سُرّاق ونصّ!
حدّثتني أستاذة جزائرية تدرّس وتقيم منذ سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، أن القوانين في بلد “العمّ سام” تحيل أيّ موظف، على اختلاف منصبه ورتبته، مباشرة على العدالة، في حال تغيّب ثلاثة أيام متتالية من دون مبرّر مقنع وموثق.. فما كان عليّ إلاّ أن أحكّ رأسي وأصمت مؤقتا!
صمتي لم يكن نابعا من عدم القدرة على الرّد والتعليق، ولكن لأن مخيّلتي المليئة بمثل هذه التجارب، هربت بي بعيدا.. وبعد أن استعدت عقلي، قلت لهذه الأستاذة المحترمة: أما في الجزائر فإن القانون ساري المفعول، والخاص بتنظيم العمل، فإنه يعتبر كلّ من غاب 48 ساعة متتالية من دون تبليغ وبلا مبرّر، في حكم المتخلّي عن منصب عمله!!
بين المتابعة القضائية والتخلّي عن المنصب، نتساءل: هل فعلا كل من تجاوز غيابه اليومين تمّ تصنيفه في خانة المتمرّد والعاصي؟ وهل التخلي عن المنصب يقتضي الفصل النهائي منه؟ أوليس هناك تمييز ومفاضلة بين المتغيّبين والمستهترين والمتلاعبين بالوقت؟
إن سرقة الوقت والتحايل في الوظائف ومناصب العمل والشغل، هو عدوى تحوّلت بفعل التقليد والانتقام و”المعاندة”، إلى وباء يقتل التنمية والسير الطبيعي للبرامج، ويقتل بالتالي أيّ تغيير باتجاه ما يخدم البلاد والعباد!
المصيبة، أن سرقة ساعات وأيام العمل، ليست حكرا على صغار المستخدمين والموظفين فقط، وإنّما هي للأسف صناعة يتفنن فيها وزراء ومسؤولون ومديرون وولاة وأميار ورؤساء مصالح.. والحمد لله أن ثمّة قلّة “تخاف ربّي”، فتضمن الحدّ الأدنى من الخدمة، وإلاّ لأغلقت كلّ الإدارات والمؤسسات!
هؤلاء “اللصوص” يسرقون الوقت الذي هو كالسيف إن لم تقطعه قطعك.. يسرقونه إمّا بالتأخر المفرط وإمّا بالتغيّب المتكرّر، وإمّا بـ “الجسور” التي يقفز عبرها من المناسبة الدينية إلى المناسبة الوطنية، كعطل مدفوعة الأجر!
لعلّ الأيام التي تضيع في الأعياد والعطل الموسمية والسنوية، وعطل نهاية الأسبوع، إضافة إلى عدد أيام التغيّبات وساعات التأخرات، أصبحت أكثر بكثير من فترات العمل وبذل الجهد من أجل الإنتاج والإنتاجية وتقديم خدمات.. وهذه واحدة من الأسباب التي تجعلنا نجلس في آخر القطار!
ربّما لا يُنصح إطلاقا باستنساخنا للتجربة الأمريكية، التي تجرّ المتغيبين إلى المحاكم، وإلاّ لتمّ إعدام المئات والآلاف من العمال والموظفين والمسؤولين، واصطففنا جميعا أمام مقصلة الخروبة التي أكلها الصدأ فأكلنا التخلّف!