-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سُرّاق ونصّ‮!‬

جمال لعلامي
  • 1926
  • 0
سُرّاق ونصّ‮!‬

حدّثتني‮ ‬أستاذة جزائرية تدرّس وتقيم منذ سنوات في‮ ‬الولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬أن القوانين في‮ ‬بلد‮ “‬العمّ‮ ‬سام‮” ‬تحيل أيّ‮ ‬موظف،‮ ‬على اختلاف منصبه ورتبته،‮ ‬مباشرة على العدالة،‮ ‬في‮ ‬حال تغيّب ثلاثة أيام متتالية من دون مبرّر مقنع وموثق‮.. ‬فما كان عليّ‮ ‬إلاّ‮ ‬أن أحكّ‮ ‬رأسي‮ ‬وأصمت مؤقتا‮!‬

صمتي‮ ‬لم‮ ‬يكن نابعا من عدم القدرة على الرّد والتعليق،‮ ‬ولكن لأن مخيّلتي‮ ‬المليئة بمثل هذه التجارب،‮ ‬هربت بي‮ ‬بعيدا‮.. ‬وبعد أن استعدت عقلي،‮ ‬قلت لهذه الأستاذة المحترمة‮: ‬أما في‮ ‬الجزائر فإن القانون ساري‮ ‬المفعول،‮ ‬والخاص بتنظيم العمل،‮ ‬فإنه‮ ‬يعتبر كلّ‮ ‬من‮ ‬غاب‮ ‬48‮ ‬ساعة متتالية من دون تبليغ‮ ‬وبلا مبرّر،‮ ‬في‮ ‬حكم المتخلّي‮ ‬عن منصب عمله‮!!‬

بين المتابعة القضائية والتخلّي‮ ‬عن المنصب،‮ ‬نتساءل‮: ‬هل فعلا كل من تجاوز‮ ‬غيابه اليومين تمّ‮ ‬تصنيفه في‮ ‬خانة المتمرّد والعاصي؟ وهل التخلي‮ ‬عن المنصب‮ ‬يقتضي‮ ‬الفصل النهائي‮ ‬منه؟ أوليس هناك تمييز ومفاضلة بين المتغيّبين والمستهترين والمتلاعبين بالوقت؟

إن سرقة الوقت والتحايل في‮ ‬الوظائف ومناصب العمل والشغل،‮ ‬هو عدوى تحوّلت بفعل التقليد والانتقام و”المعاندة‮”‬،‮ ‬إلى وباء‮ ‬يقتل التنمية والسير الطبيعي‮ ‬للبرامج،‮ ‬ويقتل بالتالي‮ ‬أيّ‮ ‬تغيير باتجاه ما‮ ‬يخدم البلاد والعباد‮!‬

المصيبة،‮ ‬أن سرقة ساعات وأيام العمل،‮ ‬ليست حكرا على صغار المستخدمين والموظفين فقط،‮ ‬وإنّما هي‮ ‬للأسف صناعة‮ ‬يتفنن فيها وزراء ومسؤولون ومديرون وولاة وأميار ورؤساء مصالح‮.. ‬والحمد لله أن ثمّة قلّة‮ “‬تخاف ربّي‮”‬،‮ ‬فتضمن الحدّ‮ ‬الأدنى من الخدمة،‮ ‬وإلاّ‮ ‬لأغلقت كلّ‮ ‬الإدارات والمؤسسات‮!‬

هؤلاء‮ “‬اللصوص‮” ‬يسرقون الوقت الذي‮ ‬هو كالسيف إن لم تقطعه قطعك‮.. ‬يسرقونه إمّا بالتأخر المفرط وإمّا بالتغيّب المتكرّر،‮ ‬وإمّا بـ‮ “‬الجسور‮” ‬التي‮ ‬يقفز عبرها من المناسبة الدينية إلى المناسبة الوطنية،‮ ‬كعطل مدفوعة الأجر‮!‬

لعلّ‮ ‬الأيام التي‮ ‬تضيع في‮ ‬الأعياد والعطل الموسمية والسنوية،‮ ‬وعطل نهاية الأسبوع،‮ ‬إضافة إلى عدد أيام التغيّبات وساعات التأخرات،‮ ‬أصبحت أكثر بكثير من فترات العمل وبذل الجهد من أجل الإنتاج والإنتاجية وتقديم خدمات‮.. ‬وهذه واحدة من الأسباب التي‮ ‬تجعلنا نجلس في‮ ‬آخر القطار‮!‬

ربّما لا‮ ‬يُنصح إطلاقا باستنساخنا للتجربة الأمريكية،‮ ‬التي‮ ‬تجرّ‮ ‬المتغيبين إلى المحاكم،‮ ‬وإلاّ‮ ‬لتمّ‮ ‬إعدام المئات والآلاف من العمال والموظفين والمسؤولين،‮ ‬واصطففنا جميعا أمام مقصلة الخروبة التي‮ ‬أكلها الصدأ فأكلنا التخلّف‮!‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!