دول الخليج العربي بعد معركة غزة؟
حاولت أثناء وبعد معركة غزة التي أطلق عليها اليهود اسم عملية “غامود السحاب”، أن أجد في وسائل الإعلام العربي والأجنبي، تحليلا ما عن وضع دول الخليج العربي بعد هذه المعركة التي هي جزء من حرب مفتوحة منذ مئة عام، أو يزيد، ولا تبدو في الأفق مؤشرات لنهايتها، خاصة بعد أن فشلت معاهدة كامب ديفيد في أن تجعل حرب 1973 آخر الحروب، كما كان يقول أنور السادات، فقد قامت وتقوم بعد تلك المعاهدة عدة حروب، وقد كتب المحلل البريطاني المرموق، باتريك سيل، شيئا عما يطلبه بعض أصدقائه العرب من الحكام العرب.. لكنه لم يتطرق إلى وضع دول الخليج بعد هذه المعركة.
ولست أدري إذا ما فاتت هذه النقطة هذا المحلل السياسي واسع الاطلاع على الشأن العربي، أم أنا الذي فاتتني متابعة كتاباته، وعلى كل حال فالمسألة الثمانية للمعركة ما يلي:
1- حركة خليجية باهته سواء من طرف السعودية أو الإمارات أو الكويت أو عمان والاستثناء الوحيد هو في قطر وسواء كان هذا الحركة سياسية أو إعلامية.
2- إشادة واضحة جدا من طرف زعيم حماس خالد مشعل بالموقف الإيراني والدعم الإيراني، مع الإقرار بالخلاف الإيراني الحمساوي حول الموقف مما يجري في سورية..
وقد حرص أمير قطر وهو يشيد ببطولة غزة بأنه لم يكن باستطاعته زيارة عزة وتقديم دعم ديبلوماسي نوعي، لحكومة إسماعيل هنية، إضافة إلى الدعم الحالي واسع ومتعدد دون مصر وحكامها الجدد وعلى رأسهم محمد مرسي.
.
ويبدو لي أن الوضع في دول الخليج العربي لم يعد مطمئنا لأحد، سؤاء حكامها أو شعوبها أول الدول المجاورة أو الدول الكبرى ونلاحظ ذلك في الآتي:
1- عدم استطاعة هذه الدول بناء أية وحدة مابينها، رغم وجود مقومات هذه الوحدة بقوة ورغم مرور عدة عقود على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي.
2- انكشاف عجز هذه الدول في التأثير في المنطقة العربية، فرغم الدور الذي لعبته في تونس وليبيا، إلا أن تأثيرها ظهر ضعيفا في مصر، وحتى في اليمن، وتعجز حتى الآن عن حسم معركتها في سورية.
3- اهتزاز التجربة البرلمانية في الكويت رغم كاريكاريتها أصلا، إلا أن أميرها يتجه نحو حكم لا يبتعد كثيرا عن الحكم الملكي السعودي.
4- اعتلال صحة الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في وقت لم يستطع فيه ولي عهده تثبيت أقدامه، لا في صفوف العائلة ولا في صفوف الشعب.
وإذا كانت تصريحات خالد مشعل في القاهرة أعقاب توقيع الاتفاق تشير إلى أن إيران تمسك جيدا بمفتاح القضية الكبرى في المنطقة، وهو المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، التي قد تمتد إلى الضفة، إضافة إلى أنها تمسك بمفتاح القضية اللبنانية من خلال المقاومة أيضا، والتي يمثلها حزب الله الذي لم ينتظر طويلا ليقول إن حزبه يملك آلاف الصواريخ الإيرانية مثل فجر التي أطلقها الغزاويون على تل أبيب، وإنه يستبعد لتوجيه هذه الآلاف إلى إسرائيل من كريات شمونه إلى إيلات.
لا شك في أن تصريحات مشعل ومعها تصريح حسن نصر الله لا تشكل خبرا سعيدا للحكام في الخليج العربي.
ولعل الأسوأ من ذلك هو خطاب أوباما الذي لم تكن دول الخليج متحمسة لإعادة انتخابه، عكس حالها مع سابقه جورج بوش، ذلك الخطاب الذي خصصه للوضع الاقتصادي، وجاء بعد فوزه، وقال إن أمريكا ستتخلص من الاعتماد على النفط الخارجي، وهو بهذا يعيد بشكل مهذب ما قاله كسينجر وزير خارجية أمريكا في سبعينيات القرن الماضي للملك فيصل، بأن أمريكا ستترككم تشربون نفطكم.
ولم يعد سرا في عام 2012 أن أمريكا كفت عن كونها الزبون الأهم لنفط الخليج العربي، ليس لأنها استولت على النفط العراقي ثم النفط الليبي، أو لأن الصين التي يتنامى اقتصادها صارت تستورد نفوطا أكثر، بل لأن مختبرات الطاقة البديلة جادة جدا في اكتشاف مصادر طاقة أخرى، سواء من المواد الحيوية أو غير الحيوية.
