شقيقان يفارقان الحياة غرقا في حاجز مائي بسطيف
لقي شقيقان دون العاشرة من العمر، حتفهما السبت، غرقا في حاجز مائي ببلدية البلاعة بشرق ولاية سطيف، بعدما تنقلا رفقة أقاربهما إلى هذا المكان بغرض السباحة، والهروب من الأجواء الحارة التي تعرفها المنطقة، حيث لم تنزل درجة الحرارة عن الأربعين منذ أسبوع كامل، فانتهت الرحلة بمشهد طفل يحاول إنقاذ شقيقه ليلقى الاثنان نفس المصير.
الطفلان هما أيمن بن زاوي، البالغ من العمر 10 سنوات وشقيقه يحيى، البالغ من العمر 9 سنوات، وينحدران من بلدية بئر العرش الواقعة بشرق ولاية سطيف، وهي المنطقة التي زرناها ليلا وتوجهنا إلى مسكن الضحيتين القريب من مسجد “عثمان بن عفان”، فوجدنا مجلس العزاء ببيتهما العائلي، مع تجمع عدد كبير من الجيران وسكان بلدية بئر العرش الذين جاؤوا من مختلف الجهات بعدما سمعوا بالفاجعة.
عندما وصلنا إلى هذا الحي الشعبي الذي تنقصه الإنارة العمومية والكثير من المرافق، وهو حال بلدية بئر العرش الفقيرة التي تفتقد إلى مسبح وكذا العديد من المنشآت الموجهة للشباب والأطفال، وجدنا كل الأنظار متجهة نحو والد الضحيتين السيد فارس بن زاوي، وهو شاب في الثلاثينيات كان يتلقى التعازي وهو في حالة ذهول، ولما اقتربنا منه، كان وجهه مصفرا يتحدث بصعوبة، فقدّمنا له واجب العزاء وسألناه عن ظروف الحادثة، فراح يسترسل في الكلام ويقول بأنه كان قبل الساعة السابعة مساء جالسا بمقهى ببلدية بئر العرش، فجاء أحد المواطنين وأخبره بأن هناك أصداء من بلدية البلاعة المجاورة تقول بأن هناك طفلين من عائلة بن زاوي غرقا في “الباراج”.
وهنا راودته الشكوك لأن زوجته وأبناءه تنقلوا إلى بيت جدهم ببلدية البلاعة، ولذلك، سارع إلى الاتصال بزوجته، فأكدت له بأن الأمر يتعلق بولديه أيمن ويحيى، وقد قيل لها بأنهما غرقا في الحاجز المائي بدون أن تفهم التفاصيل، فراح يصرخ ويتساءل كيف حدث ذلك؟ فأخبرته زوجته وهي تبكي أن الطفلين كانا بالقرب من البيت، ولقد شاهدتهما عبر النافذة في حدود الساعة السادسة مساء، لكن بعد حوالي 40 دقيقة جاءها الخبر المفجع، فلم تصدق ما سمعت، وهنا لم يتمالك الأب فارس نفسه وهمّ بالبكاء، ليواصل بعدها الحديث قائلا: “لم أفهم كيف تنقلا إلى هذا الحاجز المائي الذي يبعد عن منزل جدهما بحوالي 6 كلم، المؤكد أن هناك شخص كبير نقلهما إلى هذا المكان، وأرشدهما إلى “البراج” فولداي لا يعرفان المكان، ولم يسبق لهما أن ذهبا إلى هناك، وكيف يمكنهما التنقل على مسافة 6 كلم بهذه السرعة؟” ويختم كلامه بصعوبة بالقول: “لن أسامح من كان السبب، لأنه قسمني نصفين وأحرق كبد أمهما”.
تركنا الأب مع وابل التعازي، وتوجهنا ناحية جد الطفلين، وهو شيخ بلحية بيضاء، كان صابرا إلى حد ما، وراضيا بقضاء الله وقدره، وهي العبارة الأولى التي قالها لنا، فكان يدعو لهما بالرحمة باستمرار. وعن الحادث، يقول بأن يحيى وأيمن تنقلا رفقة 3 أطفال من أقاربهما وهم أبناء خالتهم، وذهبوا جميعا بغرض السباحة في هذا الحاجز المائي، وحسب ما رواه الأطفال الذين كانوا برفقتهما، فإن الخمسة اقتربوا من الحاجز، وصرّح أغلبهم بأنهم لن يغطسوا في الماء لأنهم لا يحسنون السباحة، بينما الطفل الصغير يحيى قرر خوض التجربة، فنزع ملابسه وبقي بالتبان، ونزل بحذر محاولا السباحة، لكن بعد لحظات قليلة حاول الوقوف فلم يتمكّن من ذلك وبدأ يصرخ بأن رجليه تغوصان في الوحل، وهنا تدخل شقيقه أيمن، فحاول إنقاذه لكن بعد اضطراب الطفلين وتشابكهما غرق الاثنان معا، أمام أعين باقي المرافقين، الذين طلبوا النجدة من راع للغنم كان بالقرب من المكان، والذي تنقل إلى الحاجز فلم يجد أثرا للطفلين، وأخبرهم بأنهما فارقا الحياة ونصحهم بعدم الغطس، وحذرهما من أي محاولة تكون مجهولة العواقب.
وقام الراعي بالاتصال برجال الحماية المدنية، الذين تنقلوا رفقة رجال الدرك إلى موقع الحادث وتمكّن عناصر وحدة بئر العرش، من إخراج جثتي الطفلين، وتحويل الضحيتين إلى العيادة الصحية لبئر العرش. في الوقت الذي فتح رجال الدرك تحقيقا في الحادث. وأما عن مجلس العزاء، فقد ظل قائما بمسكن العائلة ببئر العرش، مع توافد المعزين ليلا في غياب جثتي الضحيتين اللذين تم تحويلهما إلى مستشفى العلمة بغرض إجراء التشريح من طرف الطبيب المختص.
كما شرع الأقارب في ضبط إجراءات الجنازة التي تكون قد شيّعت إلى مقبرة بئر العرش، عصر الأحد، انطلاقا من جامع “عثمان بن عفان”. وقد تحدث معنا أحد المعزين، وقال بأن الحاجز المائي يشكّل خطرا كبيرا على سكان المنطقة، فهو قديم وأحيانا يجف ويتحول إلى كومة من الوحل وأحيانا أخرى تغمره المياه. بينما يقول ساكن آخر بالمنطقة، أنه من المفروض أن يتم تسييج المكان الذي “ابتلع” الكثير من الأطفال، ومنع الناس من الاقتراب منه. وعلى كل حال، كان المجلس فرصة لجلد النفس وتوزيع اللوم على أكثر من جهة، لكن بالنسبة لأيمن ويحيى فقد فارقا الحياة وانتهى كل شيء بآخر نفس تحت الماء.