سوريا: من لعبة الثورات إلى لعبة الأقليات!
تمر اليوم، الجمهورية العربية السورية بإحدى أخطر مراحلها بعد تلك التي عرفتها في العقد السابق إباّن ما عُرف إعلاميا بثورات الربيع العربي. لم تكد هذه الدولة المركزية في العالم العربي تخرج من أتون حرب داخلية لم تُبق ولم تذر منذ سنة 2011، حتى بدأت اليوم تلوح في الأفق ملامح صراع طائفي داخلها ستكون له نتائج وخيمة إن لم يتم التحكم فيه بآليات سريعة وفي وقت قصير. يدل هذا أنَّ المستهدف بالأساس سواء في المرحلة السابقة أو الحالية كان دائما الدولة السورية بمركزيتها في المنطقة ودورها التاريخي والحضاري عبر العصور. تكفي رمزية العاصمة دمشق للدّلالة على ذلك ويكفي التكالب عليها خلال العقود الماضية وإلى اليوم للتأكد من ذلك.
يسمح لنا هذا الواقع الجديد اليوم بمراجعة وتقييم مواقف تلك الدول والجهات التي كانت تدفع ملايير الدولارات لأجل تأجيج الصراع الداخلي في سوريا مقارنة بما يمكنها أن تفعل اليوم وقد بدأت الكثير من المخططات تلوح في الأفق بشأن وحدة هذه الدولة ومركزية عاصمتها دمشق. هل بإمكانها منع تنفيذ المخطط الصهيوني الذي بدأ يتحرك في أكثر من مكان؟ هل بإمكانها وقف سياسة التفتيت الطائفي؟ هل بإمكانها إنفاق ملايير الدولارات الأخرى لإعادة بناء القدرات العسكرية للجيش العربي السوري بعد أن حطّمت القوات العسكرية الصهيونية ما بقي لديه من قوة في الساعات الأولى لسقوط النظام السابق؟ أم أن الشعب السوري سيُترَك لحاله يقضي عقدا آخر من الزمن أسوأ من العقد السابق في ظل انعدام الأمن والاستقرار؟
يبدو أن عودة العنف الداخلي لسوريا هذه الأيام يعد مؤشرا خطيرا على وجود مخططات تدميرية قادمة مُعَدَّة ضد هذه الدولة بغض النظر عمَّن يحكُمها!
لقد بات واضحا اليوم ذلك التضخيم الإعلامي الكبير للطوائف والأعراق والفرق الدينية في سورية. وكأنه البلد الوحيد المتنوع في المنطقة والذي به أقليات، حتى بتنا نسمع عن طوائف ربما لا يزيد عدد أفرادها عن المئات!! رغم أن كل الإحصائيات هي تقديرات غير رسمية وغير موثوقة وبعضها يستند إلى إحصائيات قام بها المستعمر لأغراض معروفة في ثلاثينيات القرن الماضي! ذلك أن الدولة السورية الحديثة ما كانت لتقوم بإحصائيات إلا على أساس المواطنة. فكيف أصبحت الأرقام والنسب والتقديرات اليوم تقدم للرأي العام وكأنها حقائق ثابتة عن الأكراد والدروز والعلويين والسنة وغيرهم من الطوائف، بل كيف بات يتم تقسيم كل طائفة أو عرق إلى طوائف وأعراق فرعية لا متناهية في الصغر؟
ألا يدل هذا أن الهدف هو تحطيم هذه الدولة مهما كانت صفتها؟ ألا يدفع هذا إلى ضرورة الانتباه إلى أن المسألة لا تتعلق بإسقاط نظام سياسي ظالم وإحلال محله نظام سياسي عادل، إنما بإسقاط كليهما معا، لكي تحل فوضى في هذا البلد تُنتِج باستمرار فوضى أخرى أشد وإلى ما لا نهاية؟
ألم تكن هذه هي لعبة الأمم في سوريا ومازالت إلى اليوم؟
للأسف الأمر يبدو كذلك، فبعد تغيير الراية الوطنية السورية السابقة، تُرفَع اليوم رايات أخرى في سوريا! جنوبا تحمل شعار الدروز وشمالا تحمل شعار الأكراد وعلى الساحل تحمل شعار العلويين… وهذا ليس بالأمر الهين باعتباره يضرب هذا البلد من الداخل ويسعى إلى تفتيته…
لذلك، فإن الأمل الوحيد يبقى في أن لا تطول مدة الحوار الوطني المفتوح اليوم ليُخرج هذا البلد من هذا الانحدار الخطير الذي يتجه نحوه.. والطريق الأسلم لتحقيق ذلك ينبغي أن يمر عبر مصالحة وطنية شاملة تطوي صفحة الماضي وتُخرج سوريا من براثن اللعبة الدولية التي فتكت بها ومازالت تفعل إن استمر الاستقطاب على حاله كما هو عليه اليوم…