ومن المؤكد أن حكام الخليج بانتهاء عصر النفط، لن يفقدوا ثرواتهم الشخصية أو العائلية، فلديهم ما يكفي، لكن من المؤكد أنهم سيفقدون عروشهم، خاصة وأن إيران لا تتوقف عن التحرض ضدهم محليا وعربيا، وفي العالم الإسلامي، بل إن تركيا نفسها تطمح إلى قيادة الإسلام بدل السعودية ومصر، وقد دخلت إلى ذلك إلى المدخل الفلسطين، بل ومن قطاع غزة بالذات، وكان أحد كبار مسؤوليها حاضرا في الاتفاق الذي تم في القاهرة.
.
ألا يعني ذلك أن دول الخليج تشعر – أو عليها أن تشعر- جديا بتدحرج مكانتها في الشارع العربي، والأهم لدى الدول الاقليمية والكبرى، وكيف يمكن أن تستعيد هذه المكانة.
1- هل إذا دفعت لغزة ما يحتاجه بعد هذه المعركة وهو مبلغ 40 مليون دولار وأكثر! أمر مشكوك فيه.
2- هل إذا شجعت إسرائيل على ضرب إيران يعيد لها هذه المكانة، أمر مشكوك فيه أيضا.
3- هل إذا قامت هي بضرب طهران من خلال ترسانة الأسلحة التي استوردتها في السنوات الأخيرة دون حاجة واضحة ومن خلال القواعد الأمريكية البرية المنتشرة من أراضي السعودية وقطر والكويت وغيرها.
والقواعد البحرية في المضيق والخليج العربي.. أمر مشكوك فيه أيضا، فهي حرب يصعب التكهن بنهاياتها، خاصة وأن أوباما الذي انسحب من العراق وينسحب من أفغانستان ليس لديه استعداد لأن يتورط في إيران وهو الذي يقول أنه سيستغنى عن النفط وبالتالي أنه يستبعد الحرب من أجله..
4- هل بإمكانها العودة إلى مكانتها من خلال مساعدات مجزية إلى مصر وبالتالي ركوب طهر القاهرة للوصول إلى المقاومة الفلسطينية وإيران والشارع العربي؟
وهنا لا تبدو المسألة مضمونة، فما فعلته من أجل وصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس وليبيا، لم يقدم لها الكثير، بل تعتبر تركيا هي التي ربحت في تونس التي أدخلت اللغة التركية إلى مدارسها، وفي ليبيا التي كان أردوغان أول زائريها، وأما مرسي فيبدو أنه هو الذي سينجح المصالحة بين حماس وسلطة محمود عباس، وهو ما لم تحققه لا السعودية ولا قطر.
وتبدو هنا في خلف هذه الصورة نقطة قد تشكل بيضة، وهي الجزائر، فماذا لو شكلت الجزائر مع مصر قطبا اقتصاديا إفريقيا، وماذا لو شكلت الجزائر مع ليبيا قطبا نفطيا عالميا، وماذا لو شكلت الجزائر جهدا تصالحيا بين دول الخليج وحماس من جهة، وبين هذه الدول وإيران من جهة أخرى، تبدو هذه النقطة مقبولة في التحليل السياسي، لكن الدبلوماسية الجزائرية، قلما تتدخل في الشأن العربي الداخلي أو بين الدول العربية بعضها البعض.
وهكذا يبدو الوضع في دول الخليج العربي ضعيف الآفاق المحلية والعربية والإسلامية والدولية، فإلى أي اتجاه ستتحرك البوصلة الخليجية؟
من المؤكد أن البعض سيقول كما يقول المثل الياباني “رائحة النقود طيبة حتى لو كانت من مستنقع” والخليجيون يملكون “شكارات” وبإمكانهم شراء المواقف سواء على الصعيد الشخصي أو حتى الدول، فالمال ساحر كبير سحره لا يقاوم.
هنا لابد من الإشارة أن تأثير المال الخليجي في الدول العربية هو الآخر صار محدودا، فإذا كانت الدول العربية تقسم إلى دول نفط وإلى دول شفط، فإن دول الشفط الفقيرة أخذت تتجه إلى بناء اقتصاد لا يعتمد على المعونات الخليجية، وحتى المعونات الأمريكية، وذلك لأن هذه الدول أخذت تتحرك، ولعل المثال الأردني هو الأوضح حتى هذه اللحظة، فالنظام الهاشمي الذي يعتمد كثيرا على المعونات الأمريكية والخليجية، وعلى إسرائيل يمر هذه الأيام بمعاناة!!