ستة أحزاب إسلامية تتصارع على تركة الحزب المحظور
على بعد أربعة أشهر عن موعد الانتخابات التشريعية القادمة، وبينما سجلت الأحزاب المسماة بالإسلامية في كل دول شمال إفريقيا التي عاشت الانتخابات انتصارات كاسحة في المغرب وتونس ومصر، بات شبه مؤكد أن الانتخابات التشريعية في الجزائر ستفتح أبوابها لستة أحزاب على الأقل يقودها إسلاميون، منهم من كان من الرعيل الأول للصحوة الإسلامية التي شهدتها الجزائر في بداية الثمانينات من القرن الماضي، ومنهم من له توجهات إسلامية بحتة، رغم أن غالبية هذه الأحزاب “متورطة” بالتبعية ولو لفترة وجيزة للنظام الحاكم، وشاركت في مختلف الحكومات وبعض قادتها حملوا حقائب وزارية، مما جعل البعض ينزع عنهم الجبة الإسلامية ويعتبرهم من صلب النظام.
- ستة ملتحين وسبعة أحزاب بأسماء غير إسلامية
منذ أن منعت وزارة الداخلية عام 1995استعمال كلمة “إسلام” في مختلف الأحزاب حتى التي تدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية كخيار سياسي، اختفت كلمة الإسلامي من مختلف الأحزاب، وبقي رؤساء هذه الأحزاب والحركات على هيئاتهم التي اشتهروا بها، حيث يوجد حاليا خمسة منهم باللحى وهم بوڤرة سلطاني المعروف باسم أبو جرة، رئيس حركة مجتمع السلم وفاتح ربيعي رئيس حركة النهضة وميلود قادري رئيس حركة الإصلاح وعبد المجيد مناصرة أمين عام جبهة التغيير الوطني وعبد الله جاب الله رئيس حركة العدالة والتنمية، ويبقى محمد السعيد المحسوب على الاتجاه الإسلامي رئيس حزب الحرية والعدالة وحده حليق اللحية.
هل تعدد الأحزاب الإسلامية قوة أم ضعف؟ وما لفارق بينها؟ وإذا كان أحدها يدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية فما لذي يفرقه عن بقية الأحزاب الإسلامية؟ وإذا كان كل حزب من هذه الأحزاب الإسلامية ورئيسها يدعوان لوحدة ما يزيد عن مليار مسلم فلماذا لا تتحد هذه الأحزاب فيما بينها وتشكل قوة كبيرة، خاصة أن غالبيتها منشقة عن بعضها ومحتمل أن يكون عددها أكبر من ستة إذا علمنا أن الأمين العام لحركة الإصلاح السابق جمال بن عبد السلام المحسوب على الإسلاميين هو أيضا يطالب باعتماد حزبه الجديد.
كُشك وفيلم الرسالة والثورة الإسلامية الإيرانية
عرفت الجزائر حركة الأحزاب منذ ما قبل الثورة التحريرية، ورغم تواجد الحزب الشيوعي والأحزاب الوطنية إلا أنها لم تعرف أبدا أحزابا إسلامية، وحتى جمعية العلماء المسلمين رفضت اقتحام السياسة وحافظت على دورها الدعوي والتربوي، وظل التفكير في إنشاء أحزاب إسلامية حتى السرية منها شبه مستحيل خاصة في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، إذ بقيت الحركات الإسلامية والإخوانيون والسلفيون ينشطون في السر والكتمان، إلى أن توفرت بعض الظروف الداخلية والخارجية في أواخر السبعينات من القرن الماضي، حيث ظهرت جماعات الدعوة في مختلف المساجد، وهي جماعات لا علاقة لها بالسياسة ولم تدخل بعد ذلك عالم السياسة، إذ بقي هدفها دعويا بحتا تستوقف المصلين قبل مغادرتهم المساجد في الصلوات المفروضة لتجمع بعضا منهم في درس دعوي، كما أنها كانت أول من يُنظم الاعتكاف، ولكن سفرية بعضهم إلى باكستان بالخصوص وانتشار كتب المفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وحسن البنا جعل النظام يمنع هاذه الكتب ويعتبر مجرد وجودها لدى فرد جزائري بالجريمة.
