الرأي

شاطر من الإخوان لمراجعة حيثيات هونتيغتن

حبيب راشدين
  • 5947
  • 21

الألعاب النارية التي ترافق اليوم وصول الإسلاميين إلى السلطة، بحماية من العساكر الإنكشارية، ومال إمارات النفط، ورضا من رب البيت الأبيض، تكون قد أخفت عن القوى العلمانية الهزيلة المستضعفة تفاصيل الصورة الكاملة لمشهد مفعول به، دعي إليه الشاطر من الإخوان لمراجعة حيثيات هونتيغتن، وبناء تحالف استراتيجي أمريكي “إسلامي” في وجه القوة الكونفوشيوسية الصينية الصاعدة.

من يتابع الجعجعة الهائلة التي تسيطر على الشارع السياسي والإعلامي المصري، وتفرق أهل “الثورة” إلى طرائق قددا، لا يسعه أن يقول إلا ما قالته الجن من الخلق: أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا .

فقد فجر قرار الإخوان، ترشيح نائب المرشد العام لرئاسة الجمهورية حملة سخط غير مسبوقة على الإخوان، وعلى عموم كيانات الإسلام السياسي في مصر وخارج مصر، وأعاد للواجهة مخاوف سابقة من وجود ترتيبات بين الإخوان والجيش والولايات المتحدة، وخشية حقيقة من حصول سيطرة كاملة   للتيار   الإسلامي   على   مفاصل الدولة.

.

حيرة الشبان بين العسكر والإخوان

قبل تحرير الصورة الكاملة يحسن بنا التذكير بالوقائع والمحطات التي يرتكز عليها من يقول اليوم ملء الفم: إن الإخوان والعسكر والأمريكان قد سرقوا ثورات” ربيع العرب، في مقاربة تفتقر للنظر إلى الصورة الكاملة:

الأولى: أن الإخوان، وإن كانوا شاركوا في فعاليات ميادين التحرير، وكان لهم الباع الطويل في تركيب المليونيات قد “خانوا” الثورة في نظر شباب الثورة حالهم حال العسكر، ودخلوا في تفاهمات مع المؤسسة العسكرية، هي التي مكنتهم من الاستحواذ على مواقع السلطة.

الثانية: أن الإخوان دخلوا في حوار مكثف مع وفود أمريكية وغربية، يكون قد منحهم الضوء الأخضر، بما في ذلك الإذن بالمغالبة على موقع رئاسة الجمهورية، يثمن غير معلن.

الثالثة: أن المؤسسة العسكرية قد اجتهدت عبر إدارة فاسدة للمرحلة الانتقالية، حتى يصل المشهد السياسي إلى ما وصل إليه اليوم، بنية نقل واجهة السلطة من قوى الحزب المحلول إلى قوى إسلامية.

هذه أوجه ثلاثة لمشهد سياسي مركب ومعقد، احتجبت فيه الصورة الكاملة أمام الناخب والنخب، وأدخل القوى غير الإسلامية في إرباك شديد، وقطع عنهم جميع خطوط الرجعة، فأصبحوا أمام خيار صعب: إما القبول بالأمر الواقع، من جهة أن الأحزاب الإسلامية إنما تمارس حقا شرعيا منحته لها صناديق الانتخاب، أو يدخلون في مسار غير آمن يدعو إلى استنساخ النموذج الجزائري، ويتحملون وقتها مسؤولية إجهاض الثورة” وتعطيل المسار الديمقراطي، وحتى هذا التعطيل أصبح غير ممكن، إذا صحت مخاوفهم من وجود صفقة بين الثلاثي المرح.

.

شرق أوسط أمريكي بقيادة إسلاميين

بعيدا عن نظرية المؤامرة التي وصفت بها مقارباتي السابقة لأحداث الربيع العربي، فإن وقائع صماء تستفز اليوم العقل على النظر إلى المشهد المصري كمقطع تفصيلي من مشهد أكبر، اتفق المحللون على مقاربته تحت عنوان “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” وتجديد قياداته الأهلية، وهو في اعتقادي، عنوان لا يكفي لالتقاط بيت القصيد، والوقوف عند ما هو غاية صرفة، وما هو محض وسيلة.

“وقائع صماء تستفز اليوم العقل على النظر إلى المشهد المصري كمقطع تفصيلي من مشهد أكبر، عنوانه: “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” والوقوف فيه عند ما هو غاية صرفة، وما هو محض وسيلة”

فالإعلان عن رغبة الولايات المتحدة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير لم يكن وليد الساعة، ولم يبدأ مع التصريح الشهير لكندوليزا رايس، فهو مشروع قديم بدأ غداة سقوط الخلافة العثمانية، وتواصل مع غرس الكيان الصهيوني في المنطقة، حتى وإن كان ينفذ بسياسات متنوعة، وأحيانا متعارضة في الظاهر، وقد استدرجت إلى لعب بعض أدواره بالوكالة قوى تقليدية، وقومية، وثورية، وعسكرية، بقدر متفاوت من الفعالية، قبل أن يساوم عليه اليوم التيار الإسلامي، بعد أن اقتنعت الولايات المتحدة بقدرة التيار الإسلامي على فرض السلام الأمريكي على شعوب المنطقة. وهي مقاربة لا تفي بتغطية الغاية الأولى من حاجة الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتجديد قياداته بالشراكة نع الإسلام السياسي.

