صنّاع التاريخ
هناك شعوب تصنع تاريخها بنفسها وهناك شعوب يصنع تاريخها غيرها، فهل للربيع دور في صناعة تاريخ الشعوب؟.
استرجاع السيادة قبل الاستقلال
من يعيد قراءة التاريخ العربي القديم ويتوقف عند ما جرى بين عنترة العبد ووالده السيد أثناء غزو إحدى القبائل لقبيلتهم يكتشف المفهوم الحقيقي للحرية التي تعني الاستقلال، فحين طلب الوالد من الابن غير المعترف به والعبد في الوقت نفسه أن يكر ضد العدو قال: “العبد يحسن الحلب والصر لا الكر” فرد الأب ” كر وأنت حر”، وبالتالي فالحرية تعني الدفاع عن النفس والآخر، ومن يؤمنون بأن الآخر وهو فرنسا مكسب وطني لغوي وحضاري لا يريدون استرجاع السيادة بقدر ما يتمسكون بالبقاء في أحضان الأم، أما من يريدون استرجاع السيادة التي كانت لنا قبل 1830م وتم اغتصابها فهم لا يحتفلون بمرور 50 سنة من الاستقلال بانتهاء مضمون اتفاقية ايفيان، وإنما يتطلعون للاحتفال باسترجاع السيادة ورحيل فلول الحكومة الخفية لفرنسا في الجزائر، لأنهم حسب مقولة الخليفة عمر بن الخطاب ” ولدتهم أمهاتهم أحرارا ” وعليهم محاسبة فرنسا التي استعبدتهم لمدة 132 سنة.
الجزائر صنعت تاريخها بنفسها بعد سبع سنوات من الكفاح المسلح، وأكثر من مليون ونصف شهيدا، وبالتالي فهي تحتفل باسترجاع سيادتها عكس الدول التي بقيت تحت الحماية الفرنسية والبريطانية ثم تحصلت على استقلالها دون دفع ثمن يذكر.
كان يفترض ان نضع شعارات الثورة ورموزها في المتحف الوطني مثلما وضعنا آليات التعذيب والقتل والدمار التي استخدمتها فرنسا إلى جانب وسائل المقاومة، وسحبنا من التداول اسم (جيش التحرير الوطني) وعوضناه بـ(الجيش الشعبي الوطني) لكن القيادة السياسية للبلاد فضلت الإبقاء على اسم (جبهة التحرير الوطني) للتعبئة السياسية لكنها تحولت إلى (واق) للسلطة من المعارضة ومشجب تعلق عليه مشاكلها، وحين انتقلنا إلى التعددية بعد 27 سنة من الحكم الفردي تحولت جبهة التحرير الى حزب ولكنها احتفظت بتراث الثورة كإرث لهذا الحزب وليس للشعب الجزائري مما جعل الجبهة تتحول إلى واجهة لمنع التحول السياسي في الجزائر، والصراع القائم حاليا بين قيادييها يجعلنا نتساءل: ألم يحن وقت إحالة الاسم إلى الأرشيف مثلما كان يطالب به عقداؤها أمثال المرحوم صالح بوبنيدر.
ما حدث في 5 اكتوبر 1988م لم يكن ثورة شبانية وإنما كان مجرد سيناريو لتغيير قناع الحزب الواحد بقناع التعددية، وتوقيف المسار الانتخابي كان سيناريو آخر لإلحاق الجزائر بحزب فرنسا وإعطائه شرعية الحكم من خلف الستار، ولهذا فالربيع العربي ليس حدثا عابرا وإنما هو تغيير في الذهنية وثقافة جديدة مبنية على التداول على الحكم، والتغيير نقيض الإصلاح لأنه يحمل في طياته الإحساس بالمسؤولية وباحترام الرأي الآخر، وما يحدث في الجزائر لا يسمح بالتغيير باعتبار ان ثقافة التخويف وثقافة التبعية الإدارية جعلت الجيل الصاعد لا يفكر في الاعتماد على نفسه لأن السلطة ليست في العلم وإنما في المناصب الإدارية مما دفع بالمجالس العلمية في بعض الجامعات الجزائرية تعتمد الترقية الإدارية للأساتذة بعد أن كانت تقاس بما يقدمون من بحوث العلمية، كما أن الترقية العسكرية صارت هي الأخرى إدارية وليست على أساس المناورات العسكرية الميدانية أو الانجازات العسكرية…
والتاريخ تصنعه الشعوب التي تتقلص فيها نسبة الأمية والفقر والبطالة ويرتفع فيها الاهتمام بالعلم والثقافة وتصبح ثرواتها ملكها، فالجزائر تملك أكثر من 200 مليار دولار مودعة في البنوك الأمريكية ولا تفكر في استثمارها، مما جعل الصندوق الدولي يطلب من السلطات الجزائرية إيداعها لديه لاستثمارها.
وها نحن نحتفل بـ50 سنة موزعة ما بين 27 سنة حكما أحاديا و23 عاما في حالة ديمقراطية غير واضحة المعالم وسلطة لا هم لها سوى الانتخابات التشريعية والمحلية والرئاسية، بينما ما يحدث حولنا يؤشر على ان التغيير قاب قوسين أو أدنى، ولا احد يستطيع ان يتكهن بتداعياته.