زمن التسيير في انتظار التغيير
مع التسليم بحاجة البلدان والدول إلى التغيير المدروس في النخب وفي السياسات وحتى في الخيارات، فإن الحكمة تقتضي أن نميل إلى التغيير زمن الرخاء والاستقرار، ونعوِّل أكثر على التسيير الصارم لما بين أيدينا زمن العسر والاضطرابات، لا يُعقل أن يقامر بمصير بلد وفتح باب المفاضلة بين النخب والسياسات، فيما لا أحد يعلم كيف سيكون العالم من حولنا في السنوات الخمس القادمة؟ ولمن ستميل الكفة في واحدة من أخطر وأوسع عمليات إعادة توزيع أوراق لعبة الأمم منذ الحرب العالمية الثانية؟
لقد كانت أفضل فترة لتسيير تغيير ناعم سلس ومقبول مباشرة بعد بداية تماثل البلد للتعافي، وتحديدا منذ بداية العهدة الرئاسية الثانية، حيث كان الرئيس في أوج شعبيته وعافيته، وكانت الموارد المالية متدفقة بسخاء، ولم يكن الإقليم قد أصيب بعد بما أصيب به من تبعات مسار تنشيط الفوضى الأمريكية الخلاقة، وكانت المعارضة قد استسلمت لمبدأ التغيير عبر المؤسَّسات.
الآن وقد أضعنا هذه الفرصة، ولحق بنا مسار الفوضى والتغيير تحت مظلة حلف النيتو، لم يكن من الحكمة الإصرار على الدخول بالبلد في مسار التغيير بالفوضى حتى مع احترام حق الشعوب في إحداث التغيير، وقد ندين للسلطة كما للمعارضة بقدر من الحكمة في تجنيبهما البلد ما خضعت له معظمُ الدول العربية ودول الإقليم، وقد نثمِّن اليوم مردود العملية الجراحية التي نفَّذها النظام بتفكيك منظومة الدولة داخل الدولة، نلمس أثرها في قدرة الدولة على إطفاء بؤر الفتنة في غرداية والجنوب، وفي حماية البلد من زرع وتوطين المجاميع المسلحة الوافدة عبر الحدود.
في مثل هذه الحالات، يكون من الترف الحديث عن تغيير وتجديد النخب، أو تغيير نظام الحكم بأي ثمن، خاصة مع غياب البدائل الجادَّة والمُقنعة في “دكَّة البدلاء” بصفوف المعارضة، التي لم تنجح بدورها ـ زمن الرخاءـ في تجديد وتشبيب طواقمها، وصناعة بدائل مقبولة يطمئنُّ إليها المواطن حتى لو رُفعت الموانع والمعوقات عن المسارات الانتخابية، لأن أي “ناخب وطني جديد” كان سيجد نفسه أمام طواقم الدولة العميقة المعمِّرة، أو طواقم المعارضة التي اشتعل رأسُها شيبا، وحيث لا يُقبل اليوم من “ناخب” فريقنا الوطني تشبيب الفريق الوطني بـ”شيوخ” ملحمة أم درمان، فلن يفلح رئيسُ البلد اليوم أو غدا في تشبيب مؤسسات الدولة بـ”شيوخ” أكل عليهم الدهر وشرب في السلطة كما في المعارضة.
فرصتنا الباقية هي في عقد صفقة تاريخية (عام جماعة) بين السلطة المعارضة والمواطن، تضمن للبلد الاستقرار والقدرة على التسيير الآمن للسنوات الخمس القادمة المحفوفة بالمخاطر، وإعادة ضبط موازنات الدولة، وتوزيع عادل للأعباء، مقابل ضمانات وتعهُّدات ملموسة بتحضير البلد لتجديد عميق في الكوادر والسياسات غداة الانتخابات الرئاسية القادمة، تبدأ برسم توافق وإجماع وطنيين على شخصية توافقية لموقع الرئاسة مؤهَّل لقيادة عملية التغيير والإصلاح، وعلى رأسها تشبيب النخبة في السلطة كما في المعارضة، وإعدادها لتسلُّم المشعل بجرعات محسوبة لا تكلِّفها فوق طاقتها.
البلد اليوم وفي السنوات الخمس القادمة المضطربة هو بحاجة إلى تسيير صارم لنعمة الاستقرار أكثر ما هو ملزم بتغيير لم نعدّ له العُدّة والرجال والخيارات زمن الرخاء.