زوجات يهجرن أزواجهن بعد مرضهم أو فقدان مالهم
توجّه السيدات في كل تجمعاتهن وخرجاتهن لومهن للجنس الخشن فيحمّلنهم مسؤولية الإخفاقات والانتكاسات العاطفية التي يعشنها حتى إصاباتهن ببعض الأمراض، إلا أنه يحدث أن تنقلب الآية فيختفي وراء الوجه الجميل والملامح الرقيقة لحوّاء وجه آخر أكثر عنفا وشراسة تكشف عنه بمجرد إصابة زوجها بمرض أو فقر وقلة حيلة، لتفضل العودة أدراجها إلى بيت عائلتها وإعادة تنظيم حياتها من جديد بدلا من قضاء عمرها بجانب زوج عليل.
يكثر لومنا دوما للأزواج عند تخليهم عن زوجاتهم جراء إصابتهن بالوهن والمرض، فيفكرون مباشرة بإعادة الارتباط بنساء يصغرنهن سنا ويتفوقن عليهن شكلا وقد يكون مضمونا أيضا، إلا أننا نغفل وجود سيدات يتركن أزواجهن عند أول عارض صحي أو مشكل مادي يصيبهم ويفضلن الانفصال عن الزوج بذريعة أنهن لا يُردن أن يتحوّلن إلى “ممرضات” وظيفتهن تنحصر في مراقبة مواعيد تناول الدواء والطبخ والعناية بالأطفال.
ونحن بصدد الخوض في الموضوع تفاجأنا بالعدد الهائل من الحكايات لرجال تركتهم زوجاتهم على فراش المرض يصارعون وخزات الإبر، والوحدة وفراق الزوجة، حتى أن البعض منهم لم يجدوا معينا سوى أمهاتهم أو بعض الجيران. مثلما هو حال “علي” 45 سنة، من ولاية البليدة، والذي رجع إلى منزله ذات مساء متعباً غير قادر على تحريك رجله اليمنى، لكن الوجع امتد فأصبح لا يقوى حتى على رفعها أو الوقوف عليها، وبعد أن توجّه إلى المستشفى أكد له الأطباء إصابته بسرطان على مستوى الرجل وأدخل إلى المستشفى وخضع للعلاج الكيميائي، إلا أن حالته كانت تزداد تدهورا ورجله لم تشف بل صار حجمها يتناقص كل يوم ليقرر الأطباء استئصالها.
وبعد رحلة دامت قرابة السنتين في المستشفى لم تهضم زوجته فكرة بقائها بقرب زوجها والذي توقف عن عمله كبائع في سوق الخضر، بسبب الآلام التي لم تفارقه وضرورة تنقله في كل مرة إلى المستشفى، وهي الوضعية التي ضاقت بها زوجته ذرعا حيث رفضت التحوّل إلى “ممرضة” وعيش عائلتها على الصدقات ففكرت في الخروج للعمل، لتتغير معاملتها له جذريا على حد قول جيرانها فأصبحت تتذمر من مرضه وتشتكي ثقل جسمه لتحزم في الأخير أمتعتها وتغادر بيت الزوجية تاركة إياه بمفرده رفقة والدته المريضة فتناوب جيرانه عليه ليمنحوه دواءه ويطبخوا له بالدور.
وتتوه الأوصاف والكلمات ونحن نسمع حكاية “م. ك”، من ولاية جيجل، الذي هجر زوجته الأولى وأولاده بعد إصابة هذه الأخيرة بسرطان الدم، فاستقر في العاصمة وعاود الارتباط بمعلمة ليعيش سنوات من السعادة والرخاء خاصة بعد أن أنجبت له طفلين فنسي أمر زوجته الأولى حتى أنه لم يحضر جنازتها، غير أن دوام الحال من المحال فقد جرت مشيئة القدير أن يبتليه بمرض احتار الأطباء في التعرف عليه ورغم أنه صرف أموالا طائلة لكن ذلك لم يُجده نفعا.
وبمرور الأيام انقلبت زوجته الجميلة عليه مطالبة إيّاه بإطلاق سراحها، فقد سئمت من جو المستشفيات والأدوية لترحل رفقة ابنيها وتركته بمفرده وعلى فراش المرض في المستشفى بدون أن تكلف نفسها بالسؤال عن أحواله، وقتها تذكر زوجته الأولى ومعاناتها مع المرض لكن الأوان قد فات والندم لن يغير من الأمر شيئا.
وليس المرض دوما الدافع الوحيد لرحيل الزوجات عن أزواجهن، فبعض الرجال ابتلاهم المولى عز وجل بالفقر بعد الغنى وبعسر الحال بعد يسره، أوصدت زوجاتهم الأبواب في وجوههم بعد أن صرفوا آخر قرش في محفظتهم لينفض من حولهم الأقارب، الأصدقاء، الزوجة والأبناء. يحكي لنا الحاج “صالح” في الستينات من العمر، التقيناه ببهو مستشفى مصطفى باشا في قسم الأمراض القلبية: أصبت بمرض القلب بعد خسارتي لأموال طائلة في صفقة تجارية وغرقت في الديون، عندها شرعت ببيع ممتلكاتي كالسيارات والفيلا، لكن زوجتي رفضت الانتقال للعيش معي في شقة وبدأت تفتعل الخلافات لتترك بيت الزوجية بعد 23 سنة من الزواج، دقائق فقد بعد خروجها من البيت أصبتُ بأزمة قلبية ودخلت إلى المستشفى، في تلك اللحظات فقط عرفت من كان يساندني ويحبني حقا ومن كان يتقرّب مني طمعا في مالي.
ومهما كانت الظروف والأسباب التي تدفع بأحد الزوجين إلى التخلي عن الآخر، إلا أن هذا لا يعدّ مبررا أو دافعا قويا لرحيله خاصة في حال إصابة أحد الطرفين بعارض صحي أو ضائقة مالية، فالحياة الزوجية تشارك وتقاسم لكل لحظات الشدة قبل الرخاء فالمعدن الأصيل يُختبر في المحن والشدائد وهناك يظهر أصله الطيب ومنبته الحسن.