صراع الميراث يستنزف أموال الجزائريين
أجمع الكثير على استفحال النزاعات في المحاكم التي أصبحت ملاذ مختلف الأطراف، بسبب مشاكل الميراث والكثير من القضايا الشائكة، يحدث هذا في الوقت تراجعت سلطة الأعيان مقارنة بالسابق، وهذا رغم دورها الفعال في فض الخلافات على مر العشريات السابقة، وفق منطق الحكمة وسلطة الجماعة التي ينصاع لها كل فرد في المجتمع.
إذا كان الكثير يشيد بأهمية المحاكم الجزائرية لتكريس العدل بين الأطراف المتخاصمة وفق القوانين والتشريعات المعروفة، إلا أن ذلك لم يمنع البعض من التأكيد على أهمية سلطة الأعيان التي تراجع دورها مؤخرا، رغم نجاحها في فض النزاعات بحكمة وأقل التكاليف، وهذا خلاف ما يحدث في أروقة المحاكم، حيث إن الرابح في القضية خاسر في حد ذاته، بسبب الأموال الباهظة التي تصرف على المحامين والنقل ومتابعة الملفات وغيرها. ويؤكد الدكتور بدر الدين زواقة من جامعة باتنة أن الضبط الاجتماعي يعد من مؤشرات استمرارية المجتمع وتماسكه. مضيفا أن العرف الاجتماعي تميز به عندما كانت مؤسسات التنشئة الاجتماعية متماسكة ومتفاعلة رغم بساطتها ومحدوديتها بعد الاستقلال، في الوقت الذي نعيش حاليا -يقول زواقة- تضخما في مؤسسات التنشئة الاجتماعية مقابل غياب مشروع مجتمع، ناهيك عن التدفق الضخم للمعلومات والإعلام وسط شح رهيب في إنتاج القيم من قبل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وهذا الذي يفسر حسبه كل الآفات الاجتماعية. من جانب آخر، يرى الدكتور إبراهيم بوزيد من جامعة أم البواقي بأن تفضيل صاحب المال على صاحب الأخلاق والعلم تسبب في تحريف مفهوم الضبطية المعنوية الأخلاقية إلى الضبطية المعنوية المادية التي لا تصيب الهدف الأسمى وهو تحقيق التماسك والتكافل وفض النزاعات والخصومات. فزاد حسب قوله التعصب وعجت المحاكم وأروقتها وورث الحقد، بل أصبح يلجأ الناس للعدالة حسب الدكتور بوزيد “لا من أجل إرجاع حق مهضوم بل من أجل الانتقام وإشباع الغليل ضد الأخ والأب والأخت والجار والزوجة”، وهي أمور تهدد في نظره بتفكيك المجتمع من الناحية المعنوية، معتبرا أن العرف هو روح القانون في المجتمعات العرفية والدين هو كذلك في المجتمعات الدينية، متسائلا بالقول: أين نحن من هذا وذاك؟!
مطالب بدعم “تاجماعت” حتى تساهم في تسوية ودية للمشاكل
وقد أجمع الكثير على تراجع دور الضبطية الاجتماعية رغم النماذج الناجحة للأعيان (تاجماعت)، ويرجع الأستاذ كريم ماروك السبب إلى عدم تشجيع الدولة لدور الأعيان في حل المشاكل والمنازعات بين أفراد المجتمع، وكذلك عدم انصياع بعض أفراد المجتمع لقرارات أعيان العرش، إضافة إلى غياب التوافق بين أعيان العرش الواحد و/مع أعيان الأعراش الأخرى. ناهيك عن التعصب للرأي وللقرارات الصادرة عن أعيان العرش في غياب قنوات الحوار في بعض الأحيان بين أفراد المجتمع وأعيان وكبار العرش أو مع أعيان الأعراش الأخرى. مشيرا أيضا إلى النزعة المتعالية وكذلك صراع المصالح والقيم والأدوار بين مختلف أعيان الأعراش. إضافة إلى رفض بعض أفراد المجتمع آراء وقرارات أعيان العرش وتفضيل القضاء في حل مشاكلهم. يحدث هذا في الوقت الذي يعطي الدكتور بدر الدين زواقة نماذج ناجحة مثل مجالس الأعيان ومجالس العزابة وعمي السعيد عند إخواننا بني ميزاب، وتاجماعت في منطقة زواوة.. ومعظم الزوايا التقليدية في ضبط المجتمع من خلال مجالس الصلح المتنوعة، مؤكدا على دورها في الحفاظ على المعادلة الاجتماعية. ولم يخف الشيخ أحمد رزيق تراجع دور الجماعة ومجالس الصلح في المناطق المحافظة دون الحديث عن المدن، مؤكدا أن كل القضايا الصغيرة والكبيرة تمر إلى العدالة رغم أن ديننا الحنيف يأمر بالصلح “والصلح خير”، للشمل ومحو للضغائن، وقال الشيخ أحمد رزيق في هذا الجانب “كم من قضايا بقت عشرات السنين في أروقة العدالة دون حل، وفي مجلس الصلح كان الحل وعاد الود بين عائلات وأعراش دون مقابل مادي، بعد أن أنفقوا أموالا طائلة، والسبب حسب تجربتي هو أن الأسرة تمردت على كبارها فتفككت الأسر وتنافرت وانتشرت العداوات”، معتبرا أن المادة أكبر سبب في ذلك، خاصة الميراث، مشيرا أن دور سلطة الجماعة والأعيان لا تزال سارية المفعول في عدة مناطق مثل نوحي بيطام بالأوراس، من خلال فك اغلب الخصومات وديا، ويا حبذا لو تكون جماعة فك النزاعات لها قوة قانونية أو أي صبغة بحيث يكون تنسيق مثلا بين المحكمة وجماعة الصلح قبل أن تمر أي قضية إلى أروقة العدالة التي أصبحت تعج بآلاف القضايا وتطول مدة دراستها إلى الشهور والسنوات.
ولم يتوان العديد من الباحثين والناشطين الميدانيين الذين تحدثنا معهم في تقديم مقترحات وحلول بغية رد الاعتبار لمجالس الأعيان حتى تكون في خدمة المجتمع وسندا لمؤسسات العدالة، حيث يدعو الدكتور بدر الدين زواقة الى اقتراح تفعيل ظهور مجالس الأعيان في صناعة القرار السياسي والاجتماعي، وإعادة النظر في طبيعة مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي غالبا ما توجد باعتبار التوسع السكاني فقط… والتغافل عن العمران البشري. مؤكدا على دور الإعلام في التعريف بدور مجالس الأعيان التي هي معتبرة شرعا.. ولها مقاصد في الحفاظ على المعادلة الاجتماعية مع إشراك الشباب في هذه المجالس للقيام بالتداول الإيجابي بين الأجيال. والحرص على عدم توريط هذه المجالس في الاختيارات السياسية التي تعتمدها السلطة السياسية، لأنها حسب قوله تابعة للدولة وليست لجان مساندة للسلطة، مشيرا إلى ضرورة مأستتها لتتوافق مع متطلبات العصرنة والجودة والحوكمة. وفي السياق ذاته، دعا الأستاذ كريم (رئيس بلدية سابق) إلى أهمية التكيف مع البيئة المجتمعية لأعيان العرش لفهم الواقع المعاش لمختلف أفراد المجتمع وأعيان الأعراش الأخرى. والعمل على تحديد الأدوار بين الأعيان وأفراد المجتمع المبنية على الحوار والاحترام وقبول الآراء والقرارات.