وإلى غاية نهاية السبعينات كان الحجاب منظرا غريبا في الجزائر وحتى المساجد حكرا على الشيوخ فقط، إلى درجة أن بعض المساجد لا تؤدى بها صلاة التراويح إطلاقا لأن المصلين لا يعرفونها أصلا، رغم أن الجزائر كانت تشهد في زمن هواري بومدين أهم التجمعات الإسلامية على الإطلاق في تاريخ العالم الإسلامي المعاصر التي حضرها كبار المفكرين مثل البوطي والقرضاي والغزالي ومالك بن نبي ونايت بلقاسم ومحمد عمارة وحتى زعماء الشيعة ومنهم المختفي السيد موسى الصدر، وكان يحضرها طلبة جامعيون إضافة إلى أن هذه الملتقيات المسماة ملتقيات الفكر الإسلامي كانت تتجوّل من ولاية إلى أخرى، ولكنها كانت تهيئ لصحوة إسلامية أصبحت أمرا واقعا منذ أن تسلم الرئيس الشاذلي بن جديد زمام الحكم بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، حيث ساهم فيلم الرسالة للراحل العقاد في بلوغ الصحوة فئة من الشباب غير الجامعي المتأثرين بأفلام الويسترن والمافيا الذين اكتسحوا بعد ذلك المساجد، كما لعبت أشرطة الإمام الراحل عبد الحميد كشك دورا في ظهور أئمة كانوا يقلدونه في طريقة إلقائه للدروس وفي جرأته ثم تلاحقت الأحداث الدولية، فكان أهمها الثورة الإسلامية في إيران في فيفري 1979 التي بالرغم من بُعدها الشيعي، إلا أنها جعلت الكثيرين يطمعون في دولة إسلامية في الجزائر.
والغريب أن الإسلاميين في الجزائر إلى غاية سنة 1983 احتضنوا الثورة الإسلامية في إيران وكانوا يتلون خطب الإمام آية الله الخميني ويستشهدون بها في المساجد إلى درجة أن كتب الخميني كانت موجودة في مساجد الجامعات والإقامات الجامعية التي منها أثمرت هذه الصحوة، لتندلع بعد ذلك حرب أفغانستان وظهر خلالها التيار السلفي، وهاجر بعض الجزائريين إلى المملكة العربية السعودية ومن بعدها إلى أفغانستان، وسجلت الجزائر المئات من الذين سقطوا قتلى في الصراع مع الاتحاد السوفياتي بدعوى الجهاد ضد المد الشيوعي، وتغيّر في ذلك الوقت خطاب المساجد من الخطب الكلاسيكية التي كانت وزارة الشؤون الدينية هي التي تخطها ويكررها الأئمة صورة طبق الأصل، إلى خطابات جديدة صارت تذكر السيد قطب، وتروي ما يحدث في أفغانستان وأريتريا، وشارك في هذه الخطب التي لم يكن النظام يستحسنها بعض من رؤساء الأحزاب الحاليين مثل عبد الله جاب الله في مسجد “الباطوار” بمدخل حي بني مالك بسكيكدة، وأبو جرة سلطاني بمسجد الفتح بسيدي مبروك بقسنطينة وكلاهما من خريجي جامعة منتوري بقسنطينة، وهناك كانت انطلاقتهما الحقيقية رغم أن عبد الله جاب الله انتهى الأمر به في غياهب السجون، حيث خلفه في خطبة الجمعة ابن عمه سعد جاب الله، بينما خطف التدريس ابن مدينة الشريعة بولاية تبسة أبو جرة سلطاني فخاض تأليف الكتيبات الدينية، ولكنه في بداية التسعينات عندما كان يدرّس في معهد الأدب بجامعة منتوري صار يجلب الطلبة كممارس أيضا للرقية الشرعية، قبل أن ينضم لحركة الشيخ نحناح الذي يعتبر من أهم الشخصيات الإسلامية التي لاقت من العراقيل ومن السجن في سبيل قناعاته إلى أن رحل في عام 2003 حيث خلفه سلطاني الذي قد يدخل الانتخابات التشريعية القادمة زعيما لحمس بعد تسع سنوات من قيادته لهذه الحركة التي فقدت تعاطف الإسلاميين في عهده خاصة بعد تحالفه الرئاسي الشهير عندما أصبح صديقا للسيدين عبد العزيز بلخادم وأحمد أويحيى، ورغم انسحابه من التحالف إلا أن الصورة لم تتغير كثيرا بل ربما ازدادت سوءا.
تعددت الأسماء والمنبع واحد
الخارطة الإسلامية التي ستقدمها الأحزاب الإسلامية الستة التي ستخوض الانتخابات التشريعية مازالت ضبابية والناس تعرف الأسماء، ولا أحد يعرف مادة واحدة من برامجها بما في ذلك حركة مجتمع السلم، فمثلا خروج السيد عبد المجيد مناصرة من حركة مجتمع السلم وعزمه على بعث جبهة التغيير الوطني لم يكن حول خلاف في برنامج الحزب وإنما مع شخصياته، حيث أن ابن مدينة باتنة وهو من عائلة ميسورة الحال حقق قفزة سياسية مهمة عندما أصبح رئيسا للمنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين، كما ساهم عندما كان وزيرا للتجارة في بداية الألفية الحالية في خطف الجزائر لصفقة تجارية مع العراق عام 2003 ضمن ما عُرف في ذلك الوقت بالنفط مقابل الغذاء في زمن الحصار على العراق في عهد الراحل صدام حسين.
