صانعو البدائل عن محمد صلى الله عليه وسلم ما ازدادوا إلا شقاء
كنا أمة واحدة.. كتابها واحد وربها وإلهها واحد ورسولها واحد وأهدافها واحدة وصراطها مستقيم.. أمة التوحيد تميز فيها كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.. وفي أصول ثقافتنا الإسلامية ضمانات لصون وحدة الأمة والدفع بكل قوة لتماسكها وحرب ضروس ضد كل دواعي الفرقة والتنازع لم يكن التفاوت في الفهم أو التنوع في التأويل يخرج أحدنا من دائرة الإسلام، ولقد أقر لنا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاجتهاد والتأويل بما يحتمله النص ويقبله العقل.. وسرنا هكذا في مسيرتنا الطويلة.. ورغم أن عواصف مرت بتاريخنا وفي مرحلة مبكرة إلا أن أحدا لم يجرؤ على التحولق حول رجال مهما بلغت قيمتهم العلمية والمناقبية يتلقى منهم بديلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد اختلف المسلمون والمؤمنون وتقاتلوا أحيانا إلا أن الشرخ لم يصل إلى حد نفي الإسلام عن الآخر، بل كما قال الإمام علي كرم الله وجهه عندما سئل ماذا نقول عن من يقاتلنا، قال: إخواننا بغوا علينا.
ولكننا بلينا في الأزمنة اللاحقة بعناوين داخل الأمة حذرنا منها السابقون عندما قاوموا تقديم قول الرجال على ما قاله الله سبحانه وتعالى وما قاله الرسول في أحاديثه الصحيحة وسنته المطهرة.. لقد ابتلينا بعناوين وأسماء لفرق وجماعات وتكتلات، بعد أن تكسر نموذج الأمة الواحدة بفعل عوامل عديدة أهمها المصالح السياسية المشوهة لدى بعض الحكام، ونتيجة التكسر المؤلم لوحدة الأمة وقف على رأس كل عنوان رجال يقعدون لمواقفهم السياسية بمقدمات من الدين والفقه وحشد الأسانيد التي تدعم ما ذهبت إليه أطروحاتهم السياسية.. لقد قالوا أقوالا أصبحت مقدسة لدى الأتباع المقلدين فيما يخص المواقف من الآخرين المختلفين معهم في التأويل والاجتهاد والحقيقة المختلفين معهم في الموقف السياسي من الحاكم.. واندلعت الحروب الكلامية والطعن واستبيحت الأعراض وانشغلنا عن النافع المفيد وابتعدنا عن الجوهر الذي يحافظ على وحدتنا.
وعندما تقترب من مناقشة هؤلاء المتشبثين بأقوال الرجال والمتعصبين حول مذاهبهم تصيبك الدهشة من حجم التيبس والحماس وترديد الكلمات والشعارات التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من تفرق الناس وتصنع المناخ المسموم والمهيأ لميلاد شرور التعصب.. وتكاد لا تسمع عن سنة رسول الله أوآيات الله المحكمات في كتابه العزيز بمقدار ما تسمع من أقوال الشيوخ اللاحقين والسابقين.
إننا بحاجة إلى القرآن الكريم لقراءته قراءة واعية يقظة تليق به، قراءة من يتلقاه للتنفيذ وبحاجة أن نفهم جوهره وعلى ماذا يدور وما هي القيم الجوهرية فيه وخطوطه العامة.. إننا بحاجة إلى فهم أوجهه وتدبر ترتيبه وأولوياته، إننا بحاجة إلى التوه إليه ونحن مدركين إننا نتوجه الى كلام ربنا الفعال لما يريد القدير الحكيم.. إننا بحاجة للإقبال عليه بقلوب وعقول قد ألقت خارجها كل أفكار مسبقة وأحكام مستوردة لنكون فقط في حضرة كلام الله وما يريد الله سبحانه منا ولنا وما يدفعنا إليه من فهم وتدبر ووعي.. وهكذا نمتلأ بمنهج فهم حركة الإنسان وحركة التاريخ ونفهم بعمق أي معيار نلتزم بعيدا عن العنصريات والشرك بالله.. هذا هو ما سيحررنا من كل منهج سوى منهج العدل والقسط والحق.. وهكذا ترتقي هممنا وعقولنا إلى مصاف وعي الرسالة والسير على خط الأنبياء رحمة للعالمين لأننا نكون حينها قد اندمجنا بمنهج الله الواحد الاحد الذي يرى الناس جميعا عبادا لله وانهم جميعا مقصودون بالرحمة وانهم جميعا لهم الحقوق الانسانية كما شرعها لهم ربهم وخالقهم بلا من من احد ولا ازدراء.
