روسيا تحث السلطات المالية على العودة لاتفاق الجزائر
لا تزال المصالحة الدبلوماسية المفاجئة بين الجزائر ومالي تصنع الحدث وتثير اهتمام المراقبين، بسبب تأثيرها على الوضع في منطقة حساسة مثل منطقة الساحل، التي تحولت إلى صراع نفوذ بين قوى عظمى تحاول الاستثمار في مستعمرات الدولة الفرنسية “المريضة”.
ويبدو أن الفرنسيين هم أكثر من تلقوا صدمة هذه المصالحة التي لا تخدم مصالح باريس في المنطقة، والتي راهن مسؤولوها على حليفهم النظام المغربي في البقاء على علاقة بالتعدي مع أنظمة المنطقة، غير أن طارئ المصالحة بين الجزائر ومالي أخلط حساباتهم وأربك سياساتهم، وهو ما دفعهم إلى البحث في خلفيات ما جرى بعيدا عن الأنظار لمحاولة فهم ما حصل والتعاطي معه وفق التحولات التي حصلت.
بوقاعدة: أزمة مالي سياسية وحلها يجب أن يكون سياسيا
وحسب ما توصلت إليه تحريات صحيفة “لوموند” الفرنسية، فإن ما حصل كان ضربة موجعة للوجود الفرنسي الذي بات منبوذا في المنطقة، لأن المصالحة بين الجزائر ومالي، يعني تعزيز النفوذ الجزائري إلى جانب النفوذ الروسي، الذي يحسب له تقويض النفوذ الفرنسي في مجال كان يعتبر حيويا بالنسبة لباريس.
واستنادا إلى الصحيفة الفرنسية، نقلا عن مصادرها الخاصة، فإن خفض التصعيد بين الجزائر ومالي خدم استقرار الوجود الروسي في مالي والمنطقة عموما، حيث أدت الضربات التي تلقاها الفيلق الإفريقي الروسي الذي يوفر الحماية للجيش النظامي المالي منذ الربيع المنصرم، إلى اقتناع موسكو بضرورة البحث عن حل للأزمة تكون الجزائر طرفا فاعلا فيه، بالنظر إلى قدرتها على التحكم في خيوط الأزمة، التي ساهمت في إخمادها في أكثر من مرة على مدار عقود طويلة.
واللافت في الأمر، هو أن السلطات الروسية، اقتنعت في الأخير بأن الأزمة في مالي لا يمكن أن تصل إلى نهايتها، إلا عبر مخرج واحد وهو العودة إلى العمل باتفاق السلم والمصالحة الذي وقع في الجزائر في عام 2015 برعاية الأمم المتحدة وبإشراف ومتابعة من قبل الجزائر، بعد ما تأكد من استحالة نجاح الحل العسكري، وهو الأمر الذي وإن حذرت منه الجزائر في أكثر من مناسبة.
ونقلت “لوموند” عن مصدرها في مالي قوله إن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وخلال اجتماع القمة الذي جمعه بنظرائه لدول منطقة الساحل في عاصمة النيجر، نيامي، في الثامن من جويلية الجاري (قبل يومين من الإعلان عن المصالحة مع الجزائر): “أكد لهم مجددا أن الحل العسكري البحت ليس حلا جيدا، وأن مالي بحاجة إلى المصالحة مع الجزائر”.
ولم يحصل هذا التحول في الموقفين الروسي والمالي، إلا بعد الانتكاسات العسكرية التي تعرضت لها قوات الفيلق الإفريقي وجنود الجيش النظامي منذ الربيع المنصرم خلال المواجهات التي دارت على تخوم العاصمة باماكو، والتي شهدت مقتل كل من وزير الدفاع ورئيس المخابرات الماليين، ثم تجدد القتال الشهر الجاري في عدد من مدن الوسط والشمال والشمال الشرقي وسقوط مدن بأيدي المعارضة المسلحة، التي سيطرت أيضا على المنافذ الحيوية المؤدية إلى مدن كبرى مثل تومبوكتو.
وتعليقا على هذا المعطى، يعتقد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ”جامعة الجزائر 3″، توفيق بوقاعدة، أن اقتناع الطرف الروسي بأهمية العودة لاتفاق السلم والمصالحة مع مالي، إن صدق المصدر، نابع من أن استمرار الوضع الأمني المتدهور في مالي، لا يخدم الوجود الروسي في المنطقة، بسبب التكلفة التي قد تكون مرتفعة في حال استمر الاقتتال، الأمر الذي يزيد من الأعباء على الفيلق الروسي ومعه للجيش النظامي.
ويرى المحلل أن اتفاق الجزائر، الذي تم برعاية أممية، ساهم في جلب الاستقرار إلى شمال مالي، غير أن عدم التقيد ببنوده في ظل التغيرات التي طرأت على هرم الحكم في باماكو منذ سنة 2020 (الانقلابات العسكرية)، حاول عن إنجاز ما تم الاتفاق عليه.
ولم يستبعد توفيق بوقاعدة أن يكون الطرف الروسي قد اقتنع مع مرور الوقت، أن الجزائر وانطلاقا من خبرتها في وأد الاقتتال في كل مرة، بين الحركات الأزوادية في الشمال والسلطات الحاكمة في باماكو، من خلال الاتفاقيات التي رعتها منذ ستينيات القرن الماضي وإلى غاية اتفاق 2015 مرورا باتفاق 1991، أن الجزائر هي الدولة الوحيدة القادرة على تفكيك ألغام الخلافات بين السلطات المالية والمعارضة الأزوادية، التي تطالب بحقها في المساهمة في تسيير شؤون الدولة والتوزيع العادل للثروة ولموارد التنمية داخل ربوع الدولة المالية.
ويخلص المتحدث إلى القول بأن أن ما حصل قبل نحو أسبوع بين الجزائر ومالي، كان متوقعا بالنظر إلى فشل خيار “الكل أمني”، في الأزمات التي تكون خلفيتها سياسية كما هو الحال في أزمة مالي، التي كان يتعين منذ البداية الاستفادة من الأزمات السابقة التي حلت بالجلوس إلى طاولة الحوار.