سورية ورسالة إلى السفير البريطاني
يقول الشاعر الإنجليزي وليام وودز وورث في واحدة من أجمل قصائده:إذالم تكن قهوتك ساخنة، حاول أن تبتسم وحين لا يتصرف جيرانك بلباقة حاول أن تبتسموإن كان أقاربك دائما يتشاجرون حاول أن تبتسم إلى آخر هذه القصيدة التي تعبر بدقة عن كياسة الشعب الإنجليزي وهدوء أعصابه، لكني لم أستطع اتباع هذه النصيحة وأنا أقرأ مقالة السفير البريطاني السيد مارتن روبر في الشروق الخميس 16 / 5 / 2013 عن اللاجئين السوريين ومشكلتهم التي تتفاقم، ولاشك أني أقرأ ما يكتبه السفير في الشروق التي تقدم بإتاحتها الفرصة للدبلوماسيين الأجانب بالكتابة فيها عملا إعلاميا مفيدا جدا لنا نحن القراء الجزائريين، كما تقدم لهم فرصة طيبة ليتحدثوا لهذا الشعب عن بلدانهم ويسهمون في بناء علاقات طيبة وإنسانية بين الشعوب.
لكني لم أستطع الإبتسام فقد تذكرت وأنا أقرأ مقالته عما تقدمه بريطانيا للاجئين السوريين حكاية من حكايا تراثنا العربي تقول إن صيادا اصطاد عددا من العصافير في يوم بارد..فنزلت دموعه وهو يذبحها بسكينة واحدا تلو الآخر، فقال لآخر انظر إلى دموع هذا الصياد المسكين، فقال الآخر لاتنظر إلى عينيه بل انظر إلى يديه.
وهكذا حدثنا سعادة السفير عن دموع بلاده من أجل الشعب السوري معتقدا أننا في الجزائر وعموم المغرب العربي يمكن أن ننسى ما فعلته بلاده بريطانيا في سورية والمشرق العربي عموما.
فالمأساة في سورية وفي المشرق العربي بدأت منذ أن تخلت بريطانيا عن وعودها للحسين بن علي واتفقت مع فرنسا في اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة وتقاسمت تلك البلدان، وحين رفع سعيد الجزائري عام1918 علم استقلال سورية جاء ضابط المخابرات البريطاني الكذاب لورنس وأنزل علم الإستقلال وأسقط هذه الحكومة واعتقل سعيدا وقتل شقيقه عبد القادر الذي بدأ بتأسيس جيش جديد، وحين وصل فيصل الأول طلب منه الجنرال الفرنسي غورو إلغاء هذا الجيش الوليد، وكانت معركة ميسلون فاحتلت فرنسا سوريا تنفيذا لاتفاقية سايكس بيكو ولم تحرك بريطانيا ساكنا بل راحت تؤسس إمارة شرق الأردن وتؤسس لها جيشا قاده الضابط الانجليزي بيك، ثم الضابط كلوب وزرعت دائما المشاكل بين الأردن وسورية. وأما فرنسا فأسست جيشا جديدا في سورية ضباطه من السنة ومراتبه الأخرى من العلويين.. إلى أن جاء حسني الزعيم – كردي- وقام بأول انقلاب في الوطن العربي وظلت سورية تعاني من الإنقلابات التي يقوم بها ضباط فرنسا ضد ضباط بريطانيا في هذا الجيش، وحين أقام الضباط العروبيون الوحدة مع مصر ..كانت أمريكا قد اخترقت هذا الجيش وقام الضابط عبد الكريم زهر الدين عام1961 بانقلابه على الوحدة، وعادت الإنقلابات حتى سبعينيات القرن العشرين حين استولى الضابط العلوي حافظ الأسد على السلطة بدعم بريطاني فرنسي مباشر وجعل كبار ضباط الجيش السوري من العلويين وجنوده من السنة
.
ولا يستطيع السفير أن ينكر أمرين:
1- أن المشاكل التي يعيشها المشرق العربي كله هي من صنع وزارة الخارجية والمستعمرات البريطانية بمقاومتها الجدية والعنيفة للمشروع الوحدوي البريطاني وإقامتها لإسرائيل، ولو لم تفعل بريطانيا ذلك لكانت علاقتها بالعرب علاقة إنسانية بين الشعوب، كما يريد أن يفهمنا السفير في مقالته عن المساعدات البريطانية للاجئين من الشعب السوري الذي ماكان أن يحدث له مايحدث لولا بريطانيا وسلوكها الإستعماري غير الإنساني، وأحيل سعادة السفير إلى أرشيف وزارته وتقارير الموظف فيها آنذاك المؤرخ المعروف أرنولد توينبي الذي عارض معاداة فكرة الوحدة العربية وإقامة إسرائيل، فأهمل العقل الاستعماري في الوزارة تقاريره، وهاهو العالم يشهد اضطرابا واسعا يلحق الأذى ببريطانيا نفسها نتيجة عدم الإصغاء لصوت العقل الذي ظهر عند توينبي.
