-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دولٌ‮ ‬تحترق بلغتها

سهيل الخالدي
  • 66
  • 0
دولٌ‮ ‬تحترق بلغتها

في‮ ‬شهر أغسطس‮ ‬2014‮ ‬المنقضي‮ ‬الذي‮ ‬يسميه الشوام والعراقيون‮ “‬تموز‮” ‬خرج عزام الأحمد القيادي‮ ‬الفلسطيني‮ ‬في‮ ‬حركة فتح ابن منطقة طولكرم الفلاحية في‮ ‬فلسطين،‮ ‬من الاجتماع التفاوضي‮ ‬بين الفلسطينيين واليهود في‮ ‬القاهرة وقنابل الصهاينة تدك الحجر والبشر والشجر في‮ ‬غزة لتجرفهم لينتحروا في‮ ‬البحر أو ليتيهوا تيها معاكسا في‮ ‬سيناء،‮ ‬خرج‮ ‬يقول إن الوفد اليهودي‮ ‬يتلاعب بالألفاظ،‮ ‬فصفقتُ‮ ‬له وأنا أقول عشتَ‮ ‬أيها الفلاح الفصيح‮.. ‬وما دمت فعلتها فسيخسر اليهود هذه الجولة‮. ‬وسألتني‮ ‬زوجتي‮: ‬على مهلك،‮ ‬هل قال شيئا‮ ‬يستحق كل هذا؟ وسكتت‮.‬

‭ ‬وكنت سأكتب للقراء في‮ ‬ذلك الوقت عن هذا اللاحدث الذي‮ ‬يشكل جوهر الحدث،‮ ‬غير أني‮ ‬لم أفعل لأن الوقت كان وقت تعبئة سياسية أكثر منه أحاديث في‮ ‬العمق،‮ ‬فالمسألة تستحق شحذ الذاكرة السياسية واللغوية للأمة،‮ ‬وحين قلت في‮ ‬اجتماع لغوي‮ ‬ترأسه ذات‮ ‬يوم رئيس مجمع اللغة العربية عندنا الذي‮ ‬لا‮ ‬يكاد صحفيٌ‮ ‬جزائري‮ ‬أو عربي‮ ‬يسمع بنشاطه،‮ ‬ردا على ما كاله آنذاك المرحوم علي‮ ‬فهمي‮ ‬خشيم ـ وهو من هو في‮ ‬عالم اللغة ـ من تهم الصحفيين العرب بأنهم‮ ‬يبهدلون اللغة العربية وقلت إن الدول العربية لا تدفع مستحقاتها الخاصة باللغة للأمم المتحدة،‮ ‬فاستشاط عبد الرحمان حاج صالح‮ ‬غضبا وقاطعني‮ ‬مراراً‮ ‬فلم آبه له،‮ ‬وقلت كلمتي‮.. ‬فجاء الرد عليه من خشيم نفسه ومن على المنبر حين قال‮: “‬معك الحق ولك أن تغضب فالدول العربية لا تدفع‮” ‬واستثنى بلده ليبيا التي‮ ‬كانت تدفع‮. ‬وفي‮ ‬اليوم التالي‮ ‬كتبتُ‮ ‬في‮ ‬يومية جزائرية بما معناه أن بعض الصحافيين الجزائريين والعرب‮ ‬يخطئون في‮ ‬العربية،‮ ‬لكن السياسيين العرب‮ ‬يقتلونها ويقتلون دولهم نفسها‮.‬

‭* ‬في‮ ‬اليوم التالي‮ ‬كتبتُ‮ ‬في‮ ‬يومية جزائرية بما معناه أن بعض الصحافيين الجزائريين والعرب‮ ‬يخطئون في‮ ‬العربية،‮ ‬لكن السياسيين العرب‮ ‬يقتلونها ويقتلون دولهم نفسها‮. ‬

‭ ‬قد تسألون‮: ‬وما علاقة هذا بذاك؛ فلا تصريحات عزام الأحمد تشكل حدثا ولا ردك على فهمي‮ ‬خشيم ولا اعتراض الحاج صالح‮ ‬يشكل حدثا‮ …‬فما هذا الذي‮ ‬تزعجنا به في‮ ‬مسألة مرّت وغزة تحت النار؟

