سلامنية بن داود للشروق: المصريون شوّهوا عربيّتي
ليس من السهل أن تكتشف نفسك كاتبا بعد سن الخمسين، وليس من السهل أيضا أن تخرج على القارئ، بعد فترة اعتكاف، بكتابك الأول. هذا بالضبط ما حدث للكاتب سلامنية بن داود الذي بحوزته من لحظة اكتشاف ذاته الكاتبة المبدعة 17 كتابا ألفها في ثماني سنوات. كما فضّل هذا الكاتب الذي ينحدر من ولاية عين الدفلى أن يدخل على القارئ الجزائري من إحدى دور النشر الفرنسية وهي “إيدي ليفر”، وله في هذه السياسة التي انتهجها رأي وموقف.
ومن أهمّ ما يثيره هذا الكاتب في هذا الحوار، تلك التشوُّهات على مستوى لغته العربية التي تركتها عملية تمدرسه على أيدي أساتذته المصريين الذين استعانت بهم الجزائر في مرحلة من مراحل العملية التعليمية بسبب حاجتها إلى تأطير المدرسة الجزائرية، ولذلك لم يجد بُدّا من الاتجاه إلى اللغة الفرنسية كمنفى إجباري للكتابة، لكن سرعان ما استعاد ناصية العربية ليخوض تجربة الترجمة من وإلى العربية..
اكتشفت نفسك ككاتب بعد سن الخمسين، هل لذلك علاقة بظروف النشأة الأولى؟
أنا ابن قرية متمردة على وضعها البائس نتيجة السياسات التي مرت بها البلاد، والتي لا تخدم لا البلاد ولا المستقبل، والقرية اسمها بوراشد بولاية عين الدفلى، وحتى الاسم المستعار الذي أنشر به مشتق من القرية الموجودة بهذه البلدية المسماة “سلامنية”، وابن داود هو اسم جد الأب، لأن وجود كاتب سينما ومؤلف كتب بنفس اسمي الحقيقي وهو قلواز أحمد، جعلني أختار اللجوء إلى الاسم المستعار.
أما بالنسبة للكتابة، فقد كان من المفروض أن أكتب في وقت مبكر وباللغة العربية، لكن وجود الأساتذة المصريين الذين درّسونا في مرحلة الثانوي، والذين حرّفوا لغتنا العربية التي تعلّمناها على أيدي العراقيين والجزائريين وبعض الأساتذة السوريين، ما دفعني إلى الابتعاد عن العربية واللجوء إلى الكتابة بالفرنسية كبديل لهذا الوضع، ثم انتقلت عائدا إلى العربية ثانية عن طريق الترجمة، فكان الأجر أجرين، لأنني استطعت مخاطبة أجيال تقرأ وتكتب بهاتين اللغتين بفوارق متفاوتة.
أما إتقاني للفرنسية فيرجع إلى مدرسي الجزائري محمد زيدوك سنة 1965، وهو من علّمنا كيف نتجنب الأخطاء الخمسة في الإملاء التي تقصي التلميذ من الانتقال إلى المتوسط. وهناك فرنسيان أكملا العمل في المتوسط والثانوي وهما السيدان بانقيلي وبودري بثانوية مصطفى فروخي بمليانة، لكني لم ألتحق رسميا بالكتابة إلا وأنا في سن 54 من العمر، وهذا بعد حادثة اجتماعية أليمة مررت بها ما جعلني أعتكف ببيتي 17 شهرا كخلوة للانتقال من العمل التجاري إلى العمل الفكري عملا بوصية الوالد رحمه الله حين أرشدني إلى طلب العلم “يا وليدي يا الجيلالي أنت نتاع علم أرجع للستيلو..”، وهذا لما احتاج إلى من يكتب له شكوى إلى السلطات العليا في البلاد لاسترجاع أراضيه المؤمّمة.
الكتابة بالنسبة لك ليست ترفا إذن، إنها رغبة في إثبات الذات وكسب لقمة العيش في آن واحد؟
في مدة 8 سنوات نشرت 17 كتابا معظمها تراكم في ذهني نتيجة قراءاتي المتنوعة، وترجمت ما لا يقل عن 5 كتب تاريخية جعلتني أقوم بتصحيح عميق للتاريخ الرسمي الملقّن في التكميليات والثانويات..
