طرد من غير مطرود
الجزائر السيدة في مواقفها، الشامخة برجالها، وعبر ديبلوماسيتها المهنية اللينة الصلبة، الهادئة الرصينة الحاسمة، تتمكن من الرد السريع على الاستفزازات الداخلية في حكومة اليمين الفرنسية: ردٌّ سيادي مدروس ومحسوب بدقة وعناية، كما لو أنها أرادت أن تلطم فرنسا نفسها، بيدها.
الجزائر التي استدعت سفيرها في باريس نهاية جويلية 2024، على إثر الموقف الفرنسي من الصحراء الغربية، لم تقابله فرنسا بالمثل مخافة الوصول إلى القطيعة مع الجزائر، وبقيت الأمور تسير على المستوى القنصلي في فرنسا، بينما ظلّ السفير الفرنسي موجودا في الجزائر ولم تقم فرنسا لا باستدعائه للتشاور ولا بسحبه. بقيت الأمور عند هذا الحد، من دون أن يعني أن التصعيد لم يكن يُطبخ على نار غير هادئة في فرنسا، إعلاميا وسياسيا، بفعل مناورات يمين الوسط في حزب ماكرون، الذي يجد قدما له في يمين الوسط وقدما أخرى في يمين اليمين، لا يقدر أن يستقوي باليسار والخضر، لطبيعة بنيته الإيديولوجية الجمهورية، ولا يريد أن ينجرّ إلى معسكر اليمين المتطرف، فخسر دعم اليسار وخسر دعم اليمين، ليجد نفسه في وضع هش برلمانيًّا، يخشى على حكومته من السقوط كل مرة. وضعٌ حرج، جعل رئيس الجمهورية لا يقوى على اتّخاذ قرارات حاسمة تجاه وزراء حكومته، بمن فيهم رئيس الوزراء والداخلية والخارجية، الذين أبانوا على لونهم وتوجُّهاتهم اليمينية، طمعا في استحقاقات 2027 الرئاسية.
في كل هذا، وأمام رغبة ماكرون في رأب الصدع مع الجزائر، التي باتت فرنسا تخسر معها كل ما بنته الحكومات والسياسات الفرنسية، وتفقد كل الامتيازات التي حصلت عليها، بحق أو بغير وجه حق، لاسيما مع حكومات العصابات ما قبل 2019، كانت مكالمة عيد الفطر، وكانت الزيارة السريعة لوزير الخارجية الفرنسية للجزائر، وكانت الأمور ستعرف انفراجا في العلاقات الثنائية من جديد، غير أنه في هذه الأثناء، يفجر وزير الداخلية لغما يمينيا، ويقوم بما قام به من اختطاف وتوقيف وسجن موظف قنصلي، على ما يملك من حصانة، في قضية كان من المفروض أن تكون فرنسا، التي تود من العلاقات الجزائرية الفرنسية أن تستمر وأن تُرمَّم، ألا تسمح لعناصر نشاز، أن تسمِّم العلاقات الثنائية، فضلا عن أن تمنحهم المنابر وحرية التطاول على الجزائر وترفض تسليم المحكوم عليهم من طرف القضاء الجزائري في قضايا فساد.
تتدخل فرنسا الرسمية في ملف صنصال، من أعلى مستوى، مطالِبة من المستوى السياسي الجزائري، ضغطا ثم توددا، إلغاء توقيفه ومحاكمته، بما يشي بعدم احترام فرنسا الرسمية للقضاء الجزائري، وعدم الاعتراف باستقلاليته، فيما قضاؤهم مستقلٌّ ولا دخل للمستوى السياسي فيه، مثله مثل حرية التعبير المصانة عندهم، المهانة منهم عندنا..
“هذه النظرة والموقف المتعالي، النابع من الذاكرة الاستعمارية”، هي التي دفعت الإدارة الفرنسية في الداخلية أولا، أعقبها اصطفافٌ كامل للحكومة الفرنسية فيما بعد، إلى تعكير صفو الجو غير الصافي أصلا، وإفساد ودِّ الديبلوماسية المترنحة بين البلدين، أوصلت إلى طرد الأعوان الـ12 التابعين للداخلية الفرنسية في السفارة الفرنسية بالجزائر، في خطوة مدروسة، لا يُستبعد أن تكون الجزائر قد درستها بعناية، والتي كانت تفضي إلى أن تردَّ فرنسا بالمثل، وتستدعي سفيرها، لنكون بذلك قد حققنا غاية الضغط من دون أن نضطر إلى طرد السفير وتعميق الهوية وتأزيمها أكثر.. خطوة مدروسة، وحنكة ديبلوماسية، أدت إلى الوضع القائم: بلدان بلا سفراء، و12 موظفا قنصليا ناقصا في كل جهة، ومصالح فرنسية ضائعة، وصنصال، سيبقى أطول، طالما بقي التعنُّت السياسي الفرنسي قائما قاعدا.