.

اعتراف بمشرق دين أغلبيته الإسلام

في أية مواجهة مع خصم أو عدو، تملي عليك الفطنة أن تنتقل ببصرك وذهنك وجميع جوارحك إلى الموقع الذي يرصدك منه الخصم والعدو، وتنقب عن حاجاته وأهدافه الخفية، وما يريده تحديدا منك.

وما كانت تريده الولايات المتحدة من العرب والمسلمين، جاء بوضوح في خطاب أوباما الشهير بالقاهرة، الذي أعيد التذكير هنا ببعض مقاطعه الملهمة، التي قد لا تحتاج إلى تحليل مضمون. دعونا نذكر بهذا العنوان العريض من خطابه في أنقرة أمام البرلمان التركي شهرين قبل خطاب القاهرة:إن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع المسلمين” عرض مركب كان يحتاج إلى تفصيل جاء في خطاب القاهرة، نتوقف عند سبع مقاطع منه:

المقطع الأول: “من هذا البلد العظيم (مصر)… بلد مشروع السلام في الشرق الأوسط.. أوجه خطابي للأمة العربية والأمة الإسلامية كافة لنضع لمسات جديدة في العلاقات الدولية الحديثة تجمع المصالح الخيرة لكل شعوب العالم وبكافة أديانه السماوية وأطيافه“.

المقطع الثاني: “أقدم اعتذاري للعالم الإسلامي عن سوء الفهم واللغط الذي ساء إليهم وإلى شعائرهم، نتيجة تهور سلفي الرئيس بوش، الذي أدى إلى عدم تمكنه من تصنيف المسميات بشكل يتناسب مع أهمية التعايش والتعامل مع دين الإسلام، و هو دين الأغلبية في الشرق الأوسط و خلط الإرهاب بالدين”.

.

قيادة أهل الأرض بديانات السماء

ومن الاعتراف بالإسلام كدين لأغلبية سكان الشرق الأوسط، إلى الإقرار بحق الإسلاميين في قيادة الدول، مسافة قطعها أوباما بيسر، قبل أن يدعو لقيادة دينية عالمية تشترك فيها الديانات السماوية الثلاث، فلنتابع معا:

المقطع الثالث: “في حديثي مع جلالة الملك عبد الله تلمسنا تفهمه إلى طروحاتنا التي جاءت مكملة لطروحاته، ومن منطلق قبول الآخر، وعدم إلغاء الآخرين والقيام بمبادرة جديدة تتناسب والظروف الموضوعية للحل الأمثل

المقطع الرابع: “مبادرتنا تتضمن أن نلغي صراع الحضارات ليحل محلها تفاهم و تعاون الحضارات، وان نلغي صراع الأديان ليحل محله تفاهم وتعاون الأديان، والأمران يتطلبان تحالفا استتراتيجا… وستواجهنا بعض الصعوبات.. منها التيارات الدينية المتشددة، وبعض الدول… منهم القائمون على الإرهاب وسياسة إيران الخارجية”

المقطع الخامس: .. “ولهذا نرى أن نطوي صفحة الماضي القاتمة.. وننطلق نحو تعاون استراتيجي سياسي اقتصادي... بين الأديان السماوية بقيادة الأديان الرئيسة الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية”

المقطع السادس: “ونعمل على سيادة خطاب سياسي عالمي موحد، تنضوي تحت رايته كل الأمم لفرض الأهداف التي دعينا إليها في تحالف الأديان كي نطبق مشيئة الرب في التعايش المشترك على الأرض”

المقطع السابع: “وسنترك الخيار للذين يشككون بتحالفنا كي يثقوا بنا.. وسنقف بعزم و شدّة ضد الذين تسول لهم أنفسهم محاربة تحالفنا و نعزلهم”.

.

حلف الفضول في فقه العم صام

أعترف أني تابعت وقتها هذا الخطاب وكأني أقلب مفردات رسالة مشفرة، وهي اليوم أوضح من الشمس لمن يريد قراءتها مستعينا بأحداث الربيع العربي، ويخضعها مجددا للمساءلة والتفكيك وإعادة التركيب.

