سوريا وروسيا.. ونذر حرب عالمية ثالثة
منذ أن انطلقت الأحداث في سوريا، وقد كانت بدايتها سلمية، أجمع كثير من المراقبين على أن قطع الدومينو لن تتهاوى بالصورة المتوقعة في سوريا، مثلما جاءت بسرعة فائقة في أخواتها، ليس فقط لأن هناك مقولة في عالم السياسة فرضتها الطبيعة الجيوستراتيجية لسوريا ومصر، تختصر في العبارة التالية: ” لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا”.
ذلك أن الواقع العربي أثبت أنه في حربنا مع الكيان الإسرائيلي أن هناك حربا وقعت في 2006 كانت عدوانية من طرف إسرائيل على لبنان وتجمّعت فيها كل قوى الشر لهزيمة المقاومة اللبنانية ممثلة في” حزب الله” وباءت بالفشل، كما أن هناك سلاما وقع منذ كامب ديفيد ولا يزال مع أكبر دولة عربية وهي مصر وسيظل سواء أكان الإسلاميون في حكم مصر كما هو الآن أم حلّ غيرهم من القوى السياسية الأخرى كما يلوح في الأفق، ما يعني أن السلام وقع ولم تؤثر عليه سوريا بل على العكس من ذلك وجدت نفسها مكسورة الجناح، وزاد من عجزها وهوانها احتلال العراق، ثم سقوطه في الفوضى التي نراها.
إذا كل المعطيات العربية في الوقت الراهن وما قبلها بسنوات تؤكد على أن سوريا تحارب وحدها، لكنها قبل الأحداث، التي أغرقتها في الدماء، ومن أجل دفاعها عن بقائها كانت تحارب سلما، إن جاز التعبير، على غير أرضها، تماما مثلما تقوم الولايات المتحدة الأميريكية عبر جيوشها المنتشرة في العديد من الدول، أما في الوقت الراهن، فأنها بلا شك تقترب من النهاية وهي أمام احتمالين اثنين، إما أن يبقى النظام إلى غاية 2014 ، أي حتى انتهاء الفترة الرئيسية للرئيس بشار الأسد، ويبدو ذلك ما يميل إليه الطرف الروسي، وإما يتم القضاء على النظام من المعارضة المسلحة، بتدخل خارجي غير مباشر كما هو الآن، وهذا يشي بحرب عالمية ثالثة في الأفق.
قطب جديد
يبدو كلامي السابق ضرباً من الوهم أو نوعاً من التخيل المقزز أو حتى الادعاء بغير رؤية صائبة أو غير ذلك من التقييم المحق في الغالب، بناء على المعطيات الخاصة بميزان القوى بين الدول الكبرى الفاعلة في الوطن العربي، لكن ما أستند غليه في تحليلي السابق، هو أن هناك قطبا جديدا يتشكل من روسيا إلى لبنان ستكون فيه تركيا على المحك، لأن تشترك في مساحة اختلاف مع الصين ومع روسيا أيضا، وستكون إيران في مواجهة الأحداث خصوصا بعد الضغوط الدولية المتواصلة عليها في حصار سيدفعها للخروج من مغارة النار التي تشتعل حولها.
كثير من المحللين يعتقد أن روسيا اليوم تبحث على موطيء قدم في المياه الدافئة، وهذا صحيح لكنه ليس العامل الوحيد، ذلك لإننا أمام قيادة جديدة للعالم يدعمها من ناحية العددية على الأقل نصف سكان الكرة الأرضية، وان هذه القيادة لا تود العودة إلى ما قبل الأحداث الأخيرة في المنطقة العربية، وبمنظور الاستعمار القديم وبعيدا عن المباديء والدفاع عن الشرعية، فإن روسيا أيضا تسعى من أجل الحصول على جزء من التقسيم الحادث للمنطقة العربية، هذا البحث سيكون بلا ريب مُكلفا لها وللعالم، ورفضها الدائم لاستعمال القوة تجاه النظام السوري، والذي يحمل في طياته الدفاع عن الشرعية، هو في العمق دفاع عن البقاء سواء من منطلق الصراع الديني أو الجغرافي أو حتى التنموي، وتكلفة هذه العملية قد تنتهي بنا إلى حرب عالمية ثالثة.
خريطة ملتهبة
لننظر امتداد الخريطة الآن في هذه اللحظة الصعبة من تاريخنا، مقاومة متربصة وثابتة في لبنان تنتظر لحظة الانطلاق، ودولة هي سوريا مشتعلة شظايا قد تتطاير في المستقبل المنظور بل في الأسابيع القليلة القادمة وتحرق بعضا من لبنان وسوريا وتركيا والعراق، وقد تصل شظايها أيضا إلى المملكة السعودية في مرحلة لاحقة، وهي ـ سوريا ـ في انهيار نظامها ستقوم دويلة أخرى للأكراد وسندخل في حرب بين مذهبية وطائفية بين العلويين والسنة، وذلك جزء من الصراع المذهبي داخل العالم الإسلامي.
