-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

داعش والبكاء على صدام حسين

سهيل الخالدي
  • 6693
  • 12
داعش والبكاء على صدام حسين

في هذه الأيام، يبكي العراقيون، على اختلاف مكوناتهم ومشاربهم وأعمارهم، رئيسهم صدام حسين، الذي يقال إن عملية إعدامه تمت بحضور سري لكل من الرئيس الأمريكي بوش الابن وتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني وأحمدي نجاد رئيس إيران وكان رابعهم عدنان المالكي الذي وقع حكم الإعدام شنقا بتوقيعه الذي يشبه أنشوطة المشنقة.

يبكي العراقيون، سنة وشيعة، نصارى ومسلمين، عربا وأكرادا، صدام حسين، لأنهم في عهده كانوا أكثر أمنا وأمانا، وكانوا أكثر شبعا وريا.

صحيح جدا أن الرجل لم يكن حاكما عربيا نموذجيا كما يطمح العراقيون والعرب عموما، بل لم يكن الحاكم النموذجي الذي قالت به أدبيات حزبه، حزب البعث العربي الاشتراكي، فقد كانت له أخطاؤه الكبيرة والتي لم يستمع فيها إلى كثير من المثقفين العرب من حزبه ومن خارج حزبه حين حذروه منها، مثله في ذلك مثل كل الحكام العرب الذين ما أن يجلسوا على الكرسي حتى يضعف سمعهم لنبض الشارع، ويخف بصرهم عن رؤية مشكلات الناس وتغشى بصيرتهم وتغيم رؤاهم…

ومع ذلك، فالناس يبكون عليه بقلوبهم وعيونهم.. فهاهم النصارى في الموصل، شمال العراق، والذين لهم إسهاماتهم الكبرى في الحضارة العربية الإسلامية عبر قرون، يشردون لأول مرة في التاريخ من ديارهم، لا لشيء سوى أنهم عراقيون والعراق مهد الحضارات ومهد الأفكار والمعتقدات، فهذا هو عراق سومر وبابل ونينوى وذي قار  والنجف.. مسلمون سنة وشيعة وآشوريون وكلدان.. فالعراق الذي صنع الحضارة العربية الإسلامية لم يكن فيه أبدا مجال للاقتتال الطائفي، وحين تقاتلوا في تلك الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية، مازالوا يبكون الحسين حتى يوم  الناس هذا.

وهاهم اليوم يبكون على صدام حسين الذي رفع شأوهم  وبنى دولة عراقية خافتها الدول الاستعمارية الكبرى، فضلا عن الدول العربية، ولم تبكهم عليه أفعال المالكي  وميليشياته المدعمة أمريكيا وإيرانيا والتي تتغطى بالمذهب الشيعي، بل أبكتهم عليه داعش التي تتغطى بالمذهب السني، التي قالت هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية أمريكا السابقة، إن واشنطن هي التي أوجدت داعش.

والمرء يحار وهو يتلقى عبر وسائل الأعلام هذا الكم الهائل من أخبار داعش وكيف صارت تتصدر نشرات الأخبار وهي لم تكن شيئا مذكورا قبيل أشهر. فهل التناقض الرئيسي لداعش هو نصارى الموصل، وما هو برنامجها  هل هو برنامج الماضي أم برنامج المستقبل، ولماذا تزامن هذا الهجوم الوحشي الداعشي على النصارى في العراق  مع الهجوم اليهودي الوحشي على قطاع غزة وحركة حماس الإسلامية. فالتوقيت جزء من العمل السياسي، كما ليس في السياسة صدفة بل حسابات.

لم يكن الشعب العراقي شعبا مهاجرا عبر التاريخ بل إن أوضاعه استقرت أكثر فأكثر في عهد صدام حسين. فرغم الأخطاء الكبيرة التي اقترفها الرجل خاصة بنظر المثقفين العرب، سواء لجهة حربه مع إيران أم لطريقة دخوله وخروجه من الكويت، فإن العراقيين كانوا آمنين بل كانت الطوائف الدينية والإثنية هي الأكثر أمانا واطمئنانا، وكان العراقيون أكثر شبعا وأكثر ريا.. أما الآن بفضل الاحتلال الأمريكي الإيراني وبفضل الفكر المذهبي الطائفي  انتشر العراقيون في جهات الأرض وصاروا لاجئين، مثلهم مثل الفلسطينيين، وصاروا عرضة للإبادة الشنيعة، ويقول البعض إن صدام أباد حلبجة وحاكموه عليها، فماذا يقولون عن الذي أباد الموصل والفالوجة والأنبار والإبادات التي تتم بصمت في البصرة وغير البصرة من مدن العراق؟