2- ولا يستطيع سعادة السفير أن ينكر أن لندن هي المقر الرئيسي للمعارضين السوريين قبل فرنسا وأمريكا، وخاصة أولئك الذين يتمسحون بالدين، وهي التي أمدتهم بكل أنواع الدعم، وقد فعلت الشيء نفسه مع أدعياء الدين الجزائريين الذين عرضوا الجزائر وعموم المنطقة إلى خطر كبير، فكيف يمكن للسفير البريطاني أن يتبجح بالمساعدات التي تقدمها بلاده لضحايا جريمة هي بالأساس من صنع بلاده وصنع حلفائها من الدول الاستعمارية واشنطن وباريس وغيرهما ..إنه يبكي تماما كذلك الصياد وكذلك ليس بإمكان السفير أن يدعي أن بلاده لم تشارك في غزو العراق وأنه تم اغتيال ذلك المفتش الذي كشف أن العراق لايملك أسلحة دمار شامل .. كما ليس بإمكانه أن ينكر أن بلاده وحلفاؤها هم الذين صنعوا ابن لادن في مواجهة موسكو الشيوعية وليس بإمكانه أن ينكر أن بشار الأسد تعلم طب العيون في لندن التي كانت تؤويه مع تلك المعارضة، وكلاهما تخرج على يد الفكر البريطاني، وهاهما يتقاتلان تحت مسميات الإرهاب والطاغوت .. لمصلحة الفكر الاستعماري بكل أطيافه الأوروبية والأمريكية، واللاجئون السوريون ياسعادة السفير مثلهم مثل اللاجئين الفلسطينيين والصوماليين والماليين غير فرحين بهذا الفتات الذي تتبجحون بتقديمه لهم، إنهم يريدون أن تتوقفوا عن إشعال الحروب بينهم وفيهم، وأن يعود كل لاجئ إلى بلاده السوري إلى دمشق والفلسطيني إلى حيفا وكذا الصومالي وكذا كل لاجئ في هذا العالم .. ولا يكون ذلك إلا حين تتخلوا عن العقل الإستعماري.
بالتأكيد ياسعادة السفير إنك لن تستطيع أن تفعل ذلك، فما أنت إلا موظف يتبع التعليمات لتحسين صورة بلاده، لكنها صورة لن تتحسن..فصورة الإستعمار البريطاني والفرنسي والأمريكي أكثر بشاعة من صورة الشيطان، سواء ظهر لنا هذا الشيطان على هيئة بشار الأسد أو على هيئة نوري المالكي أو كان يرتدي عمامة أو برنيطة.
وأما هذه الملايين التي تدعي أن بلادك تصرفها على اللاجئين السوريين، فهي النزر القليل مما نهبته وتنهبه بريطانيا من خيرات الشعب السوري والشعب العربي كله … إن البذلة الأنيقة التي ترتديها ياسعادة السفير يعلم كل طفل عربي في آخر قرية عربية أنها من أموال النفط العربي الذي تنهبون، وقبل النفط نهبتم القطن المصري لصالح مصانع مانشستر، ونهبتم الحرير الدمشقي لصالح مصانع ليون الفرنسية..
إنكم في مدارسكم السياسة علمتمونا ولازلتم أن السياسة لا أخلاق لها ولا صداقات لها، بل مصالح…. وها أنت في مقالك تريد أن تفهمنا أن سياستكم لها أخلاق ولامصالح لها مع اللاجئين السوريين …
أريد هنا أن أذكرك برجل استعماري من بلادك عاش مع عرب المشرق وعاث في بلادهم فسادا هو الجنرال جون باجت كلوب “أبوفارس” الذي كان يتحدث العربية باللهجة البدوية ويكتبها كأفضل أديب عربي، والذي أنعمت عليه ملكتكم بلقب سير… فهذا الرجل حين انتهت مهمته الاستعمارية ..وعاد إلى بيته في لندن وعادت إليه أخلاقه الإنسانية .. قضى بقية عمره نادما وراح يحاضر ويؤلف الكتب عمّت فعلته بلاده ضد العرب وصار – في الوقت الضائع – يؤيد قضاياهم .. أما ابنه فارس فلم يطق العيش في بريطانيا وظل مع العرب إلى أن توفي في حادث سير، وهو يعمل صحفيا في وكالة الأنباء الكويتية، ولا أذيع سرا إن قلت لك إنه كان يعمل في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية بلبنان .. ولم يقتنع يوما أن للإستعمار أخلاقا..بل الأخلاق كل الأخلاق عند الشعوب.. وأريد أن أذكرك يا سعادة السفير أن ليس في المكتبة العربية منذ أن اخترع العرب الفينيقيون في الشام الكتابة أي كتاب يتحدث ضد أي شعب آخر، وليس هناك بيت واحد في الشعر العربي يحض على كره طائفة أودين حتى الأديان الوثنية … ولاحاجة هنا لأن أذكرك بما كتبه شاعركم ومسرحيكم الكبير وليام شكسبير عن اليهود وعن المغاربة.. وأرجو لك أن لا تندم كما ندم جون باجت كلوب أو كما ندم الفرنسي فيكتور هيجو بعد أن هجا الأمير عبد القادر ولا أن تكون كشاعركم في الهند روديارد كبلنغ … فالاستعمار بلا أخلاق حتى لو بكى على ضحاياه، فهو بحد ذاته جريمة سواء كان مباشرا أو غير مباشر، قديما وجديدا.