وبالقرب من سوريا دولة كبيرة هي إيران، التي لا ندري إن كانت وصلت إلى النهاية في برنامجا النووي أم لا، يحاصرها العالم من أجل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهي تتحايل وتحفر الأنفاق برا وبحرا.. قد تأتي منها المفاجأة في الحرب المقبلة، وأراض ومياه عربية أخرى هي حلبة الصراع في المستقبل ستتأثر سلبا وليس إيجابا بالتأكيد من الأحداث في حال انهيار النظام السوري.
لأي حرب تستعد روسيا!
ترى من ذا الذي سيسقط الشرعية في سوريا؟ وما تبعات ذلك كله؟، خصوصا إذا طبق البند السابع الذي تدعو إليه الدول الغربية وترفضه روسيا بشدة، ولنقترض هنا أنه طبق ودعمت قوى المعارضة المسلحة بالمال والعتاد والاستخبارات أو حتى وجدت من يقاتل إلى جنبها أو بديلا عنها.. فكيف لدول العالم الكبرى أن تحتاط لضرب متوقع في عمق إسرائيل؟، أو أنّى لها أن تدخل الحرب المتوقّعة في ظل تراجع اقتصادي ملحوظ، وأزمات ديون وبطالة تجتاج دول الاتحاد الأوروبي، ووضع سيء يلقي بضلاله على الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية؟.
كيف لهذه الدول جميعها أن تواجه روسيا المتصاعدة اقتصادياً، والتي تبدو مستعدة للذهاب بعيدا حتى لو دخلت في حرب من أجل سوريا، بل إنني استمعت لأحد الخبراء العسكريين الروس منذ ستة أشهر، على ما أذكر، في قناة “روسيا اليوم” في برنامج “بانوراما”، وكانت الحلقة بعنوان لأيّ حرب تستعد روسا؟ قال فيه: إننا سندافع عن سوريا حتى لو دفعتنا الظروف لاستعمال القوة العسكرية”، وفي نظري أن الوضع في سوريا يمثل أمنا قوميا بالنسبة لروسيا والصين ايضاً، ويعود ذلك إلى وجود أقليات مسلمة فيهما، لا تود الدولتان أن يكون لها امتداد داخل الوطن العربي، خاصة بعد النجاح الذي حققه الإسلاميون في الانتخابات.
بالطبع تغيّرت الأمور الآن، وواضح أن روسيا تحاول إيجاد مخرج للأزمة بحيث لا تكون مُكلّفة، وهناك تغير من الناحية التكتيكية، لكنها استراتيجيا لا تزال ثابتة، وهذا واضح في خطابها، وقد ذهب بعض المراقبين إلى اعتبار زيارة بوتين الأخيرة إلى إسرائيل خطوة نحو إبعادها عن المشاركة في أيّ حرب متوقعة في المنطقة يتم التحضير لها الآن.
العرب.. وُقُودها
المشكلة ليست في التغير الذي سيحصل في سوريا من حيث هو ضرورة، ولكن المأساة الكبرى في تكاليف هذا التغيير، ومنذ 1991 عاشت منطقتنا حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية والقصف المتواصل للعراق ثم احتلاله في 2003، ونسينا في كل ذلك القضية الفلسطينية ـ رغم حضورها الإعلامي ـ والانتفاضات المتتالية والتي كانت تكلفتها باهضة لم تأت أكلها، وشنت إسرائيل حرباً في 2006 لا تزال آثارها الى اليوم على لبنان، وحدثت تغيرات جمة، وذهبت أنظمة وجاءت أخرى، وفي كل هذا لعب الغرب دوره إما بالمساندة في الأيام الأخيرة للثورة التونسية، أو التدخل المباشر والدموي كما هو في ليبيا، أو اقتناص الثورة ووضع ترتيبات جديدة مع القوى الصاعدة كما هي الحال في مصر، وربما الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة كان اليمن بحكم علاقات الغرب بدول الخليج وعلى وجه الخصوص السعودية.
إذن من الناحية العملية ليست سوريا نهاية الحرب الاستعمارية الجديدة على الوطن العربي، لكنها إن سقطت في لعبة التغيير وبضغط خارجي ستكون ما قبل النهاية بالنسبة للمنظومة العربية، وستكون الطريق مفتوحة إلى السعودية، وما التصريحات الأخيرة المتعلقة بحقوق الإنسان من طرف روسيا إلا بداية لحرب أخرى، بحيث ستواجه المنطقة كلها حرباً طويلة الأمد في الحقبة الاستعمارية الجديدة.
ملامح حرب عالمية ثالثة سيكون العرب هذه المرة هم وقودها الأكبر، ندعو الله مخلصين أن يبعدها عنا ويجنب أمتنا شرورها، ولكن إن وقعت فلا نلومّن إلا أنفسنا، فقد رفضنا الحل العربي وسارعنا عن طريق الجامعة العربية إلى تدويل القضية السورية، وحينما نتأتى بالعالم إلينا من أجل حل مشكلة داخلية فلا نعجب ولا نبكي ولا نندم، ولنقبل نتيجة أن نصبح نحن وقضيتنا كرماد تذروه الرياح، وما أبشع الرياح حينما تأتي شديدة، ومن كل الجهات.