لست في معرض الدفاع عن صدام حسين، فله رجاله وحزبه ومؤيدوه الذين يعرفونه ويعرفون نظامه بحسناته وسيئاته أكثر مني، لكني أتساءل عن داعش، هذه التي طلعت علينا كسهم مندفع من أكثر زوايا تاريخنا عتمة؛ في الوقت الذي كان يقال فيه إن ثوارا عراقيين مسلمين ونصارى سنة وشيعة وعشائر وقبائل كانت في طريقها إلى بغداد لإنهاء حكم المالكي الذي لا يدافع عنه سوى  الأمريكيين والأيرانيين وحلفائهم في المنطقة؟

وتأتي داعش في ذات الوقت الذي يحقق فيه الشعب الفلسطيني انتصارا أخلاقيا كبيرا- بل ولعله عسكري في بعض المقاييس- على العدو الصهيوني وحلفاء هذا العدو في المنطقة ومنهم نظام المالكي نفسه الذي اجتث الفلسطيينيين في العراق وألقى بهم في صحراء بادية الشام.

 فهل سيبكي العراقيون قرونا على صدام حسين كما يبكون الحسين بن علي؟

إن المؤشرات تقول إن الذين سيبكون طويلا كثيرا على هذا الرجل ويغفرون له أخطاءه وخطاياه ليسوا العراقيين  فحسب بل العرب جميعا وأكثرهم بكاء هم الحكام العرب الذين سلموا العراق إلى التقسيم وصدام حسين إلى المشنقة، فهاهو مبارك يرى من سجنه مصر تذوب ونجاته المؤقتة من حبل المشنقة لا تبدو طويلة وكذلك غيره من الحكام العرب.. إنهم يبكون كثيرا وطويلا على رجل وإن أخطأ في سياساته، لكنه لم يخن شعبه ولم يسلمه إلى إذلال المنافي وسيوف داعش العمياء. وربما تكون داعش الأعلى صراخا وندما بعد أن تكتشف أن الأمريكان الذين صنعوها هم بروتس الذي يطعنها بعد أن يقضوا منها وطرا.. فهكذا كان الأمر مع طالبان في أفغانستان.. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • بدون اسم

    التفضيل بين الطاعون والكولير؟

  • محمد

    يقتلون الميت ويمشون في جنازته، ثم يندومون على قتله هؤلاء العملاء من العرب والعجم الذين لا تهمهم شعوبهم بقدر ما تهمهم بطونهم ومصالحهم الضييقة إنهم لا ولن يفكرون في مستقبل بلدانهم وشعوبهم فنظرهم نظر الحلزون. الا يتعلمون من أخطائهم وعلى الأقل يصحيحونها. من يدعم ويدعم المنظمات الإرهابية ومن يسدد فتاتوزة إحتلال العراق

  • صالح

    5) الغرب عموما و" لدى أصدقاء سوريا " خصوصا ، والتي تصدر عبر الدبابات ، عبر المقنبلات ، عبر الفضائيات وعبر عملاء الجامعة ، التي لم تعد كذالك ، إلى العالم العربي المخدوع في وبحكامه ؟ .

  • صالح

    4) العربية ، حتى ولو أنكر ذالك .
    الطاغية القديم مات واقفا ، شامخ الرأس ، عصيا على أمريكا وعلى الجمهورية الجارة ، ودفن في مقبرة صانعي تاريخ بلاد ما بين النهرين .
    الطاغية الجديد تنحى ، مطأطئ الرأس ، ذليلا بين قومه ، بين جيرانه وبين حماته ، الذين تخلوا عنه كما تخلوا ويتخلون عن كل الديكتاتوريين والطغاة المستنفذين ، قبل أن يموت ويدفن في مقبرة أقزام بلاد ما بين النهرين وفي مزبلة تاريخ .
    فأين الفرق إذن بين الديكتاتورية العربية المصنوعة محليا ، والديكتاتورية " الديموقراطية " المصنوعة في أمريكا ، في

  • صالح

    3) قوة عسكرية جهنمية عرفها العالم المعاصر .
    الطاغية الجديد لم يستطع كذالك أن يصمد " بجيشه " أمام أسوإ عصابات القتل والإجرام التي لم يعرف العالم المعاصر مثيلا لها .
    الطاغية القديم استغل طغيانه لبناء العراق .
    الطاغية الجديد استغل طغيانه لهدم العراق وتفتيت العراقيين .
    الطاغية القديم حوصر ، أزيح من على رأس السلطة ، وأعدم بسبب عدائه لأعداء الأمة العربية ، حتى ولو لم يصرح بذالك .
    الطاغية الجديد استورد ونصب على رأس السلطة ، قبل أن يعيث ، هو وداعش ، في أرض العراق فسادا ، بسبب ولائه لأعداء الأمة

