سوريا”الدماء”.. شعب بلا أعداء!
مجلس الأمن، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية، جامعة الدول العربية، روسيا والصين، دول أصدقاء سوريا، النظام السوري، الجيش السوري الحر، المعارضة السورية بكل أصنافها وأطيافها في الداخل والخارج.. هؤلاء جميعهم أصدقاء الشعب السوري.
ألا يعني هذا أن لا عدو للشعب السوري على الإطلاق؟، ومع ذلك فإن شلاّل الدّم مازال في الساحات، وتتطاير أشلاء أبنائه هنا وهناك، ويؤّرخ لمرحلة إبادة إنسانية بإشراف دولي وبث فضائي متواصل، بينما يتعلق الناس بأهداب النجاة برشاوي خطاب سياسي، تبث من كل الذين يريدون لسوريا الخير كما يدّعون مع أنهم يدفعون بها نحو حرب أهلية طويلة الأمد.
على مرّ التاريخ قام الصراع بين جماعات وشعوب لأجل مصالح بينة أو مستترة أو لأجل الطغيان والجبروت والاستبداد، لكن لم يحدث أن وجدنا شعبا ما -في حدود ما أعرف- يتحارب مع الأشباح، ويكدّس يوميا آهات المفزوعين عبر شراكة لرهانات المحبة، أيعقل أن تكون المقولة العربية القديمة “من الحب ما قتل” هي القاعدة الأساسية لما يحدث في سوريا اليوم؟!
“شيطنة” النظام.. والعالم
من الذي يرى في الأفق البعيد أو حتى تخوّل له نفسه القول: إن هناك أصدقاء للشعب السوري، وهو يرى أن الحل في مزيد من القتل؟، أيعقل أنه كلما بدت في الأفق طريق بوجود حل سياسي عمّ الدمار والقتل والخراب المكان؟، وفي حسابات الدول ورهانات الأمم تؤخذ سوريا بكل ما فيها”التاريخ، الميراث الديني والمجتمعي، البشر، العلاقات بينهم” أسيرة لما يمكن أن نعتبره بداية، ليس فقط لانهيار المنظومة العربية في جانبها القومي، ولا في أساليب العيش المشترك، وإنما لأجل أن يقل التصادم بين القوى الكبرى، وأتباعها من أولئك الذين يعتقدون أن في تدمير سوريا ـ إن تمكنواـ استمراراً لأنظمتهم.
هناك كما نرى، وقد انقسم السوريون حسب نهايات الارتباط، نتيجة لتعدد المصالح أو لتناقض الأيديولوجيا أو لمآرب أخرى نجهلها، شيطنة للنظام وحده، وقد يكون كذلك بالفعل بشكل نسبي، غير أن المطلق كما نراه هو شيطنة العالم كله، لجهة أن مصالح دول كبرى سواء لتغيير خريطة المنطقة، أو لقطع حبل التواصل بين ما يسمى جبهة الرفض والمقاومة، أو تحضيرا لإنهاء من يناوشون أو يشكلون إزعاجا لإسرائيل.
الأسد.. و”الأسد المتأهّب”
كل ذلك وغيره ليس وارداً فقط، لكنه واضح وعلني ومكشوف، وحين يقول بعض قادة الاستخبارات الإسرائيلية على عكس قادتهم السياسيين: إن حكم الأسد سيبقى لسنوات مقبلة، أو حين يرى المجتمع الدّولي أن رحيله بات وشيكاً أو حتى عندما تنطلق مناورات”الأسد المتأهب” من الأردن، فإن ذلك كلّه يعني أمراً واحداً، هو: أن قوى العالم ذات المصلحة المباشرة ترى في سوريا موقعاً جديراً بالاهتمام، ولا غرو حينها أن يصبح الشعب السّوري كُلّه رهينة تلك المصالح.
إن الذين يتباكون أو حتى يبكون بصدق على الأحداث الراهنة في سوريا لا يَخطون نحو حل يكون هدفه توقيف سفك الدماء اليوم وليس غدا، فالأطراف المختلفة حول سوريا ترجّح كفة المعادين للحكم أو كفة النّظام نفسه، وليست هناك جدّية في البحث عن شرعية بهدف استمرارية الدولة السورية، وإنما كل الأطراف تسعى جاهدة من أجل حرب أهلية طويلة الأمد.
