طبيب يحتج.. وزير يهدد.. مريض يموت
مرضى مكدسون أمام مختلف الأجنحة، أنات، جرحى وبكاء أطفال… هي مشاهد مهربة من مستشفيات العاصمة أين لايزال ممارسو الصحة العمومية مصرين على إضرابهم لليوم الثاني على التوالي، لتزداد بذلك معاناة المرضى عن الحد الإنساني المعقول، وتتأجل جميع مواعيد فحصهم وإجراء تحاليلهم الطبية… ويترقبون بفارغ الصبر يوم علاجهم والتخفيف من حدة آلامهم ومعاناتهم، ولا حديث عن “المعذبين” المصابين بالسرطان والكلى وغيرها من الأمراض الفتاكة التي لا ترحم.
.. هي حالة المرضى التي وقفنا عليها في بعض مستشفيات العاصمة التي زارتها “الشروق” أمس، حيث التقينا بحالات مستعصية وجد أصحابها صعوبة كبيرة في الوصول إلى الطبيب المختص، لأنه وبكل بساطة… لا يعمل فهو مضرب… على حد قول أحد المواطنين الذي كان يصرخ بأعلى صوته وفي يده ظرف من الحجم الكبير.. أمام الجناح الخاص بأمراض القلب بمستشفى بارني ويردد قائلا “…راني نموت يا ناس خمو فينا… راني من مستشفى إلى آخر”، لتقاطعه الحديث سيدة طاعنة في السن “لا أحد يفكر فينا.. لا الطبيب ولا الدولة.. فكل واحد يقول.. يالله يا نفسي..”.
انتقلنا إلى جناح آخر مخصص للأطفال، حيث وجدنا نساء بصغارهن والقاعة ممتلئة عن أخرها، لكن يوجد طبيب واحد فقط في إطار أدنى الخدمات المقدمة، حيث تقول إحدى النساء اللائي تحدثنا إليها: “حضرت إلى هنا من أجل طفلي باكرا، ولحد الآن لم يأت دوري بعد.. ولا أملك ثمن الطبيب الخاص حتى أعالجه… وهذه هي حالة “الزوالي” في بلادنا، فهو مرهون بجميع الظروف التي يمكن أن تطرأ”. الحال نفسه ينطبق على باقي المستشفيات التي زرناها، أين يقصد المواطنون، مختلف المصالح، خاصة الجراحية منها، وجعل المقبلين على إجراء عمليات جراحية مختلفة في حيرة من أمرهم، فهم يملكون مواعيد محددة، واستكملوا كافة الإجراءات والتحاليل اللازمة، ولم يكن ينقصهم سوى دخول المستشفى وتحضير أنفسهم للجراحة، ليقع كثيرون في مآزق حقيقية، على غرار حالة أحد المرضى الذي أبدى استياءه وتذمره من هذه الوضعية التي جعلته يتكبد عناء ومشقة السفر، خاصة أنه قادم من ولاية سعيدة، وهي الحالة نفسها تنطبق على العديد من المرضى التي بدت على محياهم آثار التعب الناتجة عن كثرة الانتظار دون أدنى نتيجة.
ومهما يقال في هذا الشأن، فإن اللوم الأكبر الذي أجمع عليه المرضى يقع على السلطات العمومية المعنية، وخاصة الوزارة الوصية التي وقفت عاجزة، مشدوهة مما يجري، وكأن الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد لحل الإشكالات المطروحة أمام المطالب، التي يرى أصحابها أنها مطالب قانونية ومشروعة، ولن يرضخوا لتهديدات أي طرف مهما كلفهم الأمر.