  • صالح

    2) الطاغية الجديد وصل إلى السلطة بالدبابة الأمريكية وبالانحياز الفاضح للجمهورية الإسلامية لفئة من العراقيين على حساب بقيتهم .
    الطاغية القديم سعى إلى الخلود في السلطة .
    الطاغية الجديد سعى كذالك إلى الخلود في السلطة .
    الطاغية القديم قتل وصفى معارضي نظامه .
    الطاغية الجديد قتل وصفى كذالك معارضي نظامه .
    الطاغية القديم تمكن ، في آخر أيامه ، من استعداء الأقربين والأبعدين .
    الطاغية الجديد تمكن ، في آخر أيامه ، كذالك من استعداء الأقربين والأبعدين .
    الطاغية القديم لم يستطع أن يصمد " بجيشه " أمام أطغى

  • صالح

    1).بين صدام ، رحمه الله ، والمالكي .
    بينت التجربة والأيام أن المالكي لم يختلف ، قيد أنملة ، عن صدام ، رحمه الله ، وبقية الطغاة ، من العرب ومن المسلمين ، في بقية الجملوكيات ، وأن زعم العم سام بأن الديموقراطية ، بالنكهة الأمريكية خاصة والغربية عامة ، سوف تشع على يدي المالكي ، من العراق على بقية " الشرق الأوسط الكبير " كانت أكبر أكذوبة عرفتها المنطقة .
    ما الفرق بين طاغية بغداد القديم وطاغية بغداد الجديد ، الذي تنحى ، مجبر أخوك لا بطل .
    الطاغية القديم وصل إلى السلطة بذاته وبانقلاب على زملائه .

  • Brahim

    البكاء الحقيقي هو اليوم الذي نحاسب والقاضي هو رب العالمين.
    ولكن لاننا نتبع التابعين و اصبحت عقيدتنا اكذوبة اليهود التي حذرنا الله منها و قالوا لن تمسنا النار الى ايام معدودة كل شيئ مباح الكل في الجنة ينعم فيها تقديسا لسلف على كتاب الله

  • محمد

    لن تبكي الامة احدا ساهم بعجزه الاستراتيجي في فهم لعبة الامم حتي ادخل بلاده بصراع كان همه كباقي حكام العرب تكريس الزعامة الجوفا ءالمصابة بجنون العضمة وهم سبب مايحدث الان عبر تجهيل شباب الامة وتصحيرهم سياسيا وثقافيا حتي اصبح تجنيدهم في صفوف داعش سهلا لن نندم علي شيء لان هذه ضريبة نفض غبار القحط والاندفاع للمستقبل وما داعش الا اعراض جانبية ستزول كما زال الارهاب في الجزائر وسيبني شباب العرب المثقف والواعي يلدانهم كما يحلمون هم بها بالعلم والمؤسسات القوية والبرامج المدروسة لا بالشعارات الفارغة

  • RACHID

    هذا الثمار الذي يجنيه الاشقاء العراقيين من الديقراطية التي اتت بها امريكا وحلفائها الصهاينة الي بلاد الشام وبمساندة بعض الطامعيين ، واليوم يضعوا احداث العراق واطيافه امامهم كافلام هيوليود يتفرجون ويمرحون ويقولون للابنائهم لاحظوا هذه الامة رغم تعلمها لازالت جاهلة تؤمن بخرافاتنا .( حسبنا الله ونعم الوكيل في امتنا ).

  • عبد المالك

    إلى صاحب التعليق " عبد الواحد من الوادي" أقول لك بأن الأمة العربية لا تبكي هؤلاء ، بل ستبكي قادة الجيل الذهبي وهم : الملك فيصل ، هواري بومدين ، جمال عبد الناصر ، الحبيب بؤ رقيبة ، الملك حسين ، حسن البكر ……رغم نقائصهم ، كانت الخيانة لا تدب في أنفسهم ، خاصة مع إسرائيل ، وجاء جيل الانبطاح السيسي وكل ملوك العمائم . الله يقدر الخير

  • أحمد

    سيأتي يوما العراقيون يبكون على صدام حسين ، والليبيون يبكون على القذافي ، والمصريون يبكون على مرسي ، واليمنيون يبكون على علي عبد الله صالح ، التونسيون يبكون على زين العابدين بن علي..…… الخ