نلاحظ هذا على مستوى الخطاب الدولي، بما في ذلك خطاب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، حتى أنه منذ أكثر من سنة ودول العالم الداعية للديموقراطية ترّوج لمسألة الحرب الأهلية، أنّى للشعب السوري أن يكون له أعداء في هذه الحالة؟، وأماني المعارضة أو دعاة التغيير أو الجماعات هي ألا تضع الفتنة الداخلية أوزارها حتى تقضي على النظام، حتى لو كان ذلك ثمنه انهيار الدولة بالكامل.
الحوار.. والحرب بالوكالة
لقد جالست، وحاورت، وهاتفت ممن أعرف أو لا أعرف من عناصر النخبة السورية، وخرجت بنتيجة واحدة هي: لا إجماع حول التغيير بالدم بتكلفة أرواح البشر، لكن هذه النتيجة تتبع في الغالب من الرافضين للنظام أو المؤيدين له بالقول: إن الحسم العسكري في المسألة السورية بات ضرورة، ما يعني أن هناك صوتاً داخل أولئك، قد يكون صوت غالبية الشعب السوري، يعلو بحثاً عن الأمان، وكل يفسّر الأمان بطريقته، ولن يتحقق ذلك إلا إذا سادت فكرة الغالبية لجهة أن الحوار بين المتقاتلين هو الحماية الوحيدة لهم، وللشعب أيضا.
واعتماداً على تجارب عربية ودولية سابقة، فإن الحوار سيكون البديل عمّا يعرف بالسلم في الحروب الكبرى، ليس فقط لأن القوى المتصارعة سيطول عليها الأمد، وستجد نفسها تقوم بحرب بالوكالة، ولكن لأنّ هناك حاجة لإنهاء الحرب أوالفتنة ولو طالت، وبما أن تلك النتيجة آتية لامحالة فلا مجال إذاً لتسويف الأمور، للاعتقاد بأن هناك حلاً يكون بالإقصاء واقتلاع الآخر من الجذور.
شرعيّة النظام.. وحريّة المعارضة
النظام السوري، على المستوى الإيديولوجي وعلى المستوى الحزبي وحتى على المستوى الطائفي، متمكّن بدرجة يصعب معها أن تحل المعارضة بديلا عنه، إلا إذا اكتسب الناس هناك وعياً ديموقراطياً، وبالمقابل فإن الشعب حين يتنفس الحرية يصبح خائفاً، بقدر ما حقق من انطلاق، من العودة إلى حياة الاستبداد، ما يعني أن الصراع القائم حاليا هناك هو بين الحرية والشرعية، وتكلفة تحقيق الحرية وأيضا تكلفة غياب الشرعية قد لا يستطيع الشعب السوري تحملهما، خاصة إن استمرت الحرب الأهلية الراهنة لسنوات أخرى.
أمران بات من الضروري أن يحلاّ بدل كل هذه المشاريع الدولية، أولها: الاعتراف بشرعية النظام من جهة وبحرية المعارضة من جهة ثانية.
الأمر الثاني: أن يكون الحوار، بعيد المنال حاليا، هو الطريق الوحيد للتلاقي بدل التنافر، وبما أنه حتى في حال سقوط النظام فإن من يأتون في حاجة إلى حوار مع مؤسسات الدولة السورية، فالأجدى بهم التخلّص من عبء الاعتقاد بأن إسقاط النظام أو إبعاد المعارضة يتم بالقوة المسلحة.
قد يبدو كل هذا الحديث ضرباً من الوهم بعد أن أصبح لسوريا أصدقاء كما يقولون أو يدّعون، والكل يخطب ودّها لكن بأرواح شعبها، وما إن تتّضح الصورة بشكلها النهائي، فعليها أن تعرف أعداءها، لأن ذلك سيؤهلها للخروج من أزمتها.