فمن كان يخاطب أوباما بالقول: “إن الولايات المتحدة ليست في حرب مع المسلمين”؟ ولأية جهة توجه اعتذاره عن سياسات سلفه؟ ومن كان يخاطب بالقول: “إن الإسلام هو دين الأغلبية في الشرق الأوسط”؟ وعن أي جهة يتحدث أوباما مع الملك عبد الله ويدعوه إلى “قبول الآخر، وعدم إلغاء الآخرين”؟

من الاعتراف بالإسلام كدين لأغلبية سكان الشرق الأوسط، إلى الإقرار بحق الإسلاميين في قيادة الدول، مسافة قطعها أوباما بيسر، قبل أن يدعو لقيادة دينية عالمية تشترك فيها الديانات السماوية الثلاث

ثم من كان يخاطب بعبارة “مبادرتنا تتضمن أن نلغي صراع الحضارات ليحل محله تفاهم و تعاون الحضارات، وأن نلغي صراع الأديان ليحل محله تفاهم وتعاون بين الأديان”؟ وما طبيعة هذا التحالف الاستراتيجي الوارد في المقطع الخامس بالقول: “ننطلق لتعاون استراتيجي سياسي.. تحالف بين الأديان السماوية بقيادة الأديان الرئيسية الثلاث: الإسلام، والمسيحية، واليهودية”؟ وضد من يشيد التحالف الإسلامي المسيحي اليهودي؟ وما هي أطراف ” تحالف الأديان” التي سوف ”تنضوي تحت رايته كل الأمم… لتطبق مشيئة الرب في التعايش المشترك على الأرض”؟ أسئلة يفترض أن نعيد طرحها مجددا ونفكر في حقيقة ما تراود عليه المنطقة.

.

الإسلام (يون) هم الحل

لا شك عند من يعيد قراءة الخطاب، أن الخطاب لم يكن مقدمة لسياسة جديدة استخلصت العبر من أخطاء السلف الطالح، بل كان عرض حال عن صفقة كبيرة أبرمت قبل الخطاب، كان موضوعها الانتقال من خيار الصراع بين الحضارات والأديان الذي فهم من الحرب الصليبية التي تفوه بها بوش والمحافظون الجدد، إلى تحالف استراتيجي ذي صبغة دينية، تتولى فيه الأديان الثلاث تنفيذ مشيئة الرب في التعايش المشتركوقد احتاجت الصفقة إلى أن تعي أطراف كثيرة: غربية، وعربية، وإسلامية، أنه، وبما أن الإسلام هو دين الأغلبية في الشرق الأوسط، فإن الحاجة تبدوا ماسة إلى الانفتاح على قوى سياسية دينية غير متطرفة، هي الأقدر في تصور أوباما على إنجاح التحالف الاستراتيجي الذي تريده الولايات المتحدة، لكن ضد من يا ترى؟

فالرئيس أوباما تحدث عن تحالف استراتيجي بين شعوب الأديان السماوية الثلاث، بما يعني مجموع العالم المسيحي، والعالمين العربي والإسلامي، واليهود، مع استثناء ” القوى المتطرفة والدول التي ترعى الإرهاب: أي المقاومة” وهو تحالف يحتاج إلى تغيير القيادات والانفتاح على قيادات إسلامية في منطقة الإسلام فيها هو دين الأغلبية.

.

شاطر من الإخوان لمراجعات هونتيغتن

الرسالة إذن كانت واضحة، والصفقة تمت بعد التفاهم مع الأقطاب الإقليمية: تركيا، وعسكر مصر، والسعودية على وجوب القبول بهذا الانفتاح، والترتيب له، وإخراجه في ثوب لا يفقده المصداقية وثقة الشعوب، وتقديمه كمحصلة لحراك ثوري أصيل.

فمن الواضح أن الولايات المتحدة، وهي تفقد دفة قيادة العالم، قد ارتأت الحاجة إلى إعادة صياغة مقاربة صامويل هونتيعتن حول صراع الحضارات، المتخوف من قيام تحالف بين الكونفوشيوسية الصينية والإسلام، إلى مقاربة تجتهد لعقد تحالف استراتيجي بين شعوب الديانات السماوية الثلاث ضد الخطر الكونفوشيوسي الأعظم.

فالأمر كما نرى لا صلة له بنظرية المؤامرة كما قد يتخيل بعضنا، فليس من باب الكيد للإسلام والإسلاميين، أو خيانة أمريكا للقوى الليبرالية والعلمانية كما تتوهم اليوم بعض النخب المصرية والتونسية، لأن أمريكا جاءت إلى هذه الصفقة مضطرة لا مخيرة، وفق حساب الربح والخسارة، بمقاربة براغماتية لم تعد ترى في بعض الإسلام السياسي، ومنه الإخواني الموصى به من الحليف التركي، والسلفي المؤتمن عليه من جهة الحليف السعودي، محل ارتياب أو خوف، ثم إن الإدارة الأمريكية قد اختبرته في العراق والسودان والصومال، ودخل معها في شراكة مثمرة يمكن البناء عليها.

آمل أن يتمكن المواطن المسلم في مصر، وتونس، والمغرب، والجزائر، وحيثما فتحت أمامه أبواب المشاركة في هذه المسارات الانتخابية، أن يقبل عليها وهو على بينة من أمره، حتى لا يصاب بإحباط لاحقا، وحتى لا تخدعه القوى السياسية، إسلامية كانت أم علمانية، والتي لا يعاب عليها الدخول في مثل هذه الصفقات، بقدر ما تؤاخذ الآن ومستقبلا بالعبث بعقل المواطن والدجل على المسلمين.

مقالات ذات صلة