طلبة أعلم من أساتذتهم
في خريف عام 1989 زار الجزائر الشيخ عبد المجيد الزنداني، الذي كان آنذاك رئيسا لمنظمة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وفي السّنّة النبوية الشريفة، وكانت الدعوة من طرف وزارة الشؤون الدينية، التي أسندت منذ أيام قليلة إلى الدكتور سعيد شيبان، ذكره الله بخير.. ورغم أن وقته كان مقسما إلى قسمين، الصّباح لمرضاه في مستشفى مصطفى، والمساء لوزارة الشؤون الدينية.. والشيخ الزنداني صيدليّ في تكوينه الجامعي، ولكنه وجّه – بتوفيق من الله – هذا التكوين للبحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسّنة، وكم فتح الله – عز وجل – على يديه من قلوب غلف وأعين عمي، وشرح بسببه عقولا كانت مغلقة، وصدورا كانت ضيّقة حرجة، فاهتدى أصحابها إلى الحق، ودخلوا في دين الله أفواجا عن بيّنة..
كان يوم زيارة الشيخ الزنداني موافقا ليوم المولد النبوي الشريف، وقد أخذ الشيخ مباشرة من المطار إلى المسجد، الذي أقيمت فيه الاحتفالات الرسمية بالمولد النبوي الشريف، وكان المسجد هو مسجد الشيخ محمد ابن جلول بمدينة البليدة..
كان مقررا أن يمكث الشيخ في الجزائر يومين أو ثلاثة لكثرة أشغاله، ولكنه بعدما رأى ما رأى من إقبال كبير على الإسلام وحماس فيّاض مدّد إقامته إلى فترة أطول، زار فيها مدينتي قسنطينة ووهران، وما أنس لا أنس تلك الزيارتين، اللتين سعدت، وتشرفت بمرافقته فيهما..
والشيخ الزنداني على علمه الغزير، وفضله الكبير، وشهرته الواسعة، ووظيفته السامية من أبسط عباد الله، وألينهم عريكة.. ولا يعطي أهمية لما يهتم له الناس من مظاهر.. فقد تغدّينا في قسنطينة في مطعم ولم يذهب إلى دار الضيافة في الولاية ربحا للوقت.. وكان مقررا أن يلقي محاضرة واحدة، فألقى محاضرتين اثنتين في يوم واحد.. وقد توضّأ وصلى في ذلك المطعم.. ومحاضرة الزنداني لا تقل عن ساعة ونصف..
قدم طلبة كلية الطب بحي “لابيرين” طلبا لكي يلقي الشيخ محاضرة في كليتهم، ولم يوافق العميد إلا بعد أخذ ورد وتدخلات.. ورغم ذلك فقد بدا على “سيادته” أن الشيخ لم يملأ عينيه، ولم يقنع عقله “الصغير”..
امتلأ المدرج، وبقي كثير من الطلبة وقوفا.. ولم يحضر من هيئة التدريس والإدارة إلا العميد.. كانت محاضرة الشيخ الزنداني عن إعجاز القرآن وحديث مبلّغ القرآن في موضوع أطوار الجنين من النطفة، إلى العلقة المخلقة وغير المخلقة، إلى العظام، إلى كسوتها باللحم.. وكان كلام الشيخ مرفوقا بالصور التي كانت تعرض على شاشة.. وقد أشار الشيخ أن علم الأجنة لا يسمي مراحل الجنين، وإنما يعطيها أرقاما..
وذكر أسماء علماء اعترفوا باستحالة أن يكون ما سمعوه هو قول بشر، فأعلنوا إسلامهم..
في نهاية المحاضرة بدا لي أن ملامح السيد العميد قد تبدلت، وتناول الكلمة فشكر الشيخ، ثم قال: إنني متأكد أن معلومات الطلبة بعد هذه المحاضرة أصبحت أكثر وأدق من معلومات أساتذتهم..
وودع السيد العميد الشيخ الزنداني بغير الوجه واللسان اللذين استقبله بهما..