بدأت أول كتاب وعنوانه “الجنوب عاصمة الغد الواعد” نشرته دار المعرفة و”إيدي ليفر” الفرنسية، وهو عبارة عن دراسة استشرافية لوضع متأزم تعيشه البلاد نتيجة اغتصاب الأراضي الفلاحية المجاورة للعاصمة والتني تعدُّ الثالثة عالميا من ناحية الخصوبة، وماتزال أذني ترن بتلك الكلمة التي قالها الرئيس الراحل هواري بومدين لمن شكّكوا في تحويل العاصمة إلى بوغزول بولاية المدية “أتعتقدون أنّ الجزائر مختصرة في شارعي ديدوش مراد والعربي بن مهيدي؟”. من هنا انطلقت الفكرة على أساس دراستي لعلمي الاجتماع والتجارة، وتجوُّلي في معظم ولايات الوطن ما أدى إلى استقرار تفكيري على إعادة استغلال الفضاء الواسع الذي يزخر به الوطن القارة الجزائر.
في سنة 2008 كنت أتوقع كل ما حصل بعد الربيع العربي وكل الأزمات التي تحدق بالجزائر في المرحلة الحالية، ما دفعني إلى الخوض في كتاب آخر عنوانه “حراڤة.. هؤلاء المهاجرون الأبديون”، وهو عبارة عن دراسة اجتماعية للوضع الذي حصل بعد الربيع العربي نتيجة الفساد وعدم تلبية رغبات مواطني العالم العربي، لأنّ الجزائر في سنة 1988 كانت سبّاقة لهذا التغيير، وعلى هذا الأساس توحّدت ألمانيا سنة 1989، وكان علينا أن نسرع في عملية التغيير، غير أنّ أفكار التيار المعاكس أعادتنا إلى ما كانت عليه البلاد من قبل، فتراجعت الرغبة في التغيير. ولي كتاب آخر تحت عنوان “المهاجرون الجزائريون” يعالج ظاهرة رجوع الجزائريين إلى بلدهم الأصلي، والدليل على ذلك رجوع بعض اللاعبين وبعض الكفاءات وأصحاب المؤسسات، وهذا ما يؤكد أنّ الحرڤة ليست حلا بالنسبة للشباب.
في الدراسات الأدبية كتبت عن ياسمينة خضرا وألبير كامو، كيف كان رأيك فيهما؟
لي كتاب “محمد مولسهول.. ياسمينة خضرا الآخر”، عبارة عن دراسة أدبية لكل روايات ياسمينة خضرا فيما يخص نظرته للقضية الفلسطينية، الحقبة الاستعمارية للجزائر، وكذا قضية الإرهاب التي ألصقها بالدول العربية، والتي هي في الحقيقة ناجمة عن صراعات أوروبية قديمة كالصليبية والصراع في إنجلترا بين الكنيسة والملكية. هذا الكتاب يستحقُّ رواجا كبيرا في فرنسا لإعادة النظر في كل ما أُلصق، عن قصد أو غير قصد، من مآس بالأمة الإسلامية، خاصة ما تعلق بظاهرة الإرهاب.
في النقد الأدبي دائما كتبت بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد ألبير كامو “ألبير الغريب.. كامو الجزائري”، وهو عبارة عن حوصلة لحياة أول من حاز على جائزة نوبل سنة 1957، وهو من مواليد بلد عربي، قبل حصول المصري نجيب محفوظ على نوبل سنة 1988، والكتاب يعالج الإشكالية التي تجسّدت في جملة كامو الشهيرة “أفضل أن أدافع عن أمي قبل العدالة”، وهي الجملة التي جاءت كرد فعل من الكاتب عن سؤال طرحه عليه أحد الطلبة الجزائريين الذين كانوا يدرسون بستوكهولم، أثناء إلقاء الكاتب لخطاب الجائزة، ما دفع كامو إلى الخروج عن صمته وصوابه.
