على الطريقة الجزائرية. ولولا خطاب الترجي والتهديد والوعيد الذي أطلقه الرئيس بوتفليقة من سطيف عشية الانتخابات لكانت الكارثة أعظم، لكن هذا الخطاب لم ينقذ العملية إلا في جزء منها وبنوايا محسوبة وغير حسنة وبنتائج تكاد تكون عكسية.
فقد ردد الرئيس في خطابه جملتين أساسيتين كان لهما الدور الحاسم في مصير هذه الانتخابات هما “طاب جناني” و”حزبي معروف.. حزبي معروف”، فيما كان الافلانيون يردون من القاعة: “أفلان.. أفلان..”، فحدث أن الغالبية العظمى من الذين ذهبوا إلى صناديق التصويت هم الذين “طاب جنانهم” من الشيوخ والعجائز والحرس القديم ليس إلا، ومن تحصيل الحاصل أنهم انتخبوا على الأفلان، ما يجعل هذه الانتخابات لا تختلف في شيء عن سابقاتها منذ خمسين سنة، وبالتالي لا يمكن انتظار شيء غير استمرار أبواب الجزائر مفتوحة على الفساد وسوء التسيير ودولة اللاقانون، خاصة وأن جبهة التحرير ستستمر في الحكم جنبا إلى جنب مع الأرندي كما أكد ذلك السيد عبد العزيز بلخادم حتى قبل موعد هذه الانتخابات.