الرأي

سقف العالم..!!

مروان ناصح
  • 3794
  • 1

حول فنجان قهوة، في مقهى رصيف، كان لقائي الثاني بصديقي الصحفي الجزائري الشاب، بعد أسبوع على لقائنا الأول، وها هو ذا يتربص لتشريح العمل الثالث من الأعمال “الدينية” للمخرج نجدت أنزور متسائلاً:

 هل تصدق أنني أمضيت أياماً عدة في مشاهدة مسلسل “سقف العالم” للمخرج أنزور على “اليوتيوب” حتى أتيت عليه كاملاً..؟! فقد فاتتني مشاهدته قبل الآن لظروف عدة.. ولا أنكر أنني استمتعت ببعض ما جاء فيه.. كما أغاظتني أمور عدة تتعلق بادعاء مخرجه أنه قد كرّسه لخدمة الإسلام، متمثلة في الرد “العلمي” على ما قامت به صحيفة دنماركية في العام 2005 من إساءة حاقدة إلى الرسول العربي الكريم، بنشرها رسوماً كاريكاتورية “سخيفة” ترمي إلى النيل من عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم.. واستفزاز مشاعر الغيرة الدينية عند المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها..

دعني إذن استمع إلى رأيك فيما أعجبك وأمتعك من هذا المسلسل..؟

 استمتعت بتفاصيل رحلة الرحالة العربي المسلم “أحمد بن فضلان” إلى بلاد الصقالبة البلغار.. حيث بدأها سفيراً للخليفة العباسي المقتدر بالله في القرن الثالث الهجري _ العاشر للميلاد ثم جنحت به الأقدار وأهوالها إلى أقصى بلاد الشمال الأوروبي _ الدانمارك حالياً _ ليطلع ويطلعنا _ فيما دوّنه من وقائع هذه الرحلة _ على مدى تخلف أهل تلك البلاد الذين كانوا غارقين في الجهل والخرافة والوحشية، وعلى الدور الحضاري الذي قيض له أن يقوم به في “إنارة” ظلام القرون المخيم على ذلك الشمال الأوروبي الذي يتغافل الآن عن تاريخه الأسود ذاك، ويتنكر للدور الرائع الذي قام به المثقف الموسوعي المسلم “أحمد بن فضلان” في انتشالهم من وهدة الوحشية المقيتة، وتفتيح عيونهم على معنى “التوحيد” في الإسلام، والسعادة التي يحملها إلى معتنقيه في الدنيا والآخرة…

لا شك فيما تقوله يا صاحبي.. فرحلة ابن فضلان من عيون أدب الرحلات العربية التي طالما شغفنا بها في مطالع الشباب..

حقاً إنها رحلة مشوقة.. وأشهد أنّ في بنائها الدرامي جهداً ملحوظاً في التجويد، بما يخدم إعادة تلك الرحلة بالكثير من تفاصيلها إلى الحياة من جديد على الشاشة الصغيرة.. رغم ما سمعته عن اقتباس كل من كاتب السيناريو والمخرج لكثير من المكونات الفنية للفيلم الأمريكي الذي أنتجته “هوليود” عن رحلة أحمد بن فضلان تحت عنوان “المحارب الثالث عشر”.. المأخوذ بدوره عن رواية بعنوان “أكلة الموتى” للكاتب الأمريكي “مايكل كريتشون”.

ليس هذا الاقتباس مما يضير الإنتاج العربي لهذه الرحلة فهو في إطار التبادل المشروع للتأثر والتأثير بين الفنون والثقافات.. لكنّ ما أساء إلى هذه الرحلة _ في تقديري _ شيء آخر مختلف.

ربما هو المبالغة في تضخيم “مفاعيل” ونتائج هذه الرحلة في تاريخ العالم باعتبار أن العرب لا يملون من المفاخرة بإنجازاتهم العلمية والحضارية في الماضي..

 حتى هذه يا صاحبي لا تعد في “النقائص” المعيبة!! فقد قرأت أن الرئيس جمال عبد الناصر عاد من رحلة له إلى الاتحاد السوفييتي السابق.. حيث وجد الروس ينسبون كل انجازات الإنسانية إلى علماء سوفييت.. فهم الذين اخترعوا “الراديو” قبل ماركوني، و”الهاتف” قبل جراهام بل، والصواريخ قبل فون بروان.. إلخ!! ولخص عبد الناصر رأيه للمثقفين العرب بقوله: إذا كان الروس ينسبون إلى علمائهم ما ليس لهم، فكيف نجرد أنفسنا من كل الذي لنا من الإنجازات..؟!

إذا كنت تعني سوء توظيف هذه الرحلة في خدمة ما ادعى نجدت أنزور أنه دفاع “علمي” عن النبي العربي الكريم.. فعندي على ذلك كثير من الشواهد وهي مما أغاظني في هذا العمل!!

هذا بالضبط ما أريد التوقف عنده.. فهات ما عندك أولاً..

 الربط، بين الحلقة الأولى التي دارت أحداثها حول الرسوم الدانماركية سيئة السمعة، ربط ضعيف ومفتعل، وخطابة مباشرة أولى بها أن تنشر كمقالة رديئة في الصحف العربية المعتادة على نشر مثل هذه الجعجعة الإعلامية دون طائل..

لقد أصبت كبد الحقيقة..!! فما بالك بالمقاطع الخطابية الكثيرة الجوفاء من لواحق هذه المقدمة الساذجة.. تلك التي تقفز في وجهك موقفة تدفق الرحلة بين الحين والآخر دون أي مبرر..؟؟!

وما بالك أنت، يا أستاذي، بأنشودة “طلع البدر علينا” التي ألصقها المخرج بالشارة المتكررة في مطلع كل حلقة وختامها، لإحداث مماهاة “فادحة” بين رحلة ابن فضلان وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ من مكة إلى المدينة، في تملق “فاشل” للاشعور المشاهد المسلم، عساه يرضى عن عملية التلفيق “الفاضحة” بين المكونات المتنافرة للمسلسل بمجمله..

 ثم ما بالك أخيراً بالمقتطفات الفجة من كتابات المؤرخين والفلاسفة كشهادات مهمة على نبل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ودوره العظيم في تاريخ الإنسانية، التي تقرأ بطريقة فجة دون أي رابط ظاهر أو خفي بسياق الرحلة.. وما هي في حقيقتها سوى دليل على جهل فادح بأصول الدراما.. وولع “غبي” باستغباء الناس، والوصاية عليهم تحت لافتة ” الدفاع عن الدين الإسلامي..”..!! لعمري إن كل ما سبق يذكرني بدفاع أدعياء الغناء عندما يقدمون للناس أغنية وطنية “رديئة” بكل المقاييس قائلين: إنها أغنية “وطنية”..!! متناسين أن الأغنية الوطنية ينبغي أن تكون “أغنية” قبل كل شيء آخر..!!

مقالات ذات صلة