وكشهادة للتاريخ، إن لم نقل إنّ ألبير كامو هو ابن الجزائر، فهو أحسن سفير لها عبر التاريخ، حيث استطاع في كتابه “بؤس منطقة القبائل”، أن يشرح الوضع الخطير الذي كانت تعيشه المنطقة، ما دفع بفرنسا الرسمية إلى مباشرة إطلاقها لمشروع الاندماج وبرنامج قسنطينة سنة 1958 عند وصول الرئيس الفرنسي شارل ديغول إلى الحكم شهر ماي من ذات السنة.
كيف أثر فيك تعاملك مع الصحافة؟
انتقالي إلى كتابة القصة القصيرة والوقائع حصل بسبب تعاقدي مع جرائد قصد كسب لقمة العيش، فتبادر إلى ذهني أنني أخاطب قراء الجريدة والكتب في آن واحد، لذا فضّلت نشر قصص قصيرة إلى جانب بعض الوقائع في سلسلة تشرح الوضع الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي، اعتمادا على الهزل الطريف النظيف، وكذا قوة الكلمات المعبرة عن الظواهر الاجتماعية المعاشة.
اشتغلت أيضا بالترجمة، كيف كانت التجربة؟
في الرواية، هناك مشاريع قيد الإنجاز تتمثل في رواية “على الرصيف” التي تتناول صراع الأجيال وتسليم الحكم في الجزائر عبر مخيّلات عديدة قد يأخذ منها نصيبا كبيرا، والثاني مخصص للحقبة الاستعمارية الفرنسية كنموذج لصقل الأفكار التي تغزو المجتمع الجزائري الحديث، وتبعده عن ثقافته وأخلاقه بالنظر إلى الاعتماد القوي على المادة التي تبقيها تابعة علميا وفكريا لأجيال عديدة. بالموازاة مع كل هذا، انتقلت إلى الترجمة وبالخصوص ترجمة الكتب التاريخية من الفرنسية إلى العربية والعكس، فكان أن ترجمت من الفرنسية إلى العربية كتاب “حرب الجزائر.. حقائق ووثائق” لفرنسيين أحدهما صحفي والآخر مؤرخ قاما عبر هذا الكتاب بجمع كل ما نُشر في صحيفة “لوموند” من سنة 1830 إلى غاية استقلال الجزائر. إلى جانب كتب أخرى منها “مراسلة الدايات”، “الجزائر في القرن 18″، “رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ”، بالإضافة إلى ترجمة رواية “المتسولة” للدكتور علي لحرش.
خوضك لمختلف فنون الكتابة، هل معناه أنك ماتزال تبحث عن نفسك ككاتب متخصّص؟
مستقبلا سأتخصّص في الرواية، لأنني كنت سابقا في مرحلة البحث عن الذات، أما اليوم وقد اشتغلت بمختلف فنون الكتابة أصبحت أرى أنه من واجبي أن أخوض في كتابة الرواية لأتمكن على المدى الطويل من تناول الظواهر الاجتماعية الجزائرية، خاصة تلك التي نعاني منها بصفة مباشرة في الوقت الحالي. كما أعمل حاليا على إتمام سيرة ذاتية ربما أصدرها العام المقبل أروي فيها دوافع توجهي إلى الكتابة، وهي تجربة مواطن جزائري عادي يكتشف نفسه متأخرا ككاتب، وهذا ما جعلني أقتنع أنه لا يوجد سن معيّن للثقافة أو الكتابة، وليس هناك مانع من استرجاع ما فقدناه بشرط الإيمان بطاقاتنا..
ما الذي دفعك نحو التوجه إلى دور النشر الفرنسية لتدخل على قارئ جزائري؟
عدد القراء الجزائريين قليل وضعيف نسبيا مقارنة بنظرائهم في الخارج على أساس أنّ الثقافة الموجودة في الغرب تعتمد على الكتابة على عكس ما يحدث في مجتمعاتنا التي تعتمد الثقافة الشفوية، إضافة إلى أن المواطن في الغرب يقرأ ما لا يقل عن 12 كتابا في السنة، أما المواطن العربي فلا يقرأ أكثر من صفحتين في السنة، وهذا لا يشرف أمة القرآن، أمة “إقرأ”، كما أن الكتاب صار في ذيل اهتمامات المثقف العربي الذي أصبح يتهافت على الصورة، وهنا يجب أن أنبّه إلى ضرورة تصحيح هذا الواقع مع الأطفال الصغار من خلال تعويدهم على المطالعة.