صراع ديكة..!!
-1-نحن لا نعرف من هو الذي نطق لأول مرة، بهذه الجملة غير المفيدة لنا، بل المضرّة جداً بنا: “الجمهور عايز كده” أو بالفصيحة “الجمهور يريد هذا”، ولكننا – مع مرور الأيام – أصبحنا نجد أنفسنا في مواجهتها أينما التفتنا في جوانب حياتنا الفنية، وحياتنا الثقافية بصورة عامة، وغالباً ما تكون هذه المواجهة غير متكافئة، فنضطر إلى الصمت، وصوت ضميرنا يصرخ بنا لائماً: هل من المعقول أن تتغلب فكرة مغلوطة لرجل مجهول ونكرة على جهود أجيال من المفكرين، ومنظري الفن، والحالمين بشوامخ الأعمال الفنية، في المسرح، والسينما، وأخيراً التلفزيون، فلا يستطيع أحد منهم صياغة جملة “مضادة” لتلك الجملة الخطيرة؟!!ولماذا لم تصمد أمامها في سوق الإنتاج الفني حتى الآن، طروحات المجددين، ودراسات الحريصين، وتوصيات الندوات، والمؤتمرات، والمهرجانات والبرامج التنموية؟؟ولماذا ذهبت غالبية هذه الجهود والتنظيرات أدراج الرياح؟!!
.
حقاً.. ما أخطرها من جملة..!! وما أشد دهاء من أطلقها كالفتنة التي لا تنام.. حتى تحولت على ألسنة المتاجرين بالفن إلى “قانون ذهبي” لجني الأرباح السوداء..!!
وإلى أن يتمكن الغيورون على الجمهور، وعلى الفن الحقيقي، من إيجاد البديل الواقعي الناجع لهذه الجملة الخطيرة.. أحسب أن الكثيرين من المتاجرين في سوق الفن، سيواصلون البحث عن قائل هذه الجملة، ليقيموا له تمثالاً باعتباره أمهر المتلاعبين بالعقول..!! وبالجيوب أيضاً..!!
.
–2–
لماذا يضيق أحدنا – نحن أهل الفن – بالآخر سريعاً؟ ويصعّد لحظة الغضب العابرة كلمحة البرق إلى قطيعة تامة وخلاف بلا عودة؟!! هل لأن طبيعة العمل الفني تتغذى على أعصاب العاملين فيه، فيصبحون فجأة دون أعصاب..!! أم لأن الذات المنهكة وهي تركض خلف الإنجاز في المواعيد المحددة، تجعل صاحب كل عمل فني عاجزاً عن رؤية الآخرين الراكضين من حوله، إلى الغاية ذاتها؟! ولماذا تنهض الشكوك، والوساوس والاتهامات المتبادلة عند كل شعور بالغبن، إذا عرض هذا المسلسل على هذه القناة الشهيرة.. وأزيح مسلسل آخر من هذه القناة إلى تلك الأقل شهرة وحضوراً.. أو عرض في وقت لا نراه مناسباً.. من وجهة نظرنا؟؟ ولماذا أيضاً تلجأ الجهة الملومة، أو المتهمة بالإساءة، أو صرف النفوذ، إلى التلويح بوسائل للرد غير فنية ولا حضارية؟!!
أهي معركة، أو مسابقة ديوك تقليدية لإسعاد المتفرجين؟؟ والشامتين؟! وإذا كانت كذلك.. فأنا – شخصياً – أستطيع أن أتفهم مثل هذه المسابقة بين ديوك الفن..!! غير أن ما لا أستطيع مباركته إنما هو تدخل بعض المتفرجين، وبعض المتحزبين لكل من الفرقاء في هذه المعركة.. فهم يشحذون “مخالب” الديوك لتصبح سكاكين حادة.. أو يشدّون إليها “شفرات” رهيفة صلبة.. والهدف أن يمكّنوا لأحد الديوك من قطع رقبة الديك الآخر.. بين تصفيق المتفرجين، والمراهنين..!!
.
–3–
يروي الكاتب السوري الراحل “نجاة قصاب حسن” في كتابه البديع “جيل الشجاعة” وهو يشكل مع كتابه الآخر “حديث دمشقي” مذكرات ذلك المثقف الكبير، ومذكرات مدينة دمشق حتى النصف الأول من القرن العشرين، في آن واحد.. يروي عن الرحابنة (عاصي وأخيه منصور) أنهما كتبا ذات يوم قصيدة للإذاعة المصرية بعنوان “النهر العظيم” تتحدث عن النيل، وعن طاحون تدور على ضفافه..!! فقال لهما المراقب الإذاعي المصري: ولكنْ.. ليس على النيل طاحون..!! فاستبدِلا هذه الجملة.. فقال عاصي:
– ولماذا لا تضعون طاحوناً على النيل.. حتى يستقيم حديث القصيدة..!!
وإذا كانت هذه الطرفة تصلح مدخلاً للمطالبة بإعادة طبع الكثير من مذكرات الأعلام من أبناء دمشق، الذين ولدوا فيها، وعشقوا كل ذرة من ترابها، ودونوا كل صغيرة وكبيرة من أحداثها، وتقاليدها وعاداتها، ويومياتها، ولمعات العبقرية الحياتية لناسها، بمختلف طبقاتهم، وتطلعاتهم، فإن هذه الطرفة عينها تصلح – أيضاً – مدخلاً إلى تأمل كثير من أساليب معالجتنا المتسرعة والمقلوبة، لعدد كبير من مظاهر الافتراق بين “الواقع” و”الفكرة الجاهزة المسبقة” عن مفردات هذا الواقع.. فنحن لا نملك – في الغالب – ذلك القدر من الصبر الضروري للتأمل في أفكارنا ومراجعتها مراجعة دقيقة.. إن لم نقل إننا لا نؤمن مسبقاً بإمكانية وجود الخطأ في أفكارنا، من الأساس..!! وهذا ما يفسر لجوءنا الفوري إلى تخطئة الغير، وتخطئة الواقع، واتهامهما بالخروج من “جلدهما” الذي ألبسناهما إياه “وهماً” وعدواناً.. مع أن طبيعة كل منهما تناقض أفكارنا الجاهزة عنهما كل التناقض..!!
ذات يوم.. كنا نستعرض بعض شرائح الصور على جهاز “الفانوس السحري” ففوجئنا بإحدى الصور تظهر مقلوبة على شاشة العرض، وكانت تمثل قلعة ضخمة، فشاهدنا أبراجها إلى الأسفل وقاعدتها إلى الأعلى.. فما كان من أحدنا إلا أن أسرع باتجاه الشاشة المتحركة وقلبها، حتى يعيد الصورة إلى اعتدالها حسب ما وقع في وهمه..!! وإذا كان مثل هذا السلوك الثقافي ينضوي تحت بند “النوايا الحسنة” فإن عدداً من هذه المظاهر السلوكية لا تبرأ من المصلحة الخاصة و”سوء القصد”.. والتوظيف الانتفاعي، على طريقة ذلك الشحاذ الذي ذهب إلى الطبيب لمرض أصاب عينيه، وتبين للطبيب أنهما سليمتان، وكل ما في الأمر أن القذى قد تراكم فيهما، فأغلقهما.. وحين قرر الطبيب أن يغسل عيني ذلك الشحاذ لتعودا مبصرتين، رفض محتجاً:
– هل تريد أن تقطع رزقي؟! ألا تعرف أن العين البصيرة.. تجعل اليد قصيرة؟!!