أما حركتا النهضة والإصلاح فيعانيان منذ فترة ليست بالوجيزة من صراعات داخلية طاحنة حيث يُحرج السيد حملاوي عكوشي رئيس الحزب الحالي للإصلاح ميلود قادري، ناهيك عن عزم السيد جمال بن عبد السلام بالاستقلال بحزب جديد قد يتنقل إليه آخرون من الإصلاح، وحالة النهضة أيضا مشابهة للإصلاح إذ أن فاتح ربيعي يتبرأ من الذين كانوا إطارات في حزبه مثل آدمي ودربال وبوغازي بعد أن تبوءوا أماكن عليا ويقول بأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، في الوقت الذي تتهيأ بقية الأحزاب على نار هادئة ومنها حزب الحرية والعدالة للسيد محمد سعيد الذي قاد الحملة الانتخابية للدكتور أحمد طالب الإبراهمي في الانتخابات الرئاسية لعام 1999 قبل انسحاب السداسي الشهير من السباق، وبعده الشيخ عبد الله جاب الله الذي اختار اسما لحزبه الجديد لا يختلف عن اسم حزب محمد السعيد وهو جبهة العدالة والتنمية ضمن الموضة العربية التي تذكر العدالة والتنمية تشبها بالحزب التركي الحاكم حاليا لرجب أردوغان.
وكانت الجزائر عندما بدأت التعددية الحزبية قد ظهرت بها العديد من الأحزاب التي اقترن اسمها بكلمة الإسلام مثل الحزب المحظور الجبهة الإسلامية للإنقاذ والحزب العربي الإسلامي البومدييني لصاحبه المحامي سعدي والجزائر المسلمة المعاصرة للدكتور أحمد بن محمد، قبل أن يقرر السيد جاب الله عبد الله دخول المعترك السياسي وهو الذي انتقد في البداية كل الإسلاميين الذين دخلوا السياسة وانشئوا الأحزاب، والغريب أن وزارة الداخلية في ذلك الوقت رفضت اعتماد حزب تحت تسمية حزب الله للدكتور رشيد بن عيسى الذي فضل الآن ما يشبه المنفى الاختياري كإطار في منظمة اليونيسكو في باريس.
قدم في الخارج وابتعاد عن الفكر السلفي
تأثر كل شخصيات الأحزاب الإسلامية بشخصيات إسلامية خارجية لا جدال فيه، رغم أن الشيخ عبد الله جاب الله لم يحدث وأن تحدث في خطبه سواء في المساجد أو كسياسي عن أي شخصية إسلامية معروفة في العالم، فالبعض يرى أنه منتمي للحركة الإقليمية ولكنه لم يكن أبدا سلفيا بالمعنى السلفي المعروف ولا إخوانيا كما عُرف عن الراحل محفوظ نحناح ومن خلفه في حركة مجتمع السلم، وكل رؤساء الأحزاب الإسلامية يسافرون بكثرة إلى الخارج وكلهم أدوا مناسك العمرة والحج وأحدهم زار البقاع المقدسة 24 مرة بين عمرة وحج.
كما أن مختلف الفضائيات العربية مثل العربية والجزيرة والحوار والمنار سبق لها وأن استضافت مختلف الوجوه الإسلامية الجزائرية المدعوة بعد أربعة أشهر للمشاركة في الانتخابات التشريعية، سؤال آخر لا أحد يعرف الإجابة عنه وهو كيف سيكون مسار الإسلاميين لو اكتسحوا البرلمان القادم وهو احتمال وارد وهل بإمكانهم أن يختلفوا عن أداء البرلمانات المتعاقبة في الجزائر خلال السنوات السابقة، خاصة أن وجوها من هذه الأحزاب ترأست البلديات والمجالس الشعبية الولائية، وكان لها نوابا وسيناتورات ولم تقدم شيئا ملموسا بل ذابت في النظام وصارت بوقا له، وفي أحسن الأحوال لعبت دور الكرسي الشاغر فكان الصمت هو ميزة أدائها، فعجزت عن إجبار البرلمان على منع استيراد الخمور بعد محاولتها الفاشلة في عام 2003 وعجزت عن دعوة فرنسا للاعتراف بجرائمها اتجاه الجزائر فكانت السنوات تمر والبرلمان الجزائري خارج الإطار رغم أن السيد عبد العزيز بلخادم قال مؤخرا أنه يعتبر جبهة التحرير الوطني حزبا إسلاميا لا يختلف عن الأحزاب الإسلامية الحالية في المضمون وهو لم يخطئ لأنها جميعا مثل الأفلان قليلة العمل ورؤساءها يشبهونه شكلا، وكلها ليست متعصبة ولا سلفية الأفكار وتتحدث عن الوسطسلام المعتدل، وتقدم العشرات من النساء كمترشحات وخاصة كمساهمات في الحملة الإنتخابية خاصة أن غالبية الأحزاب الإسلامية انبثقت من جمعيات خيرية كانت تبني أداءها على أداء النسوة فيها في مساعدة الأيتام وتعليم الأميين وحتى في حفلات الزواج الجماعي قبل دخولها المعترك السياسي بالسرعة السادسة، حيث ذابت فيها بشكل كامل واضمحلت التيارات اليسارية واللائكية والعلمانية وحتى الديموقراطية؟