والقرآن الكريم هو مرجعية وميزان لكل قول او فعل في حركة الناس.. والقرآن الكريم هنا قد يسره الله للذكر ومعجزاته لا تنقضي والاقبال عليه يكون بتلك الروح التي اقبل عليها صدر الاسلام الجيل القرآني الفريد.. أي بمعنى واضح اعادة الاعتبار للتوجه نحو القرآن الكريم ورفع شأن السبيل اليه والدفع بقوة نحو إبرازه عما سواه..
وعلى هدي القرآن الكريم نبحث عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة، ففيها الحكمة والجهد البشري المهدي بروح الوحي وتوجيهاته.. فهم سنة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في ضوء الهدي القرآني لأن سنته هي المرآة الامينة لقيم الاسلام وتوجيهاته كما احبت أن تقول ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “كان خلقه القرآن“.. اننا سنكون أمام الانسان المتكامل في كل شيء انه الرسول الخاتم والمبين .. وهكذا يصبح التركيز على سنته صلى الله عليه واله وسلم زادا حقيقيا لا بديل عنه في فهم الاسلام ورسالته وتتضح بذلك سبل الاقتداء به على صراط مستقيم.
وفي الخلافة الراشدة النموذج الاسلامي الذي انعقد اجماع الامة عليه بكل قياداتها الفعلية يتضح لنا معالم بناء المجتمع مترجمة امينة الى حد بعيد لتوجيهات الاسلام العزيز.. وعلى الخلافة الراشدة اجماع الامة وعلى صحتها وصحة ما كانت عليه من حكم بالاسلام وانفاذ لشرع الله كما اشار الرسول صلى الله عليه واله وسلم.. الخلافة الراشدة “ابوبكر وعمر وعثمان وعلي“.. هي نموذجنا الاسلامي الذي نتوحد عليه وفيه تجلت السياسة الشرعية وكيفية ادارة الاوضاع والصراع مع الخارج المعادي بروح المسؤولية الشرعية.
بعد ذلك لسنا مقيدين باي نموذج استحدث، لاسيما تلك النماذج التي ادخلت خللا في طبيعة الحكم الاسلامي لصالح الوراثة والعصبية الجاهلية او اتجهت الى تجاوزات مخلة بنقاء الرسالة ومقاصدها.. وعلينا التيقظ بان فساد الحكام يستتبع بالضرورة فساد بعض العلماء فيصبح الحذر من العلماء الذين كانوا في ركاب الحكام يبررون لهم ويصوغون لهم ظلمهم وانحرافهم .. والامة في غنى عن اولئك تماما بما لديها من ائمة وعلماء اطهار انقياء مشهود لهم اجتنبوا موائد السلطان والتصقوا بالرسالة وذابوا فيها وتعرضوا للفتن في حياتهم وصبروا وقضوا على طريق النقاء والطهر والمسؤولية الشرعية.
اجل انه القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم والخلافة الراشدة والعلماء الاتقياء النزهاء الاعلام .. نوحد على ذلك امتنا بكل شعوبها وبكل اطيافها ونتصدى لكل من يريد حرفها عن قرآنها نحو فتاوى قاصرة او عن سنة نبيها نحو اجتهادات مفرقة مخلة او عن علمائها الى رجال يفرقونها ويشتتونها ويصنعون لها بدائل عن دينها وسنة نبيها.
امة واحة ربها الله ورسولها محمد وكتابها القران.. هي الامة الاسلامية ينبغي التصدي لكل من يفرقها او يصرفها عن سبيلها بمحاولة جرها لمعارك وهمية عصبية جاهلية.. انها امة محمد وامة القران لن تسام بالملك العضوض ولا الحكم بالجبر ولا تصرفها ثقافات الفرقة والتشتيت.. تولانا الله برحمته.