‭ ‬آه من ناركم أيها القراء‮..‬

‭ ‬أصبروا عليّ‮ ‬حتى آخر السطر فقط‮..‬

‭ ‬في‮ ‬5‮ ‬جوان‮ ‬1967‮ ‬خسر العرب أراضيهم في‮ ‬مصر والضفة الغربية وفي‮ ‬الجولان خلال سويعات فقط حيث وضع موشي‮ ‬ديان حذاءه العسكري‮ ‬فوق رؤوس قادة جيوشهم‮.. ‬فقامت المعركة السياسية في‮ ‬الأمم المتحدة حول القرار الشهير‮ ‬242،‮ ‬فقامت إسرائيل ليس بتجنيد أفضل ديبلوماسييها ومفاوضيها‮.. ‬بل جنّدت أفضل رجالها الذين‮ ‬يتقنون العربية‮.. ‬نعم العربية‮. ‬لعلمهم بأن الديبلوماسيين العرب لا‮ ‬يكادون‮ ‬يعرفون العربية وبالكاد‮ ‬يتحدثون الانجليزية لغة القرار تبجحا وتمظهرا وليس دراية‮. ‬فجادل اليهود على أداة‮ “‬الـ‮” ‬التعريفية ولم‮ ‬ينتبه سياسيونا في‮ ‬القصور الملكية والجمهورية ولا عساكرنا المهتمون بتلميع النجوم على أكتافهم‮.. ‬فإذا بهم‮ ‬يبصمون على ذلك القرار الشهير الذي‮ ‬يقول تنسحب إسرائيل من‮ “‬أراض احتلت‮”. ‬ولم‮ ‬يقل‮ “‬الأراضي‮ ‬التي‮ ‬احتلت‮”. ‬وهكذا خسرت ما نسميه دولنا العربية الأرض والعرض معا‮.. ‬فاللغة في‮ ‬نهاية المطاف هي‮ ‬العرض‮.‬

وفي‮ ‬مفاوضات القاهرة حول‮ ‬غزة في‮ ‬أوت الماضي‮ ‬أرسلت إسرائيل اعتمادا على معرفتها بجهل العرب لغتهم،‮ ‬أفضل ضباطها الذين‮ ‬يتقنون العربية حتى‮ ‬يمرروا باللغة العربية نفسها ما عجزوا عن تمريره بالسلاح،‮ ‬فليس هناك أذلّ‮ ‬من أمة تصبح لغتها ضدها لأن سياسييها لا‮ ‬يعرفونها‮.. ‬فتصدى لهم هذا الفلاح الذي‮ ‬يتحدث العربية بلهجة طولكرم التي‮ ‬تشبه لهجة أهلنا في‮ ‬جيجل وميلة وفرجيوة حيث الشنشنة والكأكأة،‮ ‬ولم‮ ‬يتمكن اليهود من تمرير‮ “‬ال‮” ‬التعريف ولا حرف الجر

‭* ‬جادل اليهود على أداة‮ “‬الـ‮” ‬التعريفية في‮ ‬القرار‮ ‬242‮ ‬الذي‮ ‬يقول تنسحب إسرائيل من‮ “‬أراض احتلت‮”. ‬ولم‮ ‬يقل‮ “‬الأراضي‮ ‬التي‮ ‬احتلت‮”. ‬وهكذا خسرت دولنا العربية الأرض والعرض معا‮.. ‬فاللغة في‮ ‬نهاية المطاف هي‮ ‬العرض‮. ‬

‭ ‬وعزام الأحمد حسب معلوماتي‮ ‬لم‮ ‬يتخرّج من في‮ ‬الأزهر ومن في‮ ‬الزيتونة،‮ ‬ولا من أكسفورد ولا من جامعة واشنطن أو السوربون فقد تخرّج من بغداد أيام كان في‮ ‬هذه المدينة جامعة‮.‬

وبرغم ما قاله ويقوله اللغويون الأوروبيون عن القدرات العالية للعربية في‮ ‬التعبير السياسي،‮ ‬إلا أن اليهود ومن لف لفهم‮ ‬يعملون منذ السبعينيات حين اعتمدت العربية لغة رسمية في‮ ‬الأمم المتحدة على إلغاء هذا القرار وشكّلوا جمعيات ولوبيات تضغط في‮ ‬هذه الاتجاه،‮ ‬وحجتهم أن الدول العربية لا تقوم بدفع التزاماتها لهذه المنظمة لاستعمال هذه اللغة من ترجمة وأوراق وموظفين وما إلى ذلك من مقتضيات‮. ‬ويضيفون إلى حجتهم القوية هذه حجةً‮ ‬أقوى وهو أن ممثلي‮ ‬الدول العربية في‮ ‬هذه المنظمة وغيرها من المحافل الدولية لا‮ ‬يستعملون العربية فالذين منهم‮ ‬يمثلون دول المغرب العربي‮ ‬ويسمونها دول شمال إفريقيا‮ ‬يستعملون الفرنسية،‮ ‬والذين‮ ‬يمثلون المشرق العربي‮ ‬يستعملون الانجليزية،‮ ‬وهكذا تكون العربية في‮ ‬الأمم المتحدة زائدة دودية‮.‬

وبالتأكيد مادام حالنا هذا الذي‮ ‬نحن فيه بين‮ “‬داعش‮” ‬و”عافس‮” ‬فسينتصر القوم لا محالة،‮ ‬فالدنيا للساعي‮ ‬وليس للناعس‮.. ‬وكنتُ‮ ‬قد كتبت قبل عشر سنوات أن جورج بوش هو الذي‮ ‬سيؤمّ‮ ‬الجمعة فينا وهاهم‮ “‬الدواعش‮” ‬وغير‮ “‬الدواعش‮” ‬يقررون من فينا المؤمن ومن هو الكافر؟‮.. ‬لذلك لا عجب إذا ما قرّر علينا ذات‮ ‬يوم بدل تفسير ابن كثير تفسير الحاخام‮.. ‬أليسوا‮ ‬يتقنون العربية أفضل منا؟ فلمَ‮ ‬لا‮ ‬يفسرون قرآننا؟ فأمننا اللغوي‮ ‬صار فعلا ماضيا ناقصا‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!