صِفر .. قبل الامتحان
أصعب درجات الخيبة في الحياة أن تخسر مباراة قبل بدايتها، أو تنال صِفرا قبل الامتحان، أو تخرج مهزوما من عملية اقتراع لم تنطلق بعد، وأبشع درجات البلاهة أن تغترّ بقدرات أنت لا تملكها أصلا، وأن تصعّر خدّك للناس وتمشي على الأرض مرحا مختالا فخورا، ولا تقصد في مشيك ولا تغضض من صوتك.
وأغرب ما نعيشه هذه الأيام في الجزائر هو هذا الإصرار على ارتكاب أخطاء الماضي رغم أن الصِفر يكاد يلازم كل “خرجة” يقوم بها هذا المترشح أو ذاك، وإذا صحّ ما نقلته الصحف – ونعلم جميعا أن ما نقلته هو قليل من كثير – عن أحزاب كبرى مازالت تمنح الحلوى للحاضرين إلى درجة أن رأس قائمة حزب بلغ من العمر ومن السلطة عتيا راود طالبات جامعيات عن رغباتهن ووعدهن برحلة استجمامية فركبن الحافلة مسرعات، ليتم تحويلهن بطريقة أشبه بتحويل قاصرات أو اغتصاب جماعي نحو قاعة لينافسن العناكب في مكان بدا أوهن من بيت العنكبوت، وإذا صح – ونجزم جميعا أن ما خفي أعظم – أن للتصفيق في الحملة الانتخابية ثمنا وللزغرودة ثمنا في تجمعات يكاد الظل يملّ فيها من صاحبه السياسي، ويكاد صدى القاعة يردّ بغير ما يقول الخطيب، وإذا صحّت كل هذه الطلاسم التي بلغناها فإن السلطة عليها أن تعاقب نفسها وتعاقب ما استنسخته من ذاتها في هؤلاء المترشحين، لأنهم بأفعالهم هاته إنما يُفشلون عملية اقتراع رصدت لها الدولة ميزانية كبرى وشلّت لأجلها قطار النمو البطيء الحركة وتريدها أن تكون بداية طال انتظارها.
وعندما تبدأ سفريتك بمنح المِقود لمن يدفع أكثر، أو لمن ينافق أكثر، وتواصل الرحلة بتسوّل وتوسّل المرافقين، فإن الخاتمة لا يمكنها أن تكون بردا وسلاما.
لقد عاشت الجزائر والدول المجاورة والعالم بأسره أحداثا مهمة هزت بسطاء الناس، من مأساة عنابة الأخلاقية إلى أحداث مالي وانتخابات فرنسا، فكانت الساعات تمرّ ولا تتشابه، ولكن خطاب آلاف التجمعات الشعبية السياسية عندنا لم يتغير أبدا، وإذا كان بعض الفضوليين يتوجهون إلى التجمعات الدعائية لأجل التسلية، فإن الضحك في السياسة يتحوّل بالضرورة إلى كوارث اجتماعية واقتصادية، والأحزاب التي منحتنا ألفا وخمس مائة منتخب متابع قضائيا ومنهم من صار “خرّيج سجون” من الذين تورطوا في جنايات وتحرشات ناهيك عن جهلهم المطبق بالإدارة، هي نفسها من تصرّ بنفس الأساليب على التواجد في مختلف المشاهد السياسية المستقبلية، رغم علمنا أن الحصانة القانونية التي يتمتع بها البرلمانيون ورجال دولة آخرين هي ما جعلت رقم المتابعات القضائية لا يتجاوز الرقم المهول 1499 منتخب في العدالة، وهو رقم يدفع الجزائر لبناء مزيد من السجون وليس المنشآت الصناعية والسكنية التي يزعم المترشحون بناءها.
أكيد أن السلطة التي تحاول أن تقول للناس “هؤلاء منتخبيكم هم منكم وأنتم منهم” هي من علمتهم جميعا السِحر الباطل الذي انقلب علينا، فكان اختيار المترشحين للمجلس الشعبي الوطني فاشلا، وكانت الحملة الانتخابية فاشلة، والمنطق يقول أن ما بدأ بالفشل وتواصل بالفشل لا يمكن أن ينتهي بالنجاح.
قديما قال فاروق الأمة “لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يعاقبني الله”، لأنني لم أصلح لها الطريق، وحديثا يقول مفرقو الأمة أن البغلة لا تعثر ولا يعثر أصحابها من المنتخبين، لأنهم تاهوا الطريق فلا